• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .
              • القسم الفرعي : مفاهيم .
                    • الموضوع : في رحاب الزيارة الجامعة .... معرفة أهل البيت عليهم السلام .
                          • رقم العدد : العدد الثالث والثلاثون .

في رحاب الزيارة الجامعة .... معرفة أهل البيت عليهم السلام

 

في رحاب الزيارة الجامعة ....  معرفة أهل البيت عليهم السلام

المعصومون

آية الله الشيخ عبد الله جوادي آملي

كلمة "معصومون" جمع "معصوم"، واشتقاقها من عصم يعصم. و "عصم" بمعنى الحفظ مع الدفاع([1])، وبلحاظ هذين القيدين ورد معنى هذه المفردة في القرآن الكريم في آية: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}([2])، وآية: {قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا}([3]). فالمعصوم هو: المحفوظ والمصون من العيوب، المدفوع عنه ذميم الخصال وقبيح الفعال.

وقد ذكر أهل اللغة معنيين لكلمة "العصمة":

1-  "تحقق المحفوظية والدفاع".([4])

2-  "كل شيء اعتصمت به".([5])

سعة معنى العصمة

تبين من البحث اللغوي أن للعصمة معنى عاماً، يدخل فيه حفظ الشيء من الأخطار، ولكن اختص معناها في البحوث الكلامية بالحفظ من الذنوب والخطأ وما شابه، مما يستتبع الخلو من الذنوب، وترى الشيعة أن "الأنبياء وأوصياءهم لا ذنوب لهم، لأنهم معصومون مطهّرون"([6])، فالإمام معصوم في ذلك كالنبي، بلا فرق.

قال الإمام السجاد عليه السلام: "الإمام منا لا يكون إلا معصوماً.."([7]).

وعن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: "إنما الطاعة لله عزَّ وجلَّ ولرسوله ولولاة الأمر، وإنما أمر بطاعة أولي الأمر لأنهم معصومون مطهّرون لا يأمرون بمعصيته"([8]).

وفيما كتب الرضا عليه السلام للمأمون: "لا يفرض الله تعالى طاعة من يعلم أنه يضلهم ويغويهم، ولا يختار لرسالته ولا يصطفي من عباده من يعلم أنه يكفر به وبعبادته، ويعبد الشيطان دونه".

ومجيء وصف العصمة بعد وصفي الهدى والرشد (الهداة الراشدون المعصومون) إن كان بنحو الترتب القهري فهو دليل أن الراشد المهتدي معصوم لا محالة.

إشارات

1-  أقسام العصمة

تحصل العصمة من الذنوب بإحدى الطرق التالية:

أ‌-      أن يُبرأ الإنسان بحيث لا تكون له رغبة في المعصية لعدم ما يدعوه إليها في وجوده. وبعبارة أخرى: أن لا يكون لديه استعداد نفسي مسبق للمعصية لعدم إحساسه بلذاتها، كما هو حال الملائكة، فإنها منزهة من الذنوب لعدم وجود الغضب والشهوة فيها، وهما سببا الذنوب والعصيان.

ب‌-            أن يكون الإنسان على علم بضرر الذنب وفداحة الخسارة الناجمة عن المعاصي، فهو حذر من ارتكابها والدخول في بابها وإن استتبعت لذة، كما هو حال المريض الممتثل لأمر طبيبه في ترك بعض الأطعمة، وإن كانت شهية لذيذة.

ت‌-            أن لا يكون هذا ولا ذاك، بل يكون السبب في ترك الذنب وجود المانع وفقدان القدرة على المعصية، لسبب ما، فحال العاجز عن الذنب ـ مع الرغبة فيه ـ حال الطفل العاجز عن تناول السم لمنعه منه وعدم وصول يده إليها.

وترك الذنب أمرٌ محمود بأي من هذه الطرق حصل، لأن معصية الله تعالى آفة قاتلة، يجب ألا تجد طريقها إلى روح الإنسان، وسمّ زعاف، يجب ألا تمتد إليه يد أحد، وإن كان ذلك عن طريق إيجاد الموانع وسد الذرائع، وهو الطريق الثالث ولكن لا شك في أفضلية الثاني، لأن نظام التكليف يقتضي وجود داع وميل للمعصية في الغريزة البشرية، وهذا ما يجعل من الطريق الأولى مغلقة في وجوه معظم الناس.

