• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : عاشوراء .
                    • الموضوع : رسالتنا في شهر محرم .

رسالتنا في شهر محرم

 رسالتنا في شهر محرم

 

رسالتنا في شهر محرم : 1ـ الإرشاد والهداية 2ـ الخدمة والإنسانية 3ـ المحبة والحرية

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:  (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فيه  الشورى:13  

 

 

أولاً: اقامة الدين هي المسؤولية الكبرى  

  ماهي الرسالة  في شهر محرم؟  

الإجابة على ذلك في كلمة واحدة فقط تضمنتها هذه الآية الشريفة: ( أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ)، هذه هي وظيفتنا: أن نقيم الدين

ان الكثير منا يتوهم أن إقامة الدين هي مسؤولية الدولة أو مسؤولية مراجع التقليد (حفظهم الله جميعا) أو مسؤولية الطبقة العليا الراقية من المجتمع، كلا إذ يقول تعالى: ( شَرَعَ لَكُمْ) والضمير يرجع للكل، شرع لكم أي لكل رجل وامرأة، انثى أو ذكر، عالم أو متعلم أو جاهل، مسؤول أو غير مسؤول أو أي شيء آخر كان كلٌ في حدود قدراته وطاقاته وإمكاناته

 هل أقام الدين كما صنع سيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليه وكما كانت الغاية النهائية من نهضته وثورته المباركة؟

 

ان إقامة الدين هي حقيقة ذات مراتب ودرجات كما أنها ذات مصاديق، فقد يكون بمقدوري أن أقيم الدين في جملة مصاديق وإن لم استطع إقامة الدين في كافة المصاديق، إلا أن ذلك لا يعفيني عن هذا الواجب (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ  

اذن: إقامة الدين هي رسالتنا في شهر محرم، بل في كل شهور السنة، إلا أن شهر محرم يصلح كمنطلق بل هو أفضل منطلق لإقامة الدين لأن ثورة سيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليه بما تميزت به وبما حفلت به من تضحيات لا نظير لها على مر التاريخ وبما تميزت به من فتوة وشهامة وإباء وعزة نفس وحرية وغير ذلك، ومن العاطفة أيضاً حيث كمية العاطفة الجياشة الهائلة التي احتضنتها هذه المناسبة، تعد مناسبة استثنائية للانطلاق لإحياء الدين وإقامته فشهر محرم الحرام إذن هو أفضل منطلق لإقامة الدين.

 

ثانياً: مظاهر ومصاديق اقامة الدين

ان مظاهر اقامة الدين ومصاديق إحيائه يمكن ان نلخصها في ثلاث رسائل مهمة:

الرسالة الأولى لشهر محرم هي: رسالة الإرشاد والهداية   

الرسالة الثانية لشهر محرم: هي رسالة الخدمة والإنسانية

الرسالة الثالثة لشهر محرم: هي رسالة المحبة والحرية  

وهناك رسالات أخرى أيضاً، قال تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ ....

 

الرسالة الاولى: رسالة الهداية والارشاد

الرسالة الأولى هي الرسالة المعروفة المعهودة التي اضطلع بها العلماء والخطباء ورجال الدين وكثير من المؤمنين: رسالة الهداية والإرشاد،  ومن مظاهر الهداية والإرشاد التي ينبغي أن تطوّر وأن تتبلور بشكل أفضل في شهر محرم: إحياء القرآن الكريم

 

إحياء القرآن الكريم في شهر محرم

ان سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه) في ليلة عاشوراء قضى تلك الليلة في تلاوة القرآن الكريم وبمناجاة الرب العظيم، فاهتدى بتلاوته ـ بأبي وأمي ـ ومناجاته مع ربه، مجموعة من العسكر المقابل: ثلاثون شخصا فيما أحصاه التاريخ، ثلاثون شخصا من الأعداء عندما سمعوا صوت مناجاته (صلوات الله وسلامه عليه) خرجوا من معسكر ابن سعد وانضموا إلى معسكر سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه) وقاتلوا حتى قُتلوا (رضوان الله عليهم ).

 

هذه هي رسالة الهداية والإرشاد: المنبر ضروري وواجب، الخطبة والمصيبة وما أشبه ذلك ضرورية وواجبة لكن القرآن الكريم ايضا ضروري وواجب، فينبغي أن تتبنى الحسينيات والمساجد والخطباء تشويقا وتحريضا، ذلك بحيث تتحول قراءة القرآن الكريم وتلاوته إلى ظاهره عامة: بحيث تسمع صوت القرآن يعلو في كافة المساجد والحسينيات والشركات والوزارات ليل نهار، ولم لا؟  .

