• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : شهر رمضان .
                    • الموضوع : فريضة الصوم آيات وأحكام .

فريضة الصوم آيات وأحكام

 

 

قال تعالى :﴿  يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ﴾

هذه الآية المباركة هي أولى الآيات التي تحدثت عن فريضة الصوم وأحكامه ، وهذه العبادة لما كانت ثقيلة علىالنفس لما فيها من الإمتناع عن أمور إعتادها الإنسان وتطلبها غريزته ، أراد الله تعالى أن يهيئ النفوس لتقبل هذه الفريضة الشاقة فخاطبهم بنداء الإيمان ( يأ أيها الذين آمنوا ) لما في أسلوب النداء من الأثر البالغ في الإنقياد وذلك ما عبر عنه الإمام الصادق "ع" بالقول : لذة ما في النداء أزال التعب والعناء  وأريد للمؤمنين أن يلتفتوا إلى حقيقة وهي أن الإيمان ليس فقط ما أنطوى في الجنان بل هو أيضاَ عمل بالأركان يترجم ذلك الإيمان .

والصوم لغة هو الإمساك ومنه يقال للصمت صوم لأنه أمساك عن الكلام وهذا ما تؤكده الآية المباركة على لسان السيدة مريم (ع) ( إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم أنسيا ) لذا فالصوم ليس شيئاً أختصت به الشريعة الإسلامية بل هو أمر مفروض في الشرائع السابقة كما تتضمن الآية المباركة : كما كتب على الذين من قبلكم ... فالتشبيه بـ ( كما ) لبيان المشابهة في تشريع أصل الصوم لا في جميع حدوده وهذا يدل على الأهمية العظمى لهذه العبادة وما لها من الأثر البالغ في تحقيق المقاصد الإلهية  والصوم في الشرع هوإمساك عن أشياء مخصوصة في زمن مخصوص كما سيأتي بيانه في الآيات .

وفلسفة الصوم يجب أن نعيها كما نعي سائر العبادات على ضوء ما قرره علماء الأصول من أن أحكام الشريعة الإسلامية تابعة للمصالح والمفاسد الفردية والإجتماعية للإنسان فليس في الشريعة أحكام شرعت من أجل الله ، فالله غني عن العالمين لا تنفعه طاعة من أطاعه ولا تضره معصية من عصاه ، لذا قال الله تعالى : ( يا أيها لناس أنتم الفقراء إلىالله والله هو الغني الحميد ) ... فالهدف هو الإنسان وبناؤه الروحي .

على ضوء هذا الفهم للعبادة نفهم فريضة الصوم ونمارس هذه العبادة والآية الكريمة تصرح .. لعلكم تتقون . الغرض الأسمى من الصوم هو تحصيل ملكة التقوى ، نعم للصوم فوائد صحية وتحدثت الروايات عن ذلك كقوله "ص" : صوموا تصحوا ، وقد تحدث العلماء عن الفوائد الصحية للصوم ، وتحدثت روايات أخرى عن آثار إجتماعية للصوم كما في رواية للإمام الصادق "ع" .يقول فيها : إنما فرض الله الصيام ليستوي به الغني والفقير وذلك ان الغني لم يكن ليجد مس الجوع فيرحم الفقير ، وأن الغني كلما أراد شيئاً قدر عليه فأراد الله أن يسوي بين خلقه وأن يذيق الغني مس الجوع والألم ليرق على الضعيف ويرحم الجائع .

لكن يبقى الغرض الأهم والأرقى وهو التقوى ، فالصوم وسيلة من وسائل التقوى التي تعني تلك الحصانة المانعة من إنجرار الإنسان وراء غرائزه وإحتياجاته بلا ضوابط وحدود ولكن كيف كان الصوم وسيلة للتقوى ؟ الصوم كما ذكرنا هو عملية ردع النفس عن مشتهياتها الغذائية والجنسية وغيرها إطاعة الله تعالى والإلتزام بهذا الأمر يربي في الإنسان قوة الإرادة ويجعله متماسكاً أمام ضغوطات الغرائز والشهوات فتسمو روحه وتزداد إرتباطاً بالله عز وجل ويمنعها ذلك من تجاوز حدود الله تعالى ، هذا على الصعيد الفردي ، ويتجاوز الصوم الفوائد الفردية ليطال المسلمين في مجتمعهم فيربي فيهم القوة والصلابة والتحمل والصبر أمام أعداء الإسلام والمسلمين وليشكل حصانة للمجتمع أمام أعدائه من الداخل المتمثل في حدوث حالة الترف والركون إليه ، ومن الخارج متمثلاً بأعداء الإسلام والمسلمين الذين يتحينون الفرص لأضعاف هذه الامة وشل قدراتها ، ثم توالت الآيات المباركات لتتحدث عن بعض أحكام الصوم نجمل بعضها :

1 ـ إن وجوب الصوم محدود بزمان معين لا يحتل مساحة كبيرة في قاموس الزمن بل هو ـ (أياماً معدودات) ـ لأن الله يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر ولذلك لا ينبغي للمؤمن أن لا يتثاقل من القيام بها .

