• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .
              • القسم الفرعي : علماء .
                    • الموضوع : الشيخ حسن المامقاني ونكران الذات .
                          • رقم العدد : العدد الرابع والعشرون .

الشيخ حسن المامقاني ونكران الذات

  

الشيخ حسن المامقاني ونكران الذات

نقدم هذا الشيخ مثلاً رائعاً في نكران الذات، والاستخفاف بكل ما يتصل بمنافعه الشخصية من قريب أو بعيد.. فلقد أتته الشهرة بعد الخمول، والغنى بعد الفقر، فزهد بالجاه والمال، وأخذ نفسه بالأسلوب الذي عاشه، وهو طالب فقير، ولم يخرج منه إلى الترف والملذات، والكبرياء والاستعلاء بل ازداد للناس تواضعاً، ومن الله خوفاً.

وكان يفرق على الفقراء والمحتاجين كل ما يصل إلى يده من أموال الحقوق، ولا يبقي لنفسه وعياله منها شيئاً، وكانت تبلغ خمسين ألف تومان في السنة أو تزيد، وكان إذا جاءه حق في الليل يوزعه في ساعته، ولا يبقيه إلى الصباح، وكان يقول: من كان أميناً على مال الله فليس له أن يأخذ منه شيئاً لنفسه، حتى لضرورة العيش، لأن الأخذ لها يجره إلى الأخذ للتوسعة، ثم يؤدي به هذا لاقتناء الأملاك والعقارات.

وهنا سؤال يفرض نفسه: من أين كان يعيش هذا الشيخ مع تعففه عن الحقوق؟

قال ولده الشيخ عبد الله في ترجمته: كان يقنع بما يأتيه بعنوان الهدية حتى الهدية له كان يوزع قسماً منها على الطلاب.

وكانت حياته بعد الرئاسة كما كانت قبلها، لم يتغير شيء من مأكله وملبسه ومسكنه، وسائر معاملاته، فكان يسكن في دار متواضعة بالإجار، وأهداه أحد المحسنين مبلغاً من المال ليشتري به داراً، ففرقه على الفقراء، ولما عاتبه صاحب المال قال: لقد اشتريت داراً في الآخرة لا تفنى.. وقيل له: أتبقي أهلك بلا مسكن بعدك؟ فقال: الله لأهلي، وها أنا لا أملك شيئاً، وكثيرون غيري لا يملكون دوراً.

وكان بعض السادات في النجف ينال من كرامته، ولا ينفك عن إيذائه، ومع ذلك كان يبعث إليه بالأموال والصلات، وفي ذات يوم بلغه أن عليه ديوناً، وأن أربابها يضايقونه بالمطالبة، فوفاها عنه، وقال: إلهي أنت تعلم أن هذا السيد يسيء إليّ بدون سبب، وقد وصلته إيثاراً لمرضاتك على هواي..

هذي هي أخلاق أئمتنا الأطهار عليهم أفضل الصلوات، فقد روي أن الخريث بن راشد قال لأمير المؤمنين أيام خلافته: لا أأتم بك، ولن أشهد معك الصلاة، ولن أأتمر بأمرك، ولن يكون لك علي سلطان.

فقال له الإمام: لك ذلك مع عطائك كاملاً، على شريطة أن لا تعتدي على أحد، فإن اعتديت عاقبتك بما تستحق.

وكان يقول الشيخ حسن عن المصالحة في الاموال المستحقة بالخمس: إن هذه المصالحة محرمة في الإسلام، لأنها تتنافى مع مصلحة تشريع الخمس والزكاة، وفيها تفويت لحق الفقراء، وإذا كان الفقيه ولياً عن الفقير في قبض المال فلا ولاية له في العفو والإبراء منه.. أما من تذرع بأن في المصالحة استنقاذاً لبعض الحق، وأن في تركها تفويتاً للجميع فرد عليه الشيخ حسن بأن هذه المصالحة إغراء بالجهل، حيث يعتقد من عليه الحق ببراءة ذمته، فلا يؤدي ما تبقى عليه.

وبكلمة لقد ابتعد هذا الشيخ الجليل عن الشبهات تماماً كما ابتعد عن الحرام البيّن، وتورع عن كل أسلوب يخشى معه على دينه وآخرته، من ذلك أن بعض التجار كان يمده بشيء من المال، وهو طالب، فكان الشيخ إذا التقى بهذا المحسن يتجاهله، ولا يسلم عليه، كي لا يظن أنه يتملقه، ويتقرب إليه طمعاً في دنياه، ولما علم المحسن ذلك من الشيخ عامله بالمثل، كي لا يظن الشيخ أنه يمن عليه بإحسانه.. لقد ابتغى كل ممن أعطى وأخذ أشرف المقاصد، وأنبل الغايات، فابتعد عما يدنس هذه الغاية النبيلة، والمقصد الشريف.. ولا أثر اليوم لهذا اللون من الإعطاء والأخذ.. إن الذين يدفعون قد أصبحوا أقل من القليل، ومن دفع فلا بد أن يرتل له آيات الحمد والتمجيد.

وفي النهاية نحن لا نطلب من العالم أن يتحلى بجميع ميزايا هذا الشيخ، لنمنحه الحب والاحترام، ونكتفي منه أن لا يتخذ الدين وسيلة للارتزاق.

 

 

 


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=487
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2013 / 07 / 12
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 08 / 14