 

2-  العصمة والاختيار

لا كلام في صحة إطلاق "المعصوم" على أصحاب تلك الطرق الثلاث، لأنهم يشتركون في التنزه عن الذنب والخلو من المعصية.

وأئمة الدين هم من أصحاب الطريق الأول، كما هو مفاد لسان بعض النصوص، مثل: "عصمكم الله من الزلل"([9])، و{وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا}([10])

وبعبارة أخرى: إن الاستعداد الغريزي لارتكاب المعصية وإن كان موجوداً عند الأئمة الأطهار، ولذا يسعى الشيطان سعيه في الوسوسة إليهم والصراخ بهم إلى باطله: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}([11])، إلا أنهم محاطون بتوفيق إلهي خاص، يدرأ عنهم كيده، وينصرهم عليه، فالإمام: "معصوم مؤيد موفق مسدد، قد أمن الخطايا والزلل والعثار".([12])

وعليه فالمعصوم ليس مجبراً على ترك الذنب، لأنه لو كان كذلك لما كان لنزغ الشيطان له معنى، بل هو قادر تكويناً على المعصية، مختار في ارتكاب الذنب لو شاء، لكنه لا يزال تاركاً للمعاصي كلها، متنزهاً عن الآثام أجمعها، وتهديد الله تعالى لنبيه بقوله: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا}([13])، دال على قدرة النبي خلقة وتكويناً على الركون إلى المشركين والتساهل معهم، وإلا لكان التهديد لغواً.

 

3-  منشأ العصمة

العصمة الخاصة الثابتة للأنبياء والأئمة عليهم السلام لا تكون إلا بتأييد خاص من الله تعالى، وقد ذُكر ذلك التأييد في الروايات بعنوان "روح القدس".

وتوضيح ذلك إنّ القادة الربانيين وإن كانوا في واقعهم بشراً مثلنا: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ}([14])، ولهم ما لغيرهم من الخصائص البشرية، غير أنّ لهم أيضاً خصائص ينفردون بها عنه بقية بني نوعهم، وبها يطيقون حمل الأعباء الثقيلة للرسالة وهداية البشرية، ولذا قالت الآية السابقة في تتمتها: {يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}، وفي آية أخرى ذكر للطبع البشري في الرسول صلى الله عليه وآله، وهي قوله تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ}([15])، ويستدرك القرآن فيقول في بيان التأييد الإلهي في عصمة النبي من الانزلاق: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا}([16]

وفي قصة النبي يوسف عليه السلام يسرد علينا القرآن الكريم كيف أن تلك المرأة قد شغفها حباً فراودته عن نفسه، حتى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ}([17])، فوقاه الله تعالى من الفحشاء بما أراه من البرهان، ولولاه لهّم بها كما همت به، لكن الله عصمه ببرهانه، فقوله: {وَهَمَّ بِهَا} إشارة إلى الجنبة الشخصية والطبع البشري للنبي، وقوله:{لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} إشارة إلى الجنبة النبوية والمعنوية له.

 

4-  العصمة وشبهة الظلم

قد يقال: لأي علة استحق بعض البشر هذه التأييد الخاص من الله ومنحوا روح القدس دون غيرهم من الخلق؟ أليس في هذا ظلم لغيرهم؟ ولو أعطي غيرهم ما أُعطوا لكانوا معصومين مثلهم!

