• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .
              • القسم الفرعي : مفاهيم .
                    • الموضوع : في رحاب الزيارة الجامعة معرفة أهل البيت عليهم السلام ... الأئمة الراشدون .
                          • رقم العدد : العدد الواحد والثلاثون .

في رحاب الزيارة الجامعة معرفة أهل البيت عليهم السلام ... الأئمة الراشدون

  

 

في رحاب الزيارة الجامعة

معرفة أهل البيت عليهم السلام ... الأئمة الراشدون

آية الله الشيخ عبد الله جوادي آملي

الأئمة الراشدون

كلمة "راشد" هي صفة مشبّهة بصيغة اسم الفاعل من "رشد".

"الرُشد" في القرآن يراد به ما يدلّ المرءَ على الصلاح والسداد ويقيه الهلكة والسفه، قال تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}([1]). ويقابل الرشد "الغيّ"، قال تعالى: {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}([2])، و{وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً}([3]).

والغواية غير الضلالة لآية: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى}([4])، ولذا وقع التقابل بين الهداية والضلالة، كما في آية: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}([5])، وآية: {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}([6]).

والنتيجة: أنّ لا ترادف مفهومي بين الهداية والرُشد، وقد ذكر القرآن هاتين المفردتين بمعنيين متغايرين، كما في وصف القرآن بأنّه: {يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ}([7])، وقول مؤمن آل فرعون: {أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ}([8]).

والحاصل: إنّ الرُشد والهداية من وادٍ واحد وإن اختلفا مفهوماً ومعنى، والغيّ والضلالة من وادٍ آخر، ولكن ربّما استعمل أحد المعنيين مكان الآخر، والمهمّ هو تبيين المعنى الدقيق لهذه المفردات المتقابلة، ليتضح حدّ المدلول اللغويّ لكّل مفردة في لسان الخطابات القرآنيّة وغيرها.

والهداية هي إراءة سبيل الرشد والدلالة على ما يوصل إلى المطلوب والمقصد، سواء كان المطلوب خيراً أم شرّاً، عذاباً أم رحمة([9])، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ}([10]).

وأمّا الرشد فهو "الاهتداء إلى الخير والصلاح"([11])، والاتّصاف الفعلي بذلك، فلا يوصف سبيل الشر والفساد بالرُشد، لاختصاصه بالخير، وذكر آخر أنّ "الرشدَ الاستقامةُ على طريق الحقّ مع تصلّب فيه".

يضاف إلى ذلك أنّ قيد الاهتداء وإصابة الصواب مأخوذٌ في مفهوم "الرُشد"، وليس مأخوذاً في مفهوم الهداية، فمن يهتدي إلى السبيل الصائب ربّما يبلغ المقصد والرشد، وربّما أضلّه أثناء المسير وانحرف إلى غيره.

فالرشد هو بلوغ الهدف الصالح المحمود، ويقابله "الغواية" وهي الحيرة وتضييع الهدف والزيغ عن الخير، كما أنّ الهداية هي العثور على الطريق وتبيّن السبيل، والضلالة هي الوقوع في التيه عنه.

وخلاصة هذا البحث اللغوي أنّ الراشد هو الواصل إلى الهدف.

ومن كلام أمير المؤمنين عليه السلام: "واعلموا أنّكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه"، وهذا تعريف جدليّ، لأنّ معرفة الشيء عن طريق معرفة ضدّه تسمّى معرفة جدلية، أمّا المعرفة البرهانية فتكون بمعرفة المقوّمات الذاتية للشيء.

الهدف الأساس للدين

إنّ الهدف الأول من إرسال الرسل وإنزال الصحف السماوية المطهّرة هو رُشد الإنسان، وهدايته هداية موصلة للرشد والخير.

ولقد طوى كليم الله الأسفار وتكبّد العناء سعياً وراء المرشِد: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً}([12])، ولّما وجد ضالّته في الخضر التمس منه أن يتبّعه طلباً للرشد: {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً}([13]).

كما أنّ خليل الحق صمد بقوّة أمام جبروت عبدة الأوثان ببركة الرشد، وحمل فأسه وحطّم أصنامهم ومحا أسباب الفساد: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ}([14]).

و"الراشد" وصفٌ وصف به القرآنُ المؤمنين الصادقين: {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ}([15]).

وذكرُ التلذّذ بالإيمان والتزيّن به وبغض الكفر والفسوق والعصيان قبل التوصيف بكونهم "راشدين" يدلّ على أنّ تلك الأمور محصّلة للرشد وأسباب للرشاد، فيكون محض الإيمان والتباعد عن الكفر والعصيان بداية الطريق، والمهم هو حبّ الإيمان والتلذذ به وبغض الكفر والاشمئزاز من الفسوق.

وفي هذا السياق وردت الرواية عن الفضيل بن يسار، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحب والبغض، أمن الإيمان هو؟ فقال: "وهل الإيمان إلا الحبّ والبغض"، ثمّ تلا هذه الآية: {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ..}، ولا كلام في أنّ التزيين والتنفير نعمتان خاصّتان، ينعم بهما الله على من يشاء من عباده بحسب حكمته وعلمه بهم: {فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}([16]).

والعقل المقابل للسفاهة هو أصل كل خير وبركة، والعاقل فقط هو المنتفع من نعمة الهداية، وأدنى عزوف عن الله ورسوله وإعراضٌ عنهما آيةُ السفاهة: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ}([17])، {سيقول السفهاء..}([18]). ومن هنا فالمعرضون عن سبيل التوحيد الإبراهيمي هم السفهاء: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ}([19])، وإن حازوا قصب السبق في ميادين العلوم الطبيعية وتمكّنوا من كشف أسرار الخلقة عبر العلوم التجريبيّة، ذلك أنّهم أعرضوا عن السبيل الحقيقي للكمال الإنساني، وتنكبوا طريق الخير والفلاح، فحُرموا من السعادة وحُسن العاقبة والحياة المعنوية.

إشارة

مظاهر الرُشد

"الرشيد" أحد الاسماء الحسنى، ورد في الدعاء: "اللهمّ إنّي أسألك باسمك يا مكين يا رشيد..."([20]). و"الرشيد" فعيل، وهو على وجهين:

أحدهما: أن يراد به "الراشد" بمعنى الفاعل اللازم، فالرشيد هو الراشد وهو الذي له الرشد، ويرجع حاصله إلى أنّه حكيم ليس في أفعاله عبثٌ ولا باطل([21]).

وببيان آخر: إنّ ديدن الذات الإلهية في مشيئتها هو الحق، فالرشيد اسم له سبحانه باعتبار عدم إمكان خروجه عن الاستقامة وإعمال الحق([22]): {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ}([23])، و{إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}([24]).

الآخر: أن يراد به "المرشِد" بمعنى الفاعل المتعدّي، مفعِل، كالبديع والوجيع، وإرشاد الله يرجع إلى هدايته([25]). قال ابن عربي: الرشيد هو المرشِد إلى معالي الأمور، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ}([26]).

ويقسّم عبد الكريم القشيري الهداية الإلهية إلى عدّة مراحل، أعظمها عنده الإرشاد إلى معرفة الله سبحانه، قال: "إرشاد الله تعالى لعبده هدايتُه لقلبه إلى معرفته: هذا هو الإرشاد الأكبر الذي خصّ به أولياءه المؤمنين، قال الله سبحانه: {يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}([27])، وبعد هذا إرشاده لعباده في الآخرة إلى الجنّة، ثمّ إرشاده لهم اليوم إلى اختيار طريق طاعته والتوقّي عن مخالفته، ثم إرشاده إياهم لما فيه صلاح أحوالهم من انتظام أسباب معايشهم"([28]).

وهذان المعنيان للرشد حاصلان أيضاً في عباد الله الذين هم مظاهر صفاته الجمالية والجلالية، ففي أدعية الإمام السجّاد عليه السلام: "ومتّعني بهدى...ونيّة رشدِ"، و"واجعلني...ومن أدلّة الرشاد"([29])، و "ووفّقنا...لاستعمال الخير...وإرشاد الضالّ"

وورد في النصوص أطلاق صفة "الرشيد" على الإنسان الكامل بمعنى اتصافه بالرشد والحكمة والسلامة من السفه والعبث، وبمعنى كونه مرشداً، فيما إذا كان علَماً للرشاد وسبباً في رشاد العباد ووضع أقدامهم على طريق الفلاح الموصل للمقصد الأسنى.

والنبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم أحدُ أبرز مظاهر الرشد الإلهي، لأنّه "هَدى إلى الرشد وأمر بالقصد"([30])، وكانت "سيرته القصد وسنته الرشد"([31])، فأدّى أميناً ومضى رشيداً"([32])، وأمير المؤمنين عليه السلام من بعده هو أكمل مصاديق رشد الباري سبحانه، ومن كلامه "أتتَوقّعون إماماً غيري...ويرشدكم السبيل"([33])، وقال منبهاً على ضرورة اتبّاع ولاية المرشِد: "رحم الله أمرءاً سمع حكماً فوعى، ودُعيَ إلى رشادٍ فدنى".

 



[1] سورة النساء/6

[2] سورة البقرة/256

[3] سورة الأعراف/146

[4] سورة النجم/2

[5] سورة سبأ/24

[6] سورة القصص/85

[7] سورة الجن/2

[8] سورة غافر/38

[9] انظر: التحقيق في كلمات القرآن الكريم، مادة "دلّ".

[10] سورة الحج/4

[11] انظر: التحقيق في كلمات القرآن الكريم، مادة "رشد"

[12] سورة الكهف/60

[13] سورة الكهف/66

[14] سورة الأنبياء/51 و 52

[15] سورة الحجرات/7

[16] سورة الحجرات/8

[17] سورة البقرة/13

[18] سورة البقرة/142

[19] سورة البقرة/130

[20] كتاب مفاتيح الجنان، دعاء الجوشين الكبير، الفقرة77

[21] انظر: شرح الأسماء الحسنى، للفخر الرازي، ص 338.

[22] انظر: المصدر نفسه، درود آبادي، ص 101

[23] سورة لقمان/30

[24] سورة هود/56

[25] شرح الأسماء الحسنى، للفخر الرازي ص 338

[26] الأنبياء/51

[27] سورة البقرة/142

[28] شرح أسماء الله الحسنى، ص 395

[29] هذه الفقرة السابقة لها مما ورد في الصحيفة السجادية، دعاء مكارم الأخلاق.

[30] كتاب نهج البلاغة، الخطبة 195

[31] المصدر نفسه، الخطبة 94

[32] المصدر نفسه، الخطبة 100

[33] المصدر نفسه، الخطبة 182


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=780
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2017 / 12 / 25
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 07 / 16