• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : عاشوراء .
                    • الموضوع : مناسباتٌ تُشكِّلُ محطَّاتِ توعيةٍ وبناء .

مناسباتٌ تُشكِّلُ محطَّاتِ توعيةٍ وبناء

مناسباتٌ تُشكِّلُ محطَّاتِ توعيةٍ وبناء

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
بقدر ما تُوظَّفُ المناسباتُ توظيفًا جادًّا وحقيقيًّا يكون عطاؤها أكبر، ودورُها أخصب والعكس صحيح، فالتَّوظيف الفاتر، والخطأ لهذه المناسبات يُعطِّلُ أهدافَها، ويُضعفُ حراكَها 

الهدف من الاحتفاء والاحتفال.
وحينما ندعو للاحتفاءِ والاحتفال ِبهذه المناسبات الدِّينيَّة ومنها عاشوراء ليس من أجلِ الاستهلاك الخطابيِّ فيما يعنيه هذا الاستهلاك من بَهْرجاتٍ كلاميَّةٍ، ومزايداتٍ إعلاميَّة لا تهدف إلى أكثر من الهيمنةِ على عواطف النَّاس، والعبث بأفكارهم، والتَّأثير على مواقفهم .

وأيضًا حينما ندعو للاحتفاء والاحتفال بهذه المناسبات الدِّينيَّة ليس من أجل إنتاجِ انفعالاتٍ غير واعية، ومشاعرَ ساذجةٍ ومزاجاتٍ منفلتة .

وكذلك حينما ندعو للاحتفاء، والاحتفال بهذا المناسبات ليس من أجل الاسترخاء في أحضانِ التَّاريخ بشكل بليد، وليس من أجل استدعاء خلافات، وصراعات الماضي .

إذًا لماذا ندعو للاحتفاء والاحتفال بهذه المناسبات الدِّينيَّة؟

إنَّه في الأساس امتثالٌ لتوجيهاتِ الأئمَّةِ من أهل البيت (عليهم السَّلام)

عن الإمام الصّادق (عليه السَّلام) أنّه قال لأحد أصحابه ويُسمَّى فضيل: «تجلسون وتتحدَّثون؟ فقال :نعم  فقال له الإمام الصّادق (عليه السَّلام): إنَّ تلك المجالس أحبُّها، فأحيوا أمرنا، فرحم الله من أحيى أمرنا، …».

 

من هذا النَّصِّ نفهم: إنَّ الأئمة من أهل البيت (عليهم السَّلام) يؤكِّدون على قيمة هذه (الاجتماعات)، فهم يحبُّونها، وحبُّهم يعني (المشروعيَّة)، وليس هذا النَّمط من (الاجتماعات، والاحتفاءات) هو (بدعةٌ في الدِّين) ما دام؛ من أجل إحياء قضايا الدِّين، وبأساليب يقرُّها الدِّين.

 

مسؤوليَّات الاحتفالات الدِّينيَّة
المسؤوليَّة الأولى: صناعة وعي الأمَّة

أخطر ما يواجه (أجيال الأمَّة) هو غياب الوعي والبصيرة، الأمر الذّي يُعرِّض هذه الأجيال إلى الضَّلال، والزَّيغ، والانحراف عن أهداف الدِّين، وإلى السُّقوط في متاهات الفساد، والضَّياع، لهذا أكَّدت النُّصوص الدِّينيَّة على ضرورة بناء الوعي الإيمانيِّ من خلال (التَّثقُّف)، و(التَّعلُّم)
 (...قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ). الزُّمر: 9
أُولُو الْأَلْبَابِ أي العقول
وبقدر ما يرتقي وعي الإنسان يتوفَّر على الرُّشد، والبصيرة، والقدرة على التَّمييز بين الحقِّ والباطل، بين الخير والشَّرِّ، بين الهدى والضَّلال، وهكذا يتحصَّن الإنسان في مواجهة كلِّ أسباب الزَّيغ، والانحراف، وهكذا يرتقي مستوى الإنسان.

يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ …﴾. (المجادلة: 11)
إيمانٌ بلا علم، ولا وعي، ولا بصيرة لا قيمة له
وعلم لا يقود إلى الإيمان، والهدى، والصَّلاح لا قيمة له

قيمة العلم بمقدار ما ينتج وعيًا إيمانيًّا
وقيمة هذا الوعي بمقدار ما ينتج واقعًا إيمانيًّا

 

قيمة العلم في بعض كلمات أمير المؤمنين (عليه السَّلام)
قال (عليه السَّلام): «تعلَّموا العلم، فإنَّ تعلَّمَهُ حسنة، …، بالعلمِ يُطاع الله، ويُعبَدُ.
بالعلمِ يُعرف الله ويُوحَّد.
بالعلمِ تُوصَلُ الأرحامُ وبه يُعرفُ الحلالُ، والحَرام
والعلمُ إمامُ العقلِ، والعقلُ تابِعُهُ يُلهمُهُ الله السُّعَداء، ويُحرمُه الأشقياء»

فالقِيمة كلُّ القيمة لهذه الاحتفالات بمقدار ما تمارس من مسؤوليَّتها في صناعة وعي الأمَّة وبمقدار ما ترتقي بمستويات هذا الوعي
 

المسؤولية الثّانية – من مسؤولياتِ هذه الاحتفالات الدِّينيَّة -: تجذير الولاء الإيمانيِّ

إذا كانت المسؤوليَّة الأولى تتَّصل بالعقل، والوعي، والفكر، فهذه المسؤوليَّة الثَّانية تتَّصل بالقلب، بالوجدان، بالمشاعر

القيمة للأفكار، والمفاهيم حينما تتحوَّل من العقل إلى القلب، وإلى الوجدان

وحينما تتحوَّل إلى مشاعر حيَّة في داخل الإنسان، وإلَّا بقيت الأفكار راكدةً جامدةً، فاترةً، خاملةً

وبقدر ما تكون القلوبُ طاهرةً نقيَّةً من كلِّ الشَّوائب والتَّلوُّثات تتهيَّأ لاستقبال الرُّؤى، والمفاهيم الحقَّة قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ الشعراء: 88 – 89

عن أمير المؤمنين (عليه السَّلام ): «إنَّ تقوى الله دواءُ داء قلوبكم، وبصرُ عمى أفئدتكم...