 

ان القرآن كتاب هداية، وهو نور من العمى وحبل الله المتين  

والقرآن كتاب هداية وإرشاد فلماذا أهملناه بعض الاهمال أو كثير الاهمال؟

 لماذا استشهد بابي هو وامي ؟ اليس لكي يحفظ القرآن الكريم وقيمه ومبادئه وأهدافه السامية؟، فلنكن كذلك نحن أيضا

وكذلك الأمر في البيت أيضاً،  لِنَزِد على قراءة القرآن وعلى المناجات نصف ساعة اخرى، وسترون أي أثر تربوي يتركه ذلك على الاسرة كلها وأي بركة يستجلبها ذلك إلى الإنسان

 

الرسالة الثانية: رسالة الخدمة والإنسانية

وهذه رسالة مهمة جدا أغفلناها، ومع الأسف نجد الغرب قام بمبادرات في هذا الحقل    

لكن لماذا الإنسانية وخدمة البشر – على اغراضها المبيتة – تأتي من الغرب وقد قال أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: "الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق"

ان الطرف الآخر  عندما يرى أنك أنت المسلم، انت الشيعي، تقوم بمساعدته وانك انت المبادر فانه سيسمع عبر ذلك رسالة الاسلام، والتي هي رسالة الامام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه )، وذلك كما صنع سيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليه، وكما صنع الامام السجاد صلوات الله وسلامه عليه، في ظلم الليل البهيم حيث كان يحمل جراب الطعام على ظهره المبارك ليوصله الى المحتاجين  

لماذا نحن لا نصنع ذلك؟ لماذا تخلفنا عن التاسي بسادتنا وقادتنا واولياء امورنا؟

ان شهر محرم هو شهر الخدمة بامتياز، وانكم جميعاً ترون أصحاب الهيئات وهم يجندون أنفسهم لخدمة الناس، جزاهم الله خير جزاء المحسنين وكذلك كل من خدم، لكن هناك خدمة أخرى ينبغي ان تقدم لغير المسلمين أيضاً، وكما تعلمون فان الملايين من الناس تشيعوا في الهند ببركة المجالس الحسينية والاطعام وسائر البرامج الارشادية والخدمية، وانك عندما تنفتح على العالم باسم الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه، فسوف تهز العالم كله.

 

 

لننفتح على العالم باسم الإمام الحسين (عليه السلام)

ان الغرب ينفتح على العالم ـ بزعمه ـ باسم الديموقراطية وما أشبه ذلك، فلماذا لا ننفتح على العالم باسم من تجسدت فيه كل القيم بأجلى صورها وبأنصع درجات نقائها ؟

لماذا نحن محدودون ومحصورون في بلادنا، في حسينياتنا، في فضائياتنا؟ الصين ذات مليار وخمسمائة مليون إنسان، لم لا يسمعون رسالة الحسين صلوات الله وسلامه عليه؟ ما ذلك الا لاننا متقوقعون على أنفسنا إلى حد كبير.

اذهبوا إلى الذين يتحدثون باللغة الاسبانية، ثمان مائة مليون إنسان يتحدثون بهذه اللغة، أين خطباؤنا، أين كتبنا المترجمة بلغتهم؟ أين اسم الإمام الحسين من كل هؤلاء؟

الرسالة الثانية هي رسالة الإنسانية والخدمة، ان حركة سيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليه فيها كل العِبرَ وكل الدروس وكل البلاسم لمآسي ومشاكل البشرية وفيها توضيح وتأكيد وترسيخ لرسالات الله التي نهض لإحيائها حيث أراد أن يقيم الدين وقد قال تعالى: ( اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ

 

الامام الحسين يخدم بنفسه اعداءه

ومما يلفت النظر تلك الرواية المعروفة، في قضية جيش الحر، عندما قطع الطريق على سيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليه وكانوا – أي جيش الحر - عطاشى، فقال الإمام الحسين عليه السلام، لفتيانه: اسقوا القوم وارووهم من الماء، فليس فقط أن تسقيه بل أن تجعله يرتوي وهم أعداء وكانوا ألف واحد فلم يكن سقيهم بالأمر المستسهل إذ من الممكن ان تنفد المياه كما حصل بعد ذلك) ورشفوا الخيل ترشيفا. حتى الخيل رشفوها ترشيفا بمعنى رش الماء على أجسادها كي تخف عنها وطأة حرارة الشمس!.

