• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : عاشوراء .
                    • الموضوع : الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) يرفض البيعة ليزيد ويخرج ثائرا .

الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) يرفض البيعة ليزيد ويخرج ثائرا

 الإمامُ الحسينُ  (عليه السلام)  يرفض البيعة ليزيد ويخرج ثائرا

شخَّصَ الإمامُ الحسينُ  (عليه السلام)   الخطر الأُمويّ الكبيرِ الذي بدأَ يفتِكُ بدينِ الإسلام، وبشكلٍ كبيرٍ من: تحريفِ أحاديثِ الرسولِ الأكرمِ  (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ووضعِ ما لمْ يقُلْهُ النَّبيُّ الأكرمُ  (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والانحرافِ الكبيرِ عن الخطِّ المحمَّديِ الأصيل...، والتضليلِ وانعكاسِ جَوٍّ منَ الإحباطِ على المسلمين عامة، والاحتيالِ والإعلامِ الكاذبِ، وتلفيقِ الأحاديث، ومنعِ ذِكرِ فضائلِ أهلِ البيتِ  (عليه السلام) ، وترويجِ ثقافةِ السكوتِ، والتسليمِ والخضوعِ للحاكمِ حتَّى لو كانَ فاسداً، والفسادِ الأخلاقيِ، وترويجِ مجالسِ اللهوِ والشرابِ والقِمَار...

أمامَ هذا الواقعِ، كانَ لا بدَّ للإمامِ الحسينِ  (عليه السلام)  من ثورةٍ يعيدُ بها تصويبَ ما خرَّبَهُ معاويةُ، وما تُشَكِّلهُ شخصيّةُ يزيدَ من ضَررٍ على بقاءِ الإسلامِ وٱستمراريَّتِهِ.

لذلكَ، فانَّ الإمامَ الحسينَ  (عليه السلام)  يوضِحُ أسبابَ رفضِهِ لمبايعةِ يزيد، من خلالِ قولهِ عندما طلَبَ منْهُ الوليدُ بنُ عُتْبَةَ البيعةَ ليزيد، فبادَرَهُ الحسينُ  (عليه السلام)  قائلاً: إنَّ مِثلي لا يبايعُ سِرّاً، ولا يَجْتزِئُ بها مني سِرّاً، فإذا خرجْتَ إلى الناسِ ودعوْتَهم للبيعةِ دعوْتَنا مَعَهُم، كانَ الأمرُ واحداً، فقال الوليدُ: أجلْ، اِنصرفْ إذا شِئْتَ على ٱسمِ الله، حتَّى تأتيَنَا مع جماعَةِ النَّاس.

وإذا بمروانَ يقول: واللهِ، لئن فارقَكَ الحسينُ الساعةَ ولم يبايعْ، لا قدِرْتَ مِنْهُ على مِثِلها أبداً، حتى تكثُرَ القَتلى بينَكم وبينَه. احبِسَنَّ الرجلَ، فلا يَخرجُ من عندِكَ حتى يبايعَ أو تضربَ عنُقَه!

فوثَبَ الحسينُ  (عليه السلام)  قائلاً: «أنتَ تقتُلُني أمْ هوَ؟ كذبْتَ واللهِ ولَؤُمْتْ! ثمُ أقبَلَ على الوليدِ - الوالي - مُخاطباً: «أيُّها الأميرُ، إنَّا أهلُ بيتِ النبوةِ، ومعْدَنُ الرسالةِ، ومختلَفُ الملائكة، ومحلُّ الرحمة. بنا فَتَحَ اللهُ وبنا ختَم. ويزيدُ رجلٌ فاسقٌ، شاربٌ للخمرِ، قاتلٌ للنفسِ المحترَمةِ، مُعلِناً بالفِسْق، ومِثلي لا يبايعُ مثلَه، لكنَّا نصبحُ وتصبحِون، ونَنظرُ وتَنظرونَ، أيَّنا أحقُّ بالخلافة والبيعة»!.

ثمّ دخلَ فِتيةُ الحسينِ وأَخرجُوه، فقال مروانُ للوليد: عصيتَني، لا واللهِ لا يُمكِّنُكَ مثلَها من نفسهِ أبداً.

