شهر رمضان شهر التقوى
المواطن التي ذكرت فيها التقوى ومشتقاتها في كتاب الله العزيز قد نيفت على أربعين ومائتي مواطن: تأمر بالتقوى وتحث عليها, وتربط إفلاح بها وتبين منزلة المتقين في الدنيا والآخرة, عند الله تعالى وعند الناس كما في قوله سبحانه : وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ البقرة: 189
فالتقوى خير, ولباسها لباس خير, وزادها أنفع الزاد, فقال تعالى: قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُم الزمر: 10 وفي أية أخرى قال سبحانه وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة:197],
وفي ثالثة قال عز من قائل : وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ الأعراف : 26
ما هي التقوى
والتقوى في أصل معناها من الوقاية ، و الوقاية تعني الحذر و الاحتراز و البعد و الاجتناب .
و هذا يمثل الوجه السلبي للتقوى . إلاّ أن التقوى تأخذ معنى أعمق ، يمثل الوجه الايجابي. فالامام علي ( ع ) يعتبر التقوى التي هي في الاصل حذر و بعد عن الشر ، يعتبرها قوة روحية تتولد للانسان ، من جراء تمرين النفس على الحذر من الذنوب . اذن فهي ملكة تتولد في النفس تحصل من التمرين و الممارسة ،فتجعل الانسان يقدم على القيم الروحية و يحجم عن القيم المادية .
قال الامام علي ( ع ) :
أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه ، الّتي هي الزّاد و بها المعاذ : زاد مبلغ ، و معاذ منجح . دعا إليها أسمع داع ، و وعاها خير واع . فأسمع داعيها ، و فاز واعيها . عباد اللّه ، إنّ تقوى اللّه حمت أولياء اللّه محارمه ، و ألزمت قلوبهم مخافته ، حتّى أسهرت لياليهم ، و أظمأت هواجرهم . فأخذوا الرّاحة بالنّصب ، و الرّيّ بالظّمإ . و استقربوا الأجل ، فبادروا العمل ، و كذّبوا الأمل ، فلاحظوا الأجل ( الخطبة 112 ، 220 )
ويقول عليه السلام : اعلموا عباد اللّه أنّ التّقوى دار حصن عزيز . و الفجور دار حصن ذليل . لا يمنع أهله ،و لا يحرز ( أي يحفظ ) من لجأ إليه . ألا و بالتّقوى تقطع حمة الخطايا ( الحمة هي ابرة الزنبور و العقرب ) و باليقين تدرك الغاية القصوى . ( الخطبة 155 ، 277 )
ويقول عليه السلام : عباد اللّه أوصيكم بتقوى اللّه فإنّها حقّ اللّه عليكم ، و الموجبة على اللّه حقّكم . و أن تستعينوا عليها باللّه ، و تستعينوا بها على اللّه . فإنّ التّقوى في اليوم الحرز و الجنّة ،و في غد الطّريق إلى الجنّة . مسلكها واضح ، و سالكها رابح . و مستودعها حافظ . لم تبرح عارضة نفسها على الأمم الماضين منكم و الغابرين ، لحاجتهم إليها غدا . إذا أعاد اللّه ما أبدى ، و أخذ ما أعطى ، و سأل عمّا أسدى . فما أقلّ من قبلها و حملها حقّ حملها . أولئك الأقلّون عددا . و هم أهل صفة اللّه سبحانه إذ يقول وَ قَلِيْلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ . فأهطعوا بأسماعكم إليها . و كظّوا بجدّكم عليها . و اعتاضوها من كلّ سلف خلفا ، و من كلّ مخالف موافقا . أيقظوا بها نومكم ، و اقطعوا بها يومكم . و أشعروها قلوبكم ، و ارحضوا بها ذنوبكم . و داووا بها الأسقام ، و بادروا بها الحمام . و اعتبروا بمن أضاعها ، و لا يعتبرنّ بكم من أطاعها . ألا فصونوها و تصوّنوا بها ، و كونوا عن الدّنيا نزّاها ، و إلى الآخرة ولاّها . و لا تضعوا من رفعته التّقوى ، و لا ترفعوا من رفعته الدّنيا . . . ( الخطبة 189 ، 354 )
أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه ، فإنّها الزّمام و القوام . فتمسّكوا بوثائقها و اعتصموا بحقائقها . تؤل بكم إلى أكنان الدّعة و أوطان السّعة . و معاقل الحرز و منازل العزّ . في يوم تشخص فيه الأبصار . . . ( الخطبة 193 ، 384 )
من صفات المتقين
اضافة الى الخطبة الشهيرة بخطبة المتقين في نهج البلاغة, للإمام علي عليه السلام توصيفات عديدة اخرى للمتقين وردت في العديد من الخطب منها:
قال الامام علي ( ع ) في صفة المتّقين : كان لي فيما مضى أخ في اللّه ، و كان يعظمه في عيني صغر الدّنيا في عينه . و كان خارجا من سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد و لا يكثر إذا وجد . و كان أكثر دهره صامتا ، فإن قال بدّ ( أي منع ) القائلين ، و نقع غليل السّائلين . و كان ضعيفا مستضعفا فإن جاء الجدّ فهو ليث غاب ، و صلّ ( أي حيّة ) واد . لا يدلي بحجّة حتّى يأتي قاضيا . و كان لا يلوم أحدا على ما يجد العذر في مثله ، حتّى يسمع اعتذاره . و كان لا يشكو وجعا إلاّ عند برئه . و كان يقول ما يفعل و لا يقول ما لا يفعل .
و كان إذا غلب على الكلام لم يغلب على السّكوت . و كان على ما يسمع أحرص منه على أن يتكلّم . و كان إذا بدهه أمران ، ينظر أيّهما أقرب إلى الهوى فيخالفه . فعليكم بهذه الخلائق فالزموها و تنافسوا فيها . فإن لم تستطيعوها فاعلموا أنّ أخذ القليل خير من ترك الكثير . ( 289 ح 624 )
إنّ أولياء اللّه هم الّذين نظروا إلى باطن الدّنيا إذا نظر النّاس إلى ظاهرها . و اشتغلوا بآجلها إذا اشتغل النّاس بعاجلها . فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم ، و تركوا منها ما علموا أنّه سيتركهم ، و رأوا استكثار غيرهم منها استقلالا ، و دركهم لها فونا . أعداء ما سالم النّاس ، و سلم ما عادى النّاس . بهم علم الكتاب و به علموا . و بهم قام الكتاب و به قاموا . لا يرون مرجوّا فوق ما يرجون ، و لا مخوفا فوق ما يخافون . ( 432 ح 653 )
ثمرات التقوى
للتقوى ثمرات وفوائد في الدنيا والآخرة منها :
_1 حسن العاقبة : قال تعالى : وأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132
–2 قوة البصيرة قال تعالى: يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ الأنفال : 29.
_ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ الحديد: 28
3_ التكريم الالهي قال تعالى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ الحجرات : 13
–4 معية الله قال تعالى : إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ النحل : 128.
– 5 النجاة والامن يوم القيامة قال تعالى : (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً مريم : 71-72
– وقال الله تعالى : فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون الأعراف : 35
–6 البشرى بالجنّة, وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ق : 31, وقال تعالى : تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّا} مريم : 63 ]
|