وذلك هو من أسمى مظاهر الإنسانية ومصاديق الخدمة، وقد كنا نحن ـ المسلمين ـ المظهر والسبّاقين، لكن الآخرين حازوا بعض قصب السبق منا، فسادوا العالم بما كان ينبغي أن نسود به العالم ونحن على حق وهم على باطل.

 

اخدم حتى عدوك بما أوصى به الشرع، فكيف بالمنافس

ان رسالة شهر محرم هي الخدمة، رسالة شهر محرم هي الإنسانية، رسالة شهر محرم أن تتصالح حتى مع عدوك في إطار الضوابط الشرعية، والتعبير الأدق: ان تخدم حتى عدوك بالخدمات الإنسانية، فكيف إذ لم يكن عدوا؟ بل كان منافسا؟

 فقد تكون هناك بعض المنافسة بين حسينية وأخرى، بين تيار وآخر، بين عشيرة أو حزب وحزب وعشيرة أخرى، فشهر محرم فرصة استثنائية لكي نقتدي بسيد الشهداء عليه السلام.

قد يكون هناك اختلاف الاجتهادات لكنه لا يبرر القطيعة والتدابر ابداً بل نقول: فليكن فرضا عدوا، لكن لم لا اخدمه كما فعل سيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليه؟

ان ذلك يورث المحبة ويكرس أواصر الاخوة الإيمانية ويسوق الجميع نحو أهداف سيد الشهداء الإصلاحية بإذن الله.

  

الرسالة الثالثة: رسالة المحبة والحرية

وقد دلّنا سيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليه على ذلك بعبارة دقيقة رائعة معبّرة إذ يقول: "إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا احرارا في دنياكم".

 فهذه إذن قيمة من القيم التي يدعو لها سيد الشهداء عليه السلام

 أنكم جميعاً تلاحظون الطير في القفص فانه وإن مرت عليه خمس سنين لا يتأقلم، فإذا ما فتحت له باب القفص فسوف يبادر بالطيران والهروب إلى العالم الأرحب، لكن المشكلة في الإنسان أنه يتطبّع  .

فإذا لم يكن بعضنا يريد أن يسمع كلام الله ورسوله حيث يقول لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) وحيث يقول: "الناس مسلطــــــــــــــون على أموالهم وأنفسهم وحقوقهم" في القاعدة المتصيدة، فليكن حراً على الأقل..

هذه إذن هي رسالة شهر محرم: أن نبني حياتنا، مجتمعنا، وثقافتنا على الحرية، إلا من الحد الذي أقره الله سبحانه وتعالى وشرعه  

 

حلّ البيعة الظاهرية لماذا؟

نختم بهذه الرواية وفيها دلالة وأية دلالة، بل دلالات، وأية دلالات  

يقول صلوات الله وسلامه عليه مخاطبا أصحابه: "وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا".

لمَ عبّر بـ (اتخذوه جملا)؟ لأن الجمل يُركب عليه لقضاء الحاجة فكذلك ستار الليل اتخذوه كالجمل لقضاء حاجتكم وهي الاختفاء عن اعين الاعداء والفرار من ساحة المعركة المهولة القارعة.

وتجده بأبي وأمي قبل ذلك يقول: وانتم في حلٍ من بيعتي، ليست لي في اعناقكم بيعة  

وهذه البيعة هي البيعة الظاهرية هي العرفية، رفعها عنهم، ولم يرفع البيعة الإلهية، فان تلك لازمة في الأعناق، لكن لماذا رفع البيعة الظاهرية؟ لكي يكون عقابهم لو تركوه وهربوا أقل، انه يحب الناس بما هو بشر وبما هم خلق الله، حتى العدو كان ينصحه بأن يذهب بعيدا (لا تسمع واعيتنا) لماذا؟ كي لا تعذب أكثر في النار!

 

 هذا الليل اتخذوه جملا)، ساترا واذهبوا. البيعة الظاهرية رفعتها منكم، حقه الظاهري اسقطه الإمام، فأية إنسانية هذه؟ أي مدرسة تربوية هذه؟

نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق لنا ولكم للعمل بذلك كله، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.ِ  


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=760
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2017 / 09 / 22
  • تاريخ الطباعة : 2017 / 10 / 23