فقال له الوليدُ: ويْحَكَ، أشرتَ عليَّ بذهابِ دِيني ودُنياي. واللهِ، ما أُحبُّ أنْ أَملكَ الدنيا بأسرِها، وإنِّي قَتلتُ حُسيناً. سبحانَ اللهِ، أَأَقتُلُ الحسينَ إنْ قال: لا أبايع! واللهِ، ما أظنُّ أحداً يلقَى اللهَ بدمِ الحسينِ إلاّ وهو خفيفُ الميزان، لا ينظرُ اللهُ إليه يومَ القيامةِ، ولا يُزكِّيه، وله عذابٌ أليم».

فردَّ عليهِ مروانُ مستهزِئاً: إنْ كان هذا رأيَكَ فقد أَصَبْتْ. ولهذا فقدْ عَزَلَ الوليدَ بعدَ ذلك، وعيَّن سعيدَ الأشْدَقَ محِلَّه.

وأمَّا الحسينُ  (عليه السلام)  فإنَّه خرجَ من دارِ الإمارةِ إلى مسجدِ جدّه رسولِ اللهِ  (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأتَى قبرَه وقال: «السلامُ عليكَ يا رسولَ الله. أنا الحسينُ بنُ فاطمة، فرخُكَ وابنُ فرختِك، وسِبطُكَ الذي خلَّفتني في أمَّتِك، فاشهَدْ عليهم يا نبيَ اللهِ أنّهم خذلوني ولم يحفظوني. وهذه شكوايَ إليكَ حتى ألقاك» ولم يزلْ راكعاً وساجداً حتى الصباح.

وفي الليلةِ الثانيةِ، وهيَ الليلةُ الأخيرةُ للحسين  (عليه السلام)  بالمدينة، حيثُ قضَاها أيضاً بجوارِ قبرِ جدِّه  (صلى الله عليه وآله وسلم) ، حيث وقف أمام القبر الشريف حزيناً كئيباً يناجي ربَّه عند قبر المصطفى  (صلى الله عليه وآله وسلم) : «اللّهُمَّ إنَّ هذَا قبرُ نبيِّك مُحمد، وأَنا ٱبنُ بنتِ محمدٍ، وقدْ حضَرني من الأمر ما قدْ عَلمْتَ. اللهُمَّ إنِّي أحبُّ المعروفَ، وأُنكرُ المنكرَ، وأنا أسألُكَ يا ذا الجلالِ والإكرامِ، بحقِّ هذا القبرِ ومَنْ فيه، إلاّ ما ٱختَرْتَ لي ما هوَ لكَ رضاً ولرسولِكَ رضاً».

ثم جَعَلَ يبكي عندَ القبرِ، حتى إذا كانَ قريباً من الصبح، وضعَ رأسَهُ على القبرِ فَأغْفَى، فإذا هوَ برسولِ اللهِ، قدْ أَقْبَل في كَتيبةٍ منَ الملائكة عنْ يمينِهِ وشمالِهِ، وبين يديْهِ، ومن خَلفِهِ، فجاءَ وضمَّ الحسينَ إلى صدرِهِ، وقبَّل بينَ عينيهِ وقال: «حبيبي يا حُسين، كأنِّي أراكَ عن قريبٍ، مُرمَّلاً بدمائِكَ، مذبوحاً بأرضِ كربلاء، بينَ عِصابةٍ من أُمّتي، وأنتَ في ذلكَ عطشانُ لا تُسقى، وظَمآنُ لا تُروى، وهمْ في ذلك يَرجُون شفاعتي، ما لهم؟ لا أنالَهم اللهُ شفاعتي».

فجَعَلَ الحسينُ  (عليه السلام)  في رؤياهُ ينظرُ إلى جدِّهِ ويقول:

«يا جدَّاهُ، لا حاجةَ لي في الرجوعِ إلى الدُّنيا، فخُذْني إليكَ وأدْخِلْني معَكَ في قبرِكَ».

ضُمَّني عِندكَ يا جَدّاهُ في هذا الضَّريحْ

عَلَّنِي يا جَدُّ من بَلوى زماني أستريحْ

ضاقَ يا جَدَّاه من رَحْبِ الفَضَا كلُّ فسيح  

 فعسَىَ طودُ الأَسى ينْدَكُّ بينَ الدَّكَتينْ

جَدُّ صفوُ العيشِ من بعدِكَ بالأَكدارِ شِيبْ

  وأَشابَ الهمُّ رأسي قبلَ إِبَّانِ المَشِيبْ

فعَلا منْ داخلِ القبرِ بكاءٌ ونَحيبْ

  ونداءٌ بافتجاعٍ يا حبيبي يا حُسين

ستذوقُ الموتَ ظُلماً ظامياً في كربَلا

وستبقى في ثَراها ثَاوياً مُنْجدِلاً

وكأني بلئيمِ الأصْلِ شمرٍ قَدْ عَلا

صدْرَكَ الطاهرَ بالسيفِ يحزُّ الوَدَجين

 