 

2 ـ المريض والمسافر معفوان من الصوم على نحو الإلزام فلا يجوز للمريض الصوم إذا اضره بأن زاد في مرضه أو أخر الشفاء والمرجع في ذلك هو تشخيص الإنسان لحالته دون تحايل لذا سئل الإمام الصادق"ع" : ما حد المرض الذي يفطر به الرجل ويدع الصلاة من قيام  قال بل الإنسان على نفسه بصيرة هو أعلم بما يطيقه قال الله تعالى : ( فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر ) ويؤكد مضمون الآية قوله تعالى ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه )  أي من كان حاضراً في بلده معافى من المرض فليصم واما لو كان مسافراً أو حاضراً مريضاً فليفطر وليقض في ايام أخر .

 

3 ـ تحدثت الآية المباركة ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) عن إيجاب الفدية التي حددت بمد من الطعام ، على من يشق عليه الصوم كثيراً وعبرت بـ ( يطيقونه ) من الطوق وهي الحلقة تلقى على العنق ثم أطلقت الكلمة على نهاية الجهد والطاقة أي الذين يجهدهم الصوم ويثقل عليهم ، وفسرت الآية في بعض الروايات بالشيخ الكبير والإنسان المريض بكثرة العطش والمرأة التي تخاف على وليدها إذا كانت حاملاً أو مرضعاً يؤثر الصوم سلباً على لبنها .

 

4 ـ نزلت الآيات في تحليل إتيان النساء ليلة الصيام بعدأن كان محرماً عليه ذلك ، قال تعالى ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) وروي في المجمع في سبب نزول الآيات عن الصادق (ع) كان الأكل محرماً في شهر رمضان بالليل بعد النوم وكان النكاح حراماً ليلاً ونهاراً في شهر رمضان وكان رجل من أصحاب رسول الله "ص"  يقال له مطعم بن جبير وكان شيخاً ضعيفاً وكان صائماً فأبطأت عليه أهله بالطعام فنام قبل ان يفطر فلما انتبه قال لأهله قد حرم علي الاكل في هذه الليلة فلما أصبح حضر حفر الخندق فأغمي عليه فرأه رسول الله فرق له

 وكان المسلمون شباناً، ينكحون نسائهم بالليل سراً، لقلة صبرهم فسأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الله في ذلك فأنزل الله:

((أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ......)

 

5 ـ حددت الآيات وقت الصوم من طلوع الفجر إلى الغروب ( ثم أتموا الصيام إلى الليل )

 

6 ـ حددت وقت الأفطار من الليل إلى طلوع الفجر ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ) وروي في هذا المجال أن عدي بن حاتم الطائي قال للنبي (ص) إني وضعت خيطين من شعر أبيض وأسود فكنت أنظر فيهما فلا يتبين لي ، فضحك رسول الله ثم قال : يا ابن حاتم ، إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل فإبتدىء الصوم من هذا الوقت .

 

نزول القرآن :

عبرت الآية الكريمة : شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان .. عبرت شهر رمضان بأنه الذي أنزل فيه القرآن ولم تعبر بأنه الشهر الذي وجب فيه الصوم وهذا يدل على أن عظمته قد أكتسبها بسبب نزول القرآن فيه فالقرآن نزل فيه وفي ليلة القدر بالخصوص ، كما نصت الآية الكريمة ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة ) والمعروف أن النبي بعث بالقرآن في شهر رجب ونزل عليه طيلة سنوات بعثته وهذا ما جاء به القرآن في أيات منها ( وقرآناً فرقناه لتقرأه علىالناس على مكث ونزلناه تنزيلا ) .

وأجيب عن ذلك أنه أستعمل في التعبير عن ذلك كلمتان ( أنزل ) و( تنزيل) والفرق بينهما أن الإنزال يتم دفعة واحدة أما التنزيل فيتم تدريجاً وعلى دفعات فيكون للقرآن نزولاً واحد دفعي والآخر تدريجي ، فالحقيقة القرآنية حقيقة واحدة موجودة عند الله وقد عرض عليها بعد بعثه النبي صفة القراءة وصفه العربية والتفصيل إلى سور وآيات ويدل على ذلك قوله تعالى ( كتاب أحكمت أياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ) وقوله تعالى : ( أنه لقرآن كريم في كتاب مكنون ) وهناك آيات إستدل بها على أن النبي كان عارفاً بالقرآن قبل أن ينزل عليه الوحي التدريجي كقوله تعالى : ( لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فأتبع قرآنه ) .. وذهب آخرون إلى أن بداية نزول القرآن هو شهر رمضان المبارك وهو نزول واحد تدريجي وأياً كان الصواب في ذلك فالقرآن عبر عن نفسه بأنه هدى للناس يهديهم إلى صراط مستقيم ، صراط الحق والصواب الذي لا أعوجاج فيه ويؤمن سعادة الدارين بالتزام مبادئه التشريعية والأخلاقية ، وكذلك فهو بينات واضحات لا لبس فيها ، من أبصر إليها بصرته ، وهو أيضاً فرقان يفرق بين الحق والباطل فهو الحكم إذا التبست علينا الفتن كقطع الليل المظلم .

والمؤمل من المسلمين في هذا الشهر المبارك أن يزداد إرتباطهم بالقرآن فيرتلونه أناء الليل والنهار يلينون به هذه القلوب القاسية ويتداوون به من أكبر داء ، داء الشرك والنفاق ، وأن يلتزموا حدوده لا مجرد أن يقيموا حروفه ، وأن يتدبروا آياته ليستفيدوا من حكمه وبراهينه فإنه ليس قبل القرآن من غني ولا بعده من فاقه .                                                                         والحمد لله رب العالمين .


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=66
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2007 / 09 / 14
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 10 / 16