والجواب: إنّ الباري تعالى برأ الخلق كلهم على فطرة التوحيد: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}([18])، كما أنه تعالى زودهم أجمعين بما يميزون به الفجور والتقوى {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}([19])، غير أن بعضهم تنكر لهذه الفطرة الربانية ودسها في طبقات الشهوة والغضب: {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}، واستجاب بعضهم لنداء هذه الفطرة وعمل على تزكية نفسه والرقي بها: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا}، فهو بذلك شكر ربه على هذه النعمة العظمى، وقد جرت سنّة الله تعالى على إثابة الشاكرين بزيادة النعمة وجزاء الكافرين بشديد العذاب: { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}([20])، وثواب الشاكرين هذا انعكاس لاستجابتهم الصادقة لنداء الفطرة، وكلما ازداد المتسجيب صدقاً ازداد ثواباً ونعمة، حتى أنه ينال بذلك "روح القدس" جزاء وفاقاً.

وحيث إن الله تعالى يعلم من الأزل بعلمه غير المحدود وفاء الوافين وعمل العاملين بهذه الفطرة، ويعلم زيغ الزائغين عنها الداسين لها في أوحال الشهوات المحرمة، فقد أثاب مقدماً من علم بوفائهم وصدقهم، وهم الأنبياء والأوصياء، وخصهم بعنايته قبل أن يعملوا، وهذا المعنى ورد صريحاً في دعاء الندبة:

"اللهم لك الحمد على ما جرى به قضاؤك في أوليائك، الذين استخلصتهم لنفسك ودينك، إذ اخترت لهم جزيل ما عندك، من النعيم المقيم، الذي لا زوال له ولا اضمحلال، بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية وزخرفها وزبرجها، فشرطوا لك ذلك، وعلمت منهم الوفاء به، فقبلتهم وقربتهم وقدمت لهم الذكر العلي والثناء الجلي، وأهبطت عليهم ملائكتك وكرمتهم بوحيك، ورفدتهم بعلمك، وجعلتهم الذرائع إليك، والوسيلة إلى رضوانك.."([21])

وعليه فلا مجال لدعوى أننا لو أُعطينا "روح القدس" لبلغنا مقام العصمة؛ ذلك أنّ أسباب العدالة ـ وهي المرتبة النازلة للعصمة ونصابها الأقل متاحة للجميع، والحال أن أكثر الناس غير بالغيها، فكيف يصح القول بأنه لو أتيحت لنا أسباب المراحل الأعلى لعملنا على وفقها وكنّا جديرين بها؟

 

5-  الآيات والروايات المنافية للعصمة

يلوح من ظاهر بعض الآيات مصادمتها لعصمة الأنبياء(ع)، ويظهر أيضاً من بعض أدعية وأقوال الأئمة عليهم السلام ما ينافي نظرية العصمة، كما في قول أمير المؤمنين عليه السلام: "فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست في نفسي بفوق أن أُخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي، إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني"([22])

وقبل البدء في جواب الإشكال ينبغي التنبيه إلى أمر هام، وهو أنه إذا قام دليل عقلي على حكم ما، وخالفه ظاهر دليل نقلي؛ فلا مناص من تأويل الدليل النقلي والتصرف في دلالته بما يوافق الدليل العقلي؛ لأن الله تعالى ـ وهو خالق العقل ـ وأئمة الدين ـ وهم العقل الأول وسادة العقلاء ـ لا يقولون ما يخالف البرهان العقلي ويضاده، لذا لا تجد دليلاً نقلياً مخالفاً للعقل أبداً، وما يبدو للوهلة الأولى من التنافي بينهما سببه التقية، أو سهو الراوي ونسيانه، أو حذف قرينة لفظية، أو غياب قرينة حالية اكتنفت المقال، إلى غير ذلك من أسباب.

ثم إن ضرورة العصمة للأنبياء والأئمة عليهم اسلام حكم يثبته العقل السليم، ويؤيده الكثير من الآيات والروايات، فلا بد من توجيه دلالات الأدلة النقلية ـ كبعض الأدعية والكلمات ـ المنافية ظاهراً للعصمة.

