• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : عاشوراء .
                    • الموضوع : الآفاق الروحية في الشخصية الحسينية _ البعد العرفاني .

الآفاق الروحية في الشخصية الحسينية _ البعد العرفاني

 

الآفاق الروحية في الشخصية الحسينية _ البعد العرفاني

قال الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله : ”حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينًا، وأبغض الله من أبغض حسينًا؛ حسينٌ سبطٌ من الأسباط“

الحديث عن الشخصية الروحية للإمام الحسين عليه السلام ، والشخصية الروحية للإمام الحسين عليه السلام ذات بعدين: البعد الحركي، والبعد العرفاني.   

البُعْد العرفاني: يتجلى من خلال دعاء عرفة

دعاء عرفة هو أثمن الأدعية التي وردت عن أهل بيت النبوة «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين». دعاء عرفة الدعاء الحسيني الذي ينحدر من أنفاس علي وفاطمة، وينحدر من أنفاس رسول الله  . دعاء عرفة يعبّر عن الشخصية الروحية للإمام الحسين  ، وهذا الدعاء يركّز على نقد الذات، ونحن نحتاج إلى أن ننقد ذاتنا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

 لا يمكن لنا أن نصلح أوضاعنا حتى نصلح أنفسنا. الرسول الأعظم   يقول: ”حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوهوا قبل أن تُوزَنوا“.

اغتم الفرصة قبل أن يأتي اليوم لا يقبل التأخير ولا التقديم.

 اغتنم شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وحياتك قبل موتك، وغناك قبل فقرك. اغتم الفرصة مادمتَ موجودًا حيًا قبل أن تغمض عينيك وقبل أن يسيطر عليك ملك الموت. عليك أن تغتنم الفرصة في نقد الذات، وفي محاسبة النفس، وفي قراءة شريط الأعمال وشريط الذكريات الذي يصنعه الإنسان.

الحسين في دعاء عرفة يؤكّد على نقد الذات من خلال عدة خطوات

الخطوة الأول: معرفة النفس

ورد عن الرسول (ص) : ”من عرف نفسه عرف ربَّه“، أي أن من أدرك أن نفسه محدودة ضعيفة أدرك ربه. إذا أدرك أن ثروته محدودة، وعلمه محدود، وقوته محدودة، وقدرته محدودة، أدرك أن هناك قوةً وراء الحدود هي التي تمده بالنشاط والقدرة والحيوية. الحسين (ع)  يقول: ”أنا الفقير في غناي، فكيف لا أكون فقيرًا في فقري؟! إلهي أنا الجاهل في علمي، فكيف لا أكون جهولاً في جهلي؟!“.

الإمام الحسين (ع)  يركّز على معرفة النفس فيقول: ”إلهي من كانت محاسنه مساوي، فكيف لا تكون مساوئه مساوي؟! ومن كانت حقائقه دعاوى، فكيف لا تكون دعاواه دعاوى؟!“.

 أنا أخلاقي مشوبة بالنقص دائمًا، فتواضعي مشوب بالتكبر، وتعاملي مع الناس مشوب بالغطرسة، ونبلي مشوب بالبخل، وكل صفة مني مشوبة بالنقص

.

الخطوة الثانية: الشعور بالغربة

كل شخص منا يعيش الشعور بالغربة حتى لو كان يعيش بين أهله وأسرته، فإن الإنسان إذا ارتكب الذنوب الكثيرة، وارتكب المعاصي الجليلة، واحتطب على ظهره جملةً من الذنوب والمعاصي، فإن المعاصي تتراكم على قلبه، فيريد أن يتكلم عنها، لكنه لا يجد من يستمعه. من يستمع لك وأنت تتحدث عن معاصيك؟! من الذي يستمع لك وأنت تتكلم عن ذنوبك؟! أبي لا يسمعني إذا تحدثتُ عن ذنوبي، ولا أخي، ولا ولدي، ولا زوجتي، بل الكل مشغول بذنوبه ومعاصيه

أنا الإنسان إذا تراكمت عليَّ الذنوب فلا بد من أن أبوح وأتكلم حتى أنفّس عن نفسي؛ لأنني إذا لم أنفس وإذا لم أتكلم عن ذنوبي ومعاصيَّ فإنني أصاب بعقدة زمنية، وأصاب بعقدة نفسية، فلا بد من أن أتكلم عن ذنوبي وأخطائي، ولكن مع من أتكلم؟! مع أب؟! مع أخ؟! مع أم؟! الجميع لا يرحمني، والجميع لا يغفر لي، والجميع لا يساعدني على محو ذنوبي، فأنا غريب وإن كنتُ بين أهلي. أنا غريب بذنوبي وأخطائي وإن كنتُ أعيش بين أسرتي وبين زوجتي وأولادي.

الإمام الحسين يؤكّد على الشعور بالغربة إذ يقول: ”إلهي إلى من تكلني؟! إلى قريب فيقطعني؟! أم إلى بعيد فيتجهمني؟! أم إلى المستضعفين لي؟! وأنت ربي ومليك أمري، أشكو إليك غربتي، وبُعْد داري، وهواني على من ملّكته أمري“

 

الخطوة الثالثة: الشعور بالخجل

أما آن للإنسان أن يخجل؟! القرآن الكريم يقول: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾؟!

