• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : شهر رمضان .
                    • الموضوع : علاقة القرآن بشهر رمضان .

علاقة القرآن بشهر رمضان

 

علاقة القرآن بشهر رمضان

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾

لماذا ربطت الآية المباركة نزول القرآن في شهر رمضان مع آثار القرآن؟

ولماذا أنزل القرآن في شهر رمضان ولم يُنْزَل في غيره من الشهور؟

ما هو الربط بين شهر رمضان وبين القرآن الكريم كي ينزل في هذا الشهر المعظّم المبارك؟ ما هو الربط بينهما؟

في الجواب  وجهان :

الوجه الأول: حاجة الفيض إلى المحل القابل

علماء العرفان يقولون: الفيض يحتاج إلى المحل القابل

فمثلًا: العلم لا يمكن أن يقذفه الله في قلب أي شخص، بل العلم يقذف في قلب شخص ذكي نبيه نشيط، إفاضة علم تحتاج إلى محل قابل للعلم، مستعد للعلم،

ولذلك القرآن الكريم يؤكد على هذه النقطة، ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾

 ويقول في آية أخرى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ لا كل شخص

ويقول في آية أخرى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.

 إذن، المسألة مسألة لب ، وإذا كان له لب كان مستعدًا لإفاضة العلم .

نفس الكلام في الهداية، الهداية لا تقذف في قلب أي شخص، الهداية تحتاج إلى محل مستعد لها، الهداية تختص بأناس تهيؤوا لها، ولذلك القرآن الكريم يقول: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾، هم ما أرادوا الهداية، الهداية ليست جبرًا

إفاضة التقوى، إفاضة الهداية على قلب الإنسان تحتاج إلى المحل المستعد المتقبّل لهذا الفيض

ولذلك، صار القرآن في شهر رمضان أقرب إلى الهدف من أي شهر آخر.

فالنفس الأمارة تميل إلى المعصية والفسوق فيردعها الإنسان، عملية ردع الإنسان للشهوات والغرائز هي التي يعبّر عنها بالصوم، الصوم عملية ردع، ولذلك الصوم تقوى عملية، تقوى تدريبية، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، لعلكم تخوضون عملية التقوى بشكل تدريبي، بشكل عملي، خلال 29 يومًا أو ثلاثين يومًا، تخضعون لعملية التقوى بشكل تدريبي عملي، كما ورد عن أمير المؤمنين  : ”وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى“، التقوى العملية، التقوى الرياضية يمارسها الإنسان من خلال صوم شهر رمضان.

هذا الإنسان الصائم الذي يخوض عملية التقوى يوميًا بشكل تدريبي هو أقرب للقرآن من أي شخص آخر، الإنسان في هذا الشهر هو أقرب لعالم القرآن من أي شهر آخر، هو أقرب لأنفاس القرآن ولأجواء القرآن من أي شهر آخر.

هذا الذي يخوض عملية التقوى إذا انفتح على كتاب الله قراءة وتدبرًا وتأملًا تفاعل مع هذا الكتاب، وصار لآيات الكتاب تأثير سريع على قلبه وعلى روحه وعلى صقل شخصيته، ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾

إذن، إنما أنزل القرآن في شهر رمضان لأن شهر رمضان شهر الصوم، وشهر الصوم يعني شهر التقوى العملية، والتقوى العملية عامل يهيئ الأرض، يهيئ النفس، ويعد الروح لأن تتقبل القرآن، ولأن تتنفس بأنفاس القرآن، ولأن تعيش أجواء القرآن. لذلك، لا يصح من الإنسان أن ينفصل عن القرآن في هذا الشهر الذي هو شهر التزود بالقرآن الكريم .

 

الوجه الثاني: التأثير الروحي للقرآن

الكثير من الكتّاب يقولون: القرآن حروف، والحروف صوت، بينما النفس من مقولة الجوهر، كيف يؤثر الصوت على الجوهر؟! هذا شيء غير معقول.

الأجنبي لا يؤثر فيما هو أجنبي عنه، القرآن أصوات، والعقل جوهر، فكيف يؤثر الصوت القرآني في العقل، وكيف يؤثر الصوت القرآني في النفس؟!

الإنسان يعتقد أن المادة لا تؤثر فيها إلا المادة، الشيء المادي لا يؤثر ولا يتأثر إلا بما كان ماديًا مثله، وأما إذا لم يكن ماديًا مثله فلا يعقل أن يؤثر أو يتأثر به، القرآن الكريم يقول: هذه النظرية خاطئة.

كل شيء - حتى الماديات، وحتى الحجر - له ظاهر وله باطن، ظاهر مادي يسمى عالم الملك ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، وباطن غيبي، حتى الحجر له باطن غيبي، والباطن الغيبي هو عالم الملكوت المتصل بالله عز وجل

فمثلًا: اقرأ قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، كل شيء له نطق، نحن لا نرى نطقه؛ لأننا نرى الظاهر المادي ولا نرى الباطن الملكوتي، فلا ندرك النطق، القرآن الكريم يشير إلى هذا، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، أنتم تقرؤون الظواهر المادية، تقرؤون الظواهر الملكية، وتغفلون عن البواطن الملكوتية

كل شيء من خلال ظاهره ومن خلال ملكيته يتأثر بالماديات فقط، ولكن من خلال باطنه، من خلال عالمه الملكوتي يتأثر بالأمور الروحية، ويتأثر بالأمور التجريدية.

القرآن بظاهره مجرد كلام، ولكنه بباطنه أنوار ونفحات تنبث إلى قلب الإنسان

 فالقرآن له جانبان: بجانبه الملكوتي يؤثر في روح الإنسان، ويؤثر في قلب الإنسان.

ولذلك، القرآن الكريم يقول: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾،

 كيف يكون شفاء وهو أصوات؟!

 إذا قصرت النظر على العالم المادي فسوف ترى أن التأثير غير معقول، وأما إذا انطلقت إلى ما هو أعمق مما وراء المادة فسوف ترى أن تأثير القرآن بباطنه الباطني في شفاء المريض أمر معقول.

وهناك آية أعظم من هذه الآية، وهي: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ)  هل القرآن يبالغ؟! القرآن يتحدث عن أمور مجازية؟! لا، يتكلم عن حقيقة، هذا الجبل الأصم، هذه الصخرة الصماء لها باطن ملكوتي أنت لا تفقهها، تأثير الروحي يلتقي بباطنها الملكوتي .

إذن، للقرآن تأثير على أرواحنا، على قلوبنا، على عقولنا.

علينا إشاعة القرآن، إشاعة صوت القرآن، إشاعة نداء القرآن، في بيوتنا ومع أطفالنا، وعوائلنا، حتى تبقى العلاقة مع القرآن، نبقى في شهر القرآن مع القرآن لسانًا وفمًا وقلبًا وعقلًا وجنانًا وتفاعلًا وتعاطفًا، وأن نكون من المتدبرين في القرآن، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾.

ورد في الحديث عن النبي محمد  : ”درجات الجنة بعدد آيات القرآن، فكلما قرأ الإنسان آية رقى درجة“

 ”من قرأ عشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ عشرين آية كتب من الذاكرين، ومن قرأ ثلاثين آية كتب من الخاشعين، ومن قرأ أربعين آية كتب من القانتين، ومن قرأ خمسين آية كتب من المسبّحين.

 


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=796
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2018 / 05 / 21
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 10 / 16