 

توجيه كلام أمير المؤمنين عليه السلام:

لقد كان كلامه عليه السلام ذاك جواباً لرجل أكثر من الثناء عليه وذكر له سمعه وطاعته، فقال له عليه السلام: إن من حق من عظم جلال الله سبحانه في نفسه وجل موضعه من قلبه أن يصغر عنده ـ لعظم ذلك ـ كل ما سواه...ـ إلى قوله: ـ "فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ.."، فتمسك بها الألوسي وأضرابه في نفي العصمة، وقد قال ابن أبي الحديد في شرحه لتلك الفقرة من الخطبة:

1-  هذا اعتراف منه عليه السلام بعدم العصمة، فإما أن يكون الكلام على ظاهره.

2-  أو يكون قاله على سبيل هضم النفس، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "ولا أنا، إلا أن يتداركني الله برحمته".

3-  وفي شرح قوله عليه السلام: "أخرجنا مما كنا فيه فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى وأعطانا البصيرة بعد العمى"، قال: ليس هذا إشارة إلى خاص نفسه عليه السلام، لأنه لم يكن كافراً فأسلم، ولكنه كلام يقوله ويشير به إلى القوم الذين يخاطبهم من أفناء الناس، فيأتي بصيغة الجمع الداخلة فيها نفسه توسعاً.

4-  قال: ويجوز أن يكون معناه: لولا ألطاف الله تعالى ببعثة محمد صلى الله عليه وآله لكنت أنا وغيري على أصل مذهب الأسلاف، من عبادة الأصنام، كما قال تعالى لنبيه: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى}([23]) ليس معناه أنه كان كافراً، بل معناه لولا اصطفاء الله تعالى لك (الأعم من الهداية الباطنية والظاهرية) لكنت كواحد من قومك، ومعنى {وَوَجَدَكَ ضَالًّا} أي ووجدك بعرضة للضلال، فكأنه ضال بالقوة لا بالفعل([24])

ويؤيد كلام ابن أبي الحديد قيد "في نفسي" الوارد في كلام الأمير عليه السلام فبهذا القيد يسلب الأمير عليه السلام الاستقلال عن نفسه باعتبار أنه لولا هداية الله تعالى لكان عليه السلام كغيره من الناس، عرضة لخطر الذنوب والخروج عن طاعة الله تعالى، فهو عليه السلام يشير بهذا القيد إلى الجنبة الشخصية والبدن الملكي لنفسه، وينفي عن نفسه الاستقلال، وبقيد "إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني" يشير إلى بُعده الملكوتي والصبغة الربانية المخصوص بها، ويُثبت لنفسه الارتباط الخاص بالله تعالى.

ومن العبارات التي تمسك بها الآلوسي لنفي العصمة قوله عليه السلام: "اللهم اغفر لي ما تقربت به إليك بلساني، ثم خالفه قلبي"([25])، حيث قال: "وقصد التعليم ـ كما في بعض الأدعية ـ بعيد"

والجواب: إن آية المباهلة: {وأنفسنا وأنفسكم} نص في أن الأمير عليه السلام كنفس رسول الله صلى الله عليه وآله، فتثبت له خصوصيات النبي كافة، إلا خصائص مقام الرسالة وبعض خصائص النبي الأحكامية، والعصمة المطلقة ليست منها، فلا بُعد أبداً في قصده عليه السلام التعليم من أمثال هذه الكلمات، ومع هذا فإن دعوى قصد التعليم من هكذا أدعية ـ وهو ما يلجأ إليه بعض علماء الشيعة أيضاً كتوجيه لها ـ ليس جواباً مقنعاً للإشكال، سواء بالنسبة لأدعية النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، أم لأدعية بقية الأئمة المعصومين، لذا فالأصح أن يقال في الجواب:

1-  إن هذا الاستغفار استغفار لدفع الغفلة واستعصاماً من الذنب، وليس استغفاراً عن ذنب حصل وعصيان صدر.

2-  الجواب الثاني ما أشار إليه صاحب كتاب "كشف الغمة"، وبيانه: إن للذنب معان:

أ‌-      بمعنى فعل المنهي عنه أو ترك المأمور به، وهذا هو الذنب الاصطلاحي، والمعصوم منزه عن ذلك جزماً.