 الإمام زين العابدين يقول: ”إلهي كلما طال عمري كثرت خطاياي، أما آن لي أن أستحي من ربي؟!“. لماذا أظهر بشخصيتين؟! لماذا أعيش ازدواجية في الشخصية؟! أظهر أمام الناس بأني مؤمن متدين ملتزم مستقيم، ولكني أعيش شخصية باطنية لا يعلم بها إلا ربي، وهي شخصية تصر على الذنوب، وتصر على الآثام، وتصر على المعاصي، فإلى متى لا أخجل من نفسي؟! إلى متى أحتطب الذنوب الثقيلة على ظهري؟!

الحسين يعلمنا أن نخجل من أنفسنا، فيقول: ”يا مَوْلايَ، أَنْتَ الَّذي مَنَنْتَ، أَنْتَ الَّذي أَنْعَمْتَ، أَنْتَ الَّذي أَحْسَنْتَ، أَنْتَ الَّذي أَجْمَلْتَ، أَنْتَ الَّذي أَفْضَلْتَ، أَنْتَ الَّذي أَكْمَلْتَ، أَنْتَ الَّذي رَزَقْتَ، أَنْتَ الَّذي وَفَّقْتَ، أَنْتَ الَّذي أَعْطَيْتَ، أَنْتَ الَّذي أَغْنَيْتَ، أَنْتَ الَّذي آوَيْتَ، أَنْتَ الَّذي كَفَيْتَ، أَنْتَ الَّذي هَدَيْتَ، أَنْتَ الَّذي عَصَمْتَ، أَنْتَ الَّذي سَتَرتَ، أَنْتَ الَّذي غَفَرْتَ، أَنْتَ الَّذي أَقَلْتَ، أَنْتَ الَّذي مَكَّنْتَ، أَنْتَ الَّذي أَعْزَزْتَ، أَنْتَ الَّذي أَعَنْتَ، أَنْتَ الَّذي عَضَدْتَ، أَنْتَ الَّذي أَيَّدْتَ، أَنْتَ الَّذي نَصَرْتَ، أَنْتَ الَّذي شَفَيْتَ، أَنْتَ الَّذي عافَيْتَ، أَنْتَ الَّذي أَكْرَمتَ، تَبارَكْتَ وَتَعالَيْتَ، فَلَكَ الْحَمْدُ دائَمًا، وَلَكَ الشُّكْرُ واصِبًا“.

ثم أنا ماذا فعلت؟! أمام هذه النعم كلها، وأمام هذه المحاسن كلها، أنا ماذا فعلت؟! ”ثُمَّ أَنا يا إِلهي الْمُعْتَرِفُ بِذُنُوبِي فَاغْفِرْها لِي، أَنَا الَّذي أسأتُ أَنا الّذي أَخْطأتُ، أَنا الَّذي هَمَمْتُ، أَنا الَّذي جَهِلْتُ، أَنا الَّذي غَفَلْتُ، أَنَا الَّذي سَبَوْتُ، أَنَا الَّذي اعْتَمَدْتُ، أَنَا الَّذي تَعَمَّدْتُ، أَنَا الَّذي وَعَدْتُ، وَأَنَا الَّذي أَخْلَفْتُ، أَنَا الَّذي نَكَثْتُ، أَنَا الَّذي أَقْرَرْتُ، أَنَا الَّذي اعْتَرَفْتُ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَعِنْدِي، وَأَبُوءُ بِذُنُوبِي، فَاغْفِرْها لِي“.

 الإقرار بالذنب يغسل الذنوب، والإقرار بالخطأ يغسل المعاصي، والإقرار أمام الله بالرذائل والمعاصي يحوّلني إلى شخصية مستقيمة سوية

الحسين يعلّمنا كيف نحاسب أنفسنا. النفس أمّارة بالسوء ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾. النفس الأمّارة تحتاج إلى المقاومة، وتحتاج إلى المجاهدة. عليَّ أن أوبخ نفسي دائمًا، وعليَّ أن ألوم نفسي دائمًا، وعليَّ أن أقرّع نفسي دائمًا. نفسي الأمّارة لا تنتهي ولا ترتدع ولا تبتعد عن المعصية، إلا إذا حقّرتها ووبختها وألمتها وردعتها، حتى ترجع إلى حظيرة الإيمان.

الحسين(ع)   يعلمنا كيف نوبّخ أنفسنا، فيقول: ”فَبأِيِّ شَيء أَسْتَقْبِلُكَ يا مَوْلايَ، أَبِسَمْعي أَمْ بِبَصَري أَمْ بِلِسانِي أَمْ بِيَدي أَمْ بِرِجْلِي؟! أَلَيْسَ كُلَّها نِعَمَكَ عِنْدِي وَبِكُلِّها عَصَيْتُكَ؟! يا مَوْلايَ فَلَكَ الحُجَّةُ وَالسَّبيلُ عَلَيَّ، يا مَنْ سَتَرَنِي مِنَ الآبآء وَالاُمَّهاتِ أَنْ يَزْجُرُوني، وَمِنَ الْعَشائِرِ وَالإخْوانِ أَنْ يُعَيِّرُونِي، وَمِنَ السَّلاطِينِ أَنْ يُعاقِبُونِي وَلَوِ اطَّلَعُوا يا مَوْلايَ عَلى مَا اطَّلَعْتَ عَلَيهِ مِنّي إِذنْ ما أَنْظَرُونِي وَلَرَفَضُونِي وَقَطَعُونِي“.

الحسين الذي ملأ قلبه حب الله، وملأ قلبه التعلق بالله، هو الذي ظل إلى آخر لحظة يقول: إلهي تركتُ الخلقَ طرًا في هواكَ.

 


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=815
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2018 / 09 / 10
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 11 / 17