 غادرَ الإمامُ الحسينُ مدينةَ جدِّه رسولِ الله  (صلى الله عليه وآله وسلم)  إلى مدينةِ مكةَ، لم يكنْ مطلَقاً يفكِّرُ في اتخاذِها مستقرّاً لإقامتِهِ، إنما أرادَ أن يتخذَها محطةً يتوقفُ فيها مدةً من الزمن، ثم يواصلُ بعدَها المسيرَ إلى العراقِ. وحينَ وصلَ الإمامُ الحسينُ إلى مدينةِ مكةَ، وأقامَ في جوارِ بيتِ اللهِ الحرام، زارهُ كثيرٌ من الصحابةِ والتابعينَ، وطلبوا منه الإقامةَ في هذهِ المدينة.

  ثم توجّهَ الإمامَ الحسينَ بنَ عليٍّ  (عليه السلام)  إلى العراق، بسرعةٍ وعلى عجلٍ، في يومِ التَروية- رغمَ أنَّ النَّاسَ كانوا يتوجهونَ إلى عرفاتَ لأداء مناسك الحج لانه  أحسَّ بأن الجهازَ الأمويَ عازمٌ على إجهاضِ نهضتِهِ المباركة، والتخلّصِ منْهُ باغتيالهِ خلالَ أيامِ الحجّ، وإهدارِ دمِهِ، فعزَمَ على الخروجِ من مكةَ فوراً، لكي يفوِّتَ الفرصةَ على أعداءِ الدين.

فخرج في الثامنِ من ذي الحِجة سنة (60 هـ)، على الرغمِ من معارضةِ عددٍ كبيرٍ من الصحابةِ والتابعينَ وبني هاشم لهذا الخروج. ويبدُو أنَّ الإمامَ قد حسَمَ أمرَهُ، واتخذَ قرارَهُ بالرحيلِ إلى العراق.

 خرجَ لأنّه لا يريدُ أن يكونَ سبباً في انتهاكِ حرمةِ هذهِ المدينةِ، وبيتِ الله الحرام، ولهذا أجابَ عبدَ الله بنَ الزُبيرِ حينَ قالَ له: لو أقمْتَ في الحجازِ ثُمَّ طلبْتَ هذا الأمر لما خالفتُ عليك، قائلاً  (عليه السلام)  له: «إنَّ أبي حدثني أنَّ لها كبشاً به تُستَحَلُّ حرمتُها، وما أُحِبُّ أنْ أكونَ أنا ذلكَ الكبشُ».

  وقد أكّدَ ذلك في قولِهِ لٱبنِ عباس: «واللهِ، لا يدعونَني حتى يستخرجوا هذه العَلَقَة من جوفي، فإذا فعلوا ذلك سلَّطَ اللهُ عليهم مَنْ يُذِلُّهم».

 

 

لم يكنْ أهلُ مكةَ ممَّنْ يَتولَّى أهلَ البيتِ  (عليهم السلام) :

وفضلاً عمَّا تقدَّمَ من الأسبابِ التي دعت الإمامَ إلى الخروجِ من مكَّة، فهو يعرفُ أنَّ بيئةَ مكةَ غيرُ ملائِمةٍ لاتخاذِها مكاناً لثورتهِ ضدَّ الحكمِ الأموي، لأنَّ أكثرَ الموجودينَ فيها لم يكنْ هواهم معَ الإمام الحسين، وفيهم منْ يميلُ إلى الأمويينَ، وقدْ أثبتتِ الأيامُ فيما بَعْدُ ما ذكرهُ الإمامُ الحسـين في هذا الأمر، فقد أعلنَ عبدُ الله بنُ الزبير ثورتَه ضدَّ الأمويينَ منها، وانتهتْ نهايتَها المعروفة، وانتَهكتْ حرمةَ بيتِ الله.

وفي ضوءِ ما تقدَّمَ، لم تكنْ مكَّةَ ملائمةً لثورةِ الإمامِ الحسين، ولكنَّه أرادَها أن تكونَ المنطلَقَ الأولَ لإعلانِ ثورتِهِ على حكم يزيدَ بنِ معاوية، الذي خرجَ على تعاليمِ الدينِ الإسلامي، وأقامَ حكماً ظالماً لا يقومُ على مبادئِ الإسلامِ وسُنّةِ الرسولِ  (صلى الله عليه وآله وسلم) .

من دلالاتِ خروجِهِ  (عليه السلام)  في اليومِ الثامنِ عشر من ذي الحجة:

لقد خرجَ الإمامُ من مدينةِ مكَّةَ في اليومِ الثامنِ من ذي الحِجَّة. وٱختيارُ هذا اليومِ له دلالتانِ:

اختارَ هذا اليومَ ليتفادى ما يدبِّره الأمويونَ من محاولةٍ لٱغتيالِهِ، وقد انتدبوا لذلكَ عمرو بنَ سعيدٍ الأَشدق، الذي فاجأه خروجُ الإمامِ الحسينِ وأفشلَ خطّتَه، ولم تفلحْ كلُّ محاولاتِهِ في منعِ الإمامِ الحسين منَ الخروج.

إنَّ هذا اليومَ هو اليومُ الذي يفيضُ فيه حُجَّاجُ بيتِ اللهِ الحرامِ إلى عرفات، وفي هذا اليومِ يُعلنُ الإمامُ سخَطَه وثورتَهُ على حكمِ يزيد، وهذا الخروجُ يمثّلُ رسالةً ثائرةً إلى كلِّ بقاعِ البلادِ الإسلاميةِ في العالمِ، وبذلكَ استطاعَ أن يوصلَ إعلانَ ثورتِهِ إلى كلِّ بقاعِ الدنيا.

لذلكَ خطبَ  (عليه السلام)  في مكَّةَ:

«أَيُّهَا الْنَّاسُ، خُطَّ الْمَوْتُ عَلَىَ وُلدِ آَدَمَ مَخَطَّ الْقِلَادَةِ عَلَىَ جِيْدِ الْفَتَاةِ. وَمَا أوْلَهني إلى لِقَاءِ أسْلافِي اشْتِيَاقَ يَعْقُوْبَ إلَى يُوَسُفَ. كَأَنِّيْ بَّأَوْصَالِيْ تُقَطِّعُهَا عُسْلانُ الْفَلَوَاتِ بَيْنَ النْوَاويسِ وَكَرْبَلاءَ...».

لقد حاولَ ابنُ الحنفيةِ أنْ يُقنِعَ أخاهُ الحسينَ  (عليه السلام)  بالبقاءِ في مكةَ المكرَّمة، وألَّا يلحقَ بالأماكنِ النائيةِ في الصحاري وشُعَبِ الجبال، وأنْ ينتقلَ من بلدٍ إلى آخرَ، كما اقترحَ عليه أن يذهبَ إلى اليَمن.

فلمَّا رأى الحسينُ  (عليه السلام)  شدّةَ حِرْصِ أخيه عليه، أرادَ أن يهدِّئَ روعَه، فقالَ له: «أَنظُرُ فيما قُلتَ»، كان ذلكَ في آخرِ ليلةٍ للحسينِ بمكة. وفي سَحَرِ تلك الليلة تهيَّأَ الحسينُ ورَكْبُهُ لمغادرةِ البيتِ الحرام، فلمَّا سمعَ ابنُ الحنفيّةِ جاءَ مسرعاً، وأخذ بزمامِ دابّةِ أخيه الحسينِ وهو يقول: يا أخي، ألمْ تعِدْني النظرَ فيما سألتُك؟

فقال الحسينُ  (عليه السلام) : «بلى... ولكنْ أتاني رسولُ الله  (صلى الله عليه وآله وسلم)  بعدما فارقتُكَ، وقالَ لي: يا حسينُ ٱخرجْ، فإنَّ اللهَ شاءَ أن يراكَ قتيلاً»، فبكى ٱبنُ الحنفيةِ ثمَّ قالَ للحسينِ  (عليه السلام) : إنَّا للهِ وإنَّا إليه راجعون، فما معنى حملِ هؤلاءِ النساءِ والأطفال، وأنتَ على مِثْلِ هذا الحال؟ فأجابه  (عليه السلام) : «شاءَ اللهُ أن يراهُنَّ سبايا!!»،

 


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=764
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2017 / 09 / 22
  • تاريخ الطباعة : 2017 / 10 / 23