• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .
              • القسم الفرعي : من التاريخ .
                    • الموضوع : إعدام الشهيد الثاني .
                          • رقم العدد : العدد الثالث والثلاثون .

إعدام الشهيد الثاني

 

إعدام الشهيد الثاني

الشيخ زين الدين بن علي الجباعي العاملي المعروف بالشهيد الثاني (911 هـ - 965 هـ)اسمه ونسبه هو زين الدين بن نور الدين علي بن أحمد بن جمال الدين بن تقي الدين بن مشرف العاملي، المعروف بالشهيد الثاني[1].

ولادته

ولد الشهيد في يوم الثلاثاء الثالث عشر من شهر شوّال سنة إحدى عشرة وتسعمائة (911) من الهجرة وقد ختم القرآن وهو في السنة التاسعة من العُمر.

نشأ في أُسرة علمية، إذ إنّ ستّة من آبائه وأجداده كانوا من العلماء، كذلك فإن أولاده وأحفاده وأسباطه كانوا من أهل العلم تسلسل فيهم العلم والفضل زماناً طويلاً وسموا بسلسلة الذهب.

من أقوال العلماء فيه

قال الشيخ يوسف البحراني في لؤلؤة البحرين: ( وكان هذا الشيخ من أعيان هذه الطائفة ورؤسائها، وأعاظم فضلائها وثقاتها، عالم عامل، محقّق مدقّق، زاهد مجاهد، محاسنه أكثر من أن تحصى، وفضائله أزيد من أن تستقصى).

والشهيد الثاني يعتبر من تلامذة الشهيد الأول بطريق غير مباشر إذ تتلمذ على تلامذة تلامذة الشهيد الأول فهو متشرب لأفكاره ورؤاه الفكرية والفقهية والاجتماعية والسياسية.

وكان لديه من الذكاء والقدرات العقلية والفكرية الشيء الكثير لذا عمل بنشاط وتميز ولم يتوان حتى استشهد رضوان الله عليه.

 وكان من أهم ما عمل عليه نشر فكر أهل البيت عليهