• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : مفاهيم .
                    • الموضوع : الاستفادة من الثقافة المهدويّة .

الاستفادة من الثقافة المهدويّة

 

 

الاستفادة من الثقافة المهدويّة

روى الشيخ الطوسي عن جابر قال: دخلنا على أبي جعفر محمد بن علي  ونحن جماعة بعد ما قضينا نسكنا فودعناه وقلنا له: أَوْصِنا يا ابن رسول الله، فقال: «ليعن قويكم ضعيفكم، وليعطف غنيكم على فقيركم، ولينصح الرجل أخاه كنصحه لنفسه، واكتموا أسرارنا، ولا تحملوا الناس على أعناقنا، وانظروا أمرنا وما جاءكم عنا فإن وجدتموه للقرآن موافقا فخذوا به، وإن لم تجدوه موافقا فردوه، وإن اشتبه الامر عليكم فقفوا عنده  وردوه إلينا حتى نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا، فإذا كنتم كما اوصيناكم، لم تعدوا إلى غيره فمات منكم ميت قبل أن يخرج قائمنا كان شهيدا.    

نلاحظ حضوراً لقضيّة الإمام المهدي، والروايات موجودة في مختلف كتب المسلمين، وهي ليست رواية أو روايتين، بل هي من حيث الإجمال وبغض النظر عن درجاتها من حيث السند والاعتبار تصل إلى المئات، وكلّها تؤكّد على ثبوت هذه الحقيقة

 

 

 

 هناك مجمل يتفق عليه المسلمون وهو: إن أحداً من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وعترته، وبالتحديد من ولد فاطمة صلوات الله وسلامه عليها،  يظهر في آخر الزمان، لإقامة دولة الحق والعدل على مستوى العالم

 فقد أخرج أبو داوود في سننه عن أم سلمة أنها قالت: سمعت رسول الله  يقول: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة»  

وقد صحّح هذا الحديث رجال الحديث من أهل السنّة وعند المدرسة السلفيّة بالخصوص، كالألباني في سلسلة الحاديث الصحيحة 

وهذا المجمل متفق عليه، وهناك تفاصيل كأيّ قضيّة عقديّة أخرى، بدءاً من التوحيد، ومروراً بالنبوّة، وانتهاءً بالمعاد، أو كأيّ قضيّة فقهيّة كالصلاة والصوم والحجّ؛ فإن المسائل والتفاصيل الداخليّة هي مساحة للاختلاف بين العلماء والفقهاء، بسبب اختلاف الروايات والنصوص، أو بسبب اختلاف الفهم والاستنباط من تلك الروايات والنصوص

يجب الاستفادة من الثقافة المهدويّة بالاتجاه الإيجابيّ والذي يفيد: إن جوهر القضية المهدويّة هو التطلّع لدور الأمّة الرياديّ، وإقامة الحقّ والعدل في ربوع الأمّة والعالم، فينبغي علينا الاستفادة من الثقافة الموجودة في تراثنا بهذا الاتجاه، وذلك

أولاً: تعزيز الأمل والتطلعات للإصلاح في داخل الأمّة، لأن قضيّة الإمام المهدي لا تتحدّث عن إصلاح شيعي أو إسلاميّ فقط، وإنما تتحدّث عن إصلاح كونيّ، حيث عبّرت النصوص عنه أنه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً

علينا أن نعزّز بفكرة المهدويّة الأمل في نفوس الناس لأنهم يواجهون أمواجاً من الظلم فالإنسان المؤمن يجب أن يتمسّك بالأمل مهما أدلهمت الظروف وحلكت  .

إن القضيّة المهدويّة تريد أن تجعل الأمل ثابتاً في نفس الإنسان المؤمن، وأن ينظر إلى الأحداث ضمن معادلة التدافع البشريّ، ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾  ؛ حيث يحصل انتصار هنا وانتكاسة هناك، تقدّم هنا وتأخر هناك، لكن الإنسان المؤمن لابد أن يحافظ على الأمل مشبعاً في نفسه برحمة الله، متطلّعاً إلى الفرج

فقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: «انتظروا الفرج ولا تيأسوا من روح الله؛ فإن أحب الأعمال إلى الله انتظار الفرج»

فينبغي أن تكون القضيّة المهدويّة وسيلة لتعزيز هذه الحالة النفسيّة المتفائلة، في مقابل حالة الانكسار والانهزام النفسيّ، واليأس والقنوط أمام المشاكل والظروف الحالكة.

 

ثانياً: ينبغي الاستفادة من الثقافة المهدويّة في بناء الكفاءة استعداداً للمشاركة في بناء الواقع والمستقبل الموعود؛ فإن المؤمن الذي ينتظر أن تملأ الأرض قسطاً وعدلاً، ويتطلّع لإزالة الظلم والجور عنها ينبغي أن يهيّأ نفسه بالكفاءة والقدرات ليكون جزءاً من عمليّة تحقيق هذا الوعد الإلهيّ كما نقرأ في فقرات الدعاء :

اللَّهُمَّ إِنَّا نَرْغَبُ إِلَيْكَ فِي دَوْلَةٍ كَرِيمَةٍ، تُعِزُّ بِهَا الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، وَتُذِلُّ بِهَا النِّفَاقَ وَأَهْلَهُ، وَ تَجْعَلُنَا فِيهَا مِنَ الدُّعَاةِ إِلَى طَاعَتِكَ، وَالْقَادَةِ فِي سَبِيلِكَ، وَتَرْزُقُنَا بِهَا كَرَامَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة7

وكيف يكون الإنسان من الدعاة والقادة إلا إذا توفّر على الكفاءة والقدرات؛  

 عن الإمام علي بن الحسين عليه السلام في حديث مطوّل مع أبي خالد الكابلي : «يا أَبَا خَالِدٍ إِنَّ أَهْلَ زَمَانِ غَيْبَتِهِ الْقَائِلِينَ بِإِمَامَتِهِ وَالْمُنْتَظِرِينَ لِظُهُورِهِ أَفْضَلُ مِنْ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ»  

   تضيف الرواية تعليلاً لهذه الأفضليّة قائلة

«لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَعْطَاهُمْ مِنَ الْعُقُولِ وَالْأَفْهَامِ وَالْمَعْرِفَةِ فَصَارَتْ بِهِ الْغَيْبَةُ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمُشَاهَدَةِ.    

فهم يعيشون أفق التطلّعات والالتزام بالقيم، وكأن الإمام عليه السلام يعيش معهم؛ فالغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة

وفي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْقَائِمِ فَلْيَنْتَظِرْ وَلْيَعْمَلْ بِالْوَرَعِ وَمَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ وَهُوَ مُنْتَظِرٌ»

فعلى الإنسان المنتظِر أن لا ينزلق إلى مزالق الحرام والانحراف والفساد، وعليه التحلّي بمحاسن الأخلاق في برامجه الشخصيّة وفي تعامله مع الأخرين.

وهكذا يقدّم الإمام نتيجة من هذه المواصفات وطريقة الانتظار قائلاً

فَإِنْ مَاتَ وَقَامَ الْقَائِمُ بَعْدَهُ كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ أَدْرَكَهُ، فَجِدُّوا وَانْتَظِرُوا...»11

والجِدُ الذي تطلبه الرواية هو: الجد في العمل والحركة، وفي كسب المعرفة وبناء الكفاءة .

 

 

 


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=788
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2018 / 05 / 03
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 09 / 24