ب‌-                        الأمور الخارجة عن دائرة الذنب الاصطلاحي، ولكنها تنافي الجلال الربوبي، وإن لم يكن بدٌّ من مزاولتها في هذه الحياة الدنيوية أو أن الله نفسه أمر بها، كالأكل والشرب في محضره تعالى او أمر الآخرين بذلك، ومن هذا القبيل الكرامات والخوارق التي تكون على أيدي أولياء الله الكاملين، لإثبات حقية صلتهم به سبحانه، فإنها نوع إنية في نظرهم، والإنية بالنسبة إليهم ضرب من المعصية، وتدخل في الشؤون الربوبية.([26])

وهذا المقام هو المسمى "مقام الإحسان" في لسان كبار أهل المعرفة، فلأنهم في المراتب العالية من الصلة بالله والغرق في حبه يعدون حضورهم بين الناس وتماسهم بعالم الكثرات، وقيامهم بالمعجزات وخوارق العادات، سبباً في كدورة قلوبهم، ويعتبرون نزولهم من تلك الدرجات الرفيعة وتوجههم إلى ما سوى الله ذنباً، وإن كان الكون مع من الناس ومخالطتهم أمراً مباحاً ومحبّذاً لغيرهم، فلذا هم يستغفرون الله من هذه العلائق ويدعونه للتخلص من آثارها.

فاتضح من هذا البيان أن استغفارهم استغفار رفع للذنوب، لكن ليست الذنوب بالمعنى الأول الاصطلاحي، بل بما يعدّونه هم ذنباً بلحاظ حالة الشهود التام والاستغراق الكامل.

3-  من الأجوبة أن يقال: إن الأبوين يغشاهما الخجل من قبيح أفعال ابنهما الصغير أو غير الرشيد، وإذا ما تسبب ابنهما في إلحاق ضرر بالآخرين وجدا نفسيهما ملزمين بالاعتذار وجبر ذلك الضرر، وكأنهما هما من فعلا ذلك. وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وآله قال: "أنا وعلي أبوا هذه الأمة، ولحقنا عليهم أعظم من حق أبوي ولادتهم، فإنا ننقذهم إن أطاعونا من النار إلى دار القرار، ونلحقهم من العبودية بخيار الأحرار".([27])

وقالت الزهراء عليها السلام: "أبوا هذه الأمة محمد وعلي، يقيمان أودهم، وينقذانهم من العذاب الدائم إن أطاعوهما، ويبيحانهم النعيم الدائم إن وافقوهما".

فالمؤمنون هم الأبناء المعنويون للنبي(ص) وأمير المؤمنين(ع)، فما يصدر من قبيح الفعل والمعصية شيء ومخجل لهما في محضر الله تعالى، وهما من هما في شامخ المعرفة الإلهية، لا سيما أن كثيراً من الذنوب مقرون بحالة الطغيان والتجبر، والإصرار والعناد في هتك حرمات الله، مما يحول دون غفرانها بالتوبة. ويؤيد هذا المعنى ما ورد عن الإمام الصادق عليها لسلام في قوله تعالى: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر}([28])، قال: "والله ما كان له ذنب، ولكن الله ضمن له أن يغفر ذنوب شيعة علي عليه السلام ما تقدم من ذنبهم وما تأخر".([29])

وفي رواية أخرى قال: "ما كان له ذنب، ولا همَّ بذنب، ولكن الله حمله ذنوب شيعته ثم غفرها له".([30])

 

4-  رابع الأجوبة أن يقال:

أ‌-      إن عبادة وعبودية كل امرئ بقدر معرفته، وليس بمقدوره الأكثر.

ب‌-                        إن الله تعالى "لا يدركه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن".([31])

ت‌-                        إن عبادة العابدين مهما بلغت هي دون ما يستحقه الله تعالى، بل إن كل عابد يعبده بحسب معرفته وسعته الوجوديه: "إن ذكري لك بقدري لا بقدرك".([32])

ث‌-                        مع أن المرء معذور في ترك العبادة بما زاد على معرفته، إلا أن الإنسان الكامل قلق دوماً مخافة التقصير والتفريط في جنب الله، وما إن تزداد معرفته به حتى يسارع إلى الاستغفار والتوبة عن قصوره في امتثال العبودية، مع كونه معذوراً.