وفي كلمة ثانيةٍ قال (عليه السَّلام): «أَحْيِ قلبَك بالموعظةِ، …»

أدوات إصلاح القلوب
يحدِّد أمير المؤمنين (عليه السَّلام) بعض الأدوات؛ لإصلاح القلوب
الاشتغال بذِكر الله تعالى والتقوى واستماع الموعظة ومعاشرة الأخيار، وأهل المعرفة.

معنى الولاء الإيمانيِّ
إنَّ من أهم مسؤوليَّات هذه الاحتفالات (تجذير الولاء الإيمانيِّ لدى الأمَّة)، وأعني بالولاء الإيمانيِّ

الولاء لله

الولاء لأنبياء الله
الولاء لأولياء الله

فقيمة هذه الاحتفالات بقدر ما تجذِّر هذه (الولاءات الإيمانيَّة)

ولكي تجذَّر هذه الولاءات مطلوب أنْ تمارس دورها في صناعة القلوب، وفي إعدادها وفق الأدوات التي حدَّدتها الآيات الكريمة، والرِّوايات الشَّريفة

فمطلوب من هذه الاحتفالات
أنْ تُنشِّط لدى النَّاس (حبَّ الله، وحبَّ أولياء الله)
وأنْ تنشِّط لديهم ذِكر الله تعالى، ومواعظ الله سبحانه
هكذا تمارس هذه الاحتفالات مسؤوليَّتها في تجذير الولاء الإيمانيِّ لدى الأمَّة
فاذا وجدنا أنفسنا – ونحن نحتفي بهذه المناسبات – قد ارتقينا ولاءً إيمانيًّا، فقد حقَّقت هذه الاحتفالات هدفًا كبيرًا من أهدافها

 

المسؤولية الثَّالثة – من مسؤوليَّات هذه الاحتفالات -: ترشيد السُّلوك لدى الأمَّة
بمعنى: صناعة التَّقوى في حياة النَّاس، وصناعة السُّلوك الرَّاشد

فلا قيمة لأفكارٍ مهما كانت راقيةً وصائبة، تبقى قابعة في العقول، ولا تتحوَّل إلى (مشاعر حيَّة في القلوب)، ولا إلى (ممارساتٍ متحرِّكةً في السُّلوك)

وكذلك لا قيمة لعواطف مهما كانت نابضةً وفائرةً إذا كان لا تملك (وعيًا، وبصيرة

وإذا لم تتشكَّل (عملًا، وسلوكًا، وممارسة)، أي: إذا لم تتشكَّل (تقوًى، وورعًا

ويراد لهذه الاحتفالات أنْ تصنع (وعيًا إيمانيًّا)

ويراد لهذه الاحتفالات أنْ تصنع (وجدانًا إيمانيًّا)

ويراد لهذه الاحتفالات أنْ تصنع (سلوكًا إيمانيًّا)
وهذا يفرض أنْ لا تكون احتفالاتنا بهذه المناسبات الدِّينيَّة مجرَّد (محطَّات موقَّتة) نستنفر فيها (مشاعرَنا، وعواطفَنا)، ونستنفر فيها (خطاباتِنا، وكلماتِنا)، ثمَّ ينتهي حضورُها، ودورُها

الأمر ليس كذلك.
قيمة هذه المناسبات الدِّينيَّة حينما تتحوَّل (محطَّاتٍ دائمةً) في حياتنا.

محطَّاتٍ حاضرةً في كلِّ واقعنا: واقعِنا الإيمانيِّ، والعقيديِّ واقعِنا الفكريِّ، والثَّقافيِّ
واقعِنا الرُّوحيِّ، والأخلاقيِّ
واقعٍنا السُّلوكيِّ، والعمليِّ
في كلِّ واقعِنا الاجتماعيِّ، والحياتيِّ
وقد أكَّد أئمَّتنا (عليهم السَّلام) في كلماتهم لأتباع مدرستهم أنْ يكونوا نماذج راقية في كلِّ سلوكهم، وأفعالهم، وممارساتهم: «…، كونوا لنا زينًا ولا تكونوا علينا شينًا

وعن الإمام الحسن العسكريِّ (عليه السَّلام) يخاطب شيعته: «…، اتَّقوا الله، وكونوا زينًا، ولا تكونُوا شينًا  جُرُّوا إلينا كلَّ مودَّة، وادفعوا عنَّا كلَّ قبيح، …»

هذا ما أوصانا أئمَّتنا الأطهار (عليهم السَّلام)، فلنكن (النَّماذجَ الخيِّرةَ) كما أراد أئمَّتنا (عليهم السَّلام)، وأنْ نكون النَّماذجَ التي تجرُّ إليهم كلَّ مودَّةٍ، وتدفع عنهم كلَّ قبيحٍ.


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=1162
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2023 / 07 / 24
  • تاريخ الطباعة : 2024 / 03 / 1