ج‌- وحيث إن معرفة الله تعالى لا  حد لها، فإن استغفار الإنسان الكامل يتجدد بتجدد المعرفة به سبحانه، فهو دائم الاستغفار والتوبة.

 

 

 

6-طرق إثبات العصمة

هناك طرق عديدة لإثبات عصمة أهل بيت الطهارة عليهم السلام، بعضها برهاني وبعضها قرآني وروائي، وبعضها ملفّق من البرهان والقرآن، وبعضها عرفاني شهودي.

أ‌-      إنّ منشأ خطأ الفكر واعوجاجه هو تطفّل الوهم والخيال، وأساس الخطيئة إعمال الشهوة والغضب في غير محلهما. إن الذي يحول دون رؤية العقل النظري للحق والرأي الصائب، ويمنع العقل العملي من العزيمة والمضي في العمل الصالح، ليس إلا تجاوز تلك القوى حدودها والدخول في مناطق قوى أخرى لذا لا مناص من وجود نفس مهذبة تتحكم باقتدار في قواها الإدراكية والتنفيذية وتضبط كل قوة، نظرية كانت أو عملية، في حدودها، وبهذا ستكون النفس مصونة وهذا الاقتدار للنفس لا يكون إلا بتوفيق إلهي خاص.

والتعالي المستمر للروح في سماء التجرد يبلغ بها درجة من التجرد يعجز إبليس وجنوده عن الدنّو منها، لأنّ تجرّد الشيطان محدود بمنطقة البرزخ والمثال، وليس له سبيل إلى التجرد العقلي التام، وبهذا يكون الإنسان الكامل محفوظاً من مكر وشر الشيطان الخارجي، فتحصل له عصمة من الجهل النظري والجهالة العملية من الباطن والخارج، وهذا الإنسان هو الإنسان الكامل المعصوم.

ب‌-                        حدد القرآن الكريم منطقة نفوذ الشيطان وجنوده بحد الإخلاص، فما بعد الإخلاص منطقة محرّمة على إبليس، محصنة من وسوسته وتسويلاته، فهي منطقة خلو من الباطل، وملاء بالحق في العلم والعمل، فليس لإبليس سبيل إليها ولا له سلطان على أصحابها، لأن حيلته الوحيدة في اصطياد ضحاياه هي إلباس الباطل لباس الحق، فإذا خلت نقطة الإخلاص من كل باطل بطلت حيلته وفشل مكره، ولذا فالمخلص في أمان من هذه الآفة الخارجية.

وإذا انسد طريق الشيطان تحرر الوهم والخيال الباطنيان من سطوته وإضلاله، وانخنس الشيطان بعيداً.

ت‌-                        إنّ البشر الكاملين المعروفين بعنوان "أهل البيت" هم عِدل القرآن، للحديث النبوي: "إنّي تاركٌ فيكم الثقلين"([33]). وتطابق كلام الله التدوينيّ مع كلامه التكوينيّ هو سبب اشتراك هذين الثقلين في العناصر المحورية للكمال([34])، ولولا ذلك لافترقا، والحال أنّ الحديث النبوي ينفي افتراقهما نفياً مؤبداً.

ومن أبرز خصائص وكمالات القرآن الكريم أنه: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه}([35])، فهو في عصمة من نفوذ الباطل إليه، ولولا اعتصام العترة الطاهرة من نفوذ الباطل علماً وعملاً لتفرّقا، ولسلك كل واحد منهما وادياً، وهذا ما ينفيه الحديث النبوي.

ملاحظتان:

الأولى: إن هذا النحو من التدليل على عصمة أهل البيت عليهم السلام إنما هو لاستكشاف مقاماتهم، وإلا فإن النصوص المحكمة والصريحة الدالة على عصمتهم كثيرة جداً، منها قول أمير المؤمنين عليه السلام: "إن الله تبارك وتعالى طهّرنا وعصمنا وجعلنا شهداء على خلقه، وحجته في أرضه، وجعلنا مع القرآن، وجعل القرآن معنا، لا نفارقه ولا يفارقنا"([36]).

الثانية: إنّ نهج البلاغة ـ وهو سِفرٌ يوضح مكانة الإنسان الكامل ـ حافل من دفّته إلى دفّته بالدلالات على عصمة أهل الطهارة عليهم السلام، من ذلك قوله في النبي الكريم صلى الله عليه وآله: "فتأسّ بنبيّك الأطيب الأطهر"([37])، ووصف آل الرسول بقوله: "الطيبين الطاهرين"([38])



[1] أنظر: التحقيق في كلمات القرآن الكريم، مادة "عصم".

[2] المائدة/67

[3] الأحزاب:17

[4] التحقيق في كلمات القرآن الكريم، مادة "عصم".

[5] معجم مقاييس اللغة، مادة "عصم".

[6] بحار الأنوار ج 25 ص 199، وهي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام.

[7] المصدر نفسه، ص 194، وتتمة الرواية: "وليست العصمة في ظاهر الخلقة فيعرف بها، فلذلك لا يكون إلا منصوباً" وبهذا المعنى وردت رواية عن الإمام الصادق عليه السلام أيضاً (المصدر نفسه، ص 199).

[8] المصدر نفسه، ص 200

[9] من لا يحضره الفقيه، ج 1 ص 609، وهي من فقرات الزيارة الجامعة.

[10] الإسراء/74

[11] الأعراف/200

[12] بحار الأنوار ج 25 ص 127.

[13] الاسراء/74 ـ 75

[14] الكهف/110

[15] الاسراء/73

[16] الاسراء/74

[17] يوسف/24

[18] الروم/30

[19] الشمس/8

[20] إبراهيم/7

[21] بحار الأنوار ج 99 ص 104

[22] نهج البلاغة، الخطبة 216

[23] الضحى/7

[24] شرح نهج البلاغة، ج 6 ص 71، في الخطبة رقم 210 حسب ترقيم ابن ابي الحديد.

[25] نهج البلاغة، الخطبة 78، ولم ينقل الآلوسي في تفسيره كلام الأمير كاملاً، كما أنه لم يتطرق لذكر، حف به قبلاً وبعداً، مع دلالته ظاهراً على دعواه من نفي العصمة.

[26] وفي مثل هذه الحالات يرى أولياء الله أنفسهم بين محذورين: محذور إبراز الذات قبال الج الربوبي وإثبات "الأنا" في محضر العزيز المقتدر، ومحذور وجوب الامتثال لأمره تعالى مخ مخالفته، لأن ذلك معصية وذنب بالمعنى الأول، فلا يجدون بدّاً من الامتثال، واستغفار وأدعيتهم من هذا القبيل وجار على هذا المنوال، لأن الدعاء وطلب تغيير الحال ينافي مقام الرضا والتسليم من جهة، وترك الدعاء لأمر الله به، ومدعاة للاستكبار عليه من جهة أخرى، لقوله تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهتم داخرين}غافر/60 ومن أقوال سيد الساجدين عليه السلام في هذا المجال: "إلهي ل الواجب من قبول أمرك لنزهتك من ذكري إياك" بحار الأنوار ج 91 ص 151.

[27] بحار الأنوار ج 23 ص 259

[28] الفتح/2

[29] تفسير مجمع البيان ج 9 ـ 10 ص ذيل الآية 2 من سورة الفتح.

[30] المصدر نفسه.

[31] نهج البلاغة، الخطبة 1

[32] بحار الأنوار ج 91 ص 151

[33] بحار الأنوار ج 2 ص 100، ج 23 ص 108

[34] أنظر: ج 2 من هذا الكتاب، الإشارة 5 و 7 من إشارات فقرة "حملة كتاب الله".

[35] فصلت/42

[36] الكافي ج 1 ص 191، وهي رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام

[37] نهج البلاغة الخطبة 160

[38] المصدر نفسه، الكتاب 53(عهده لمالك الأشتر).


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=827
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2019 / 03 / 14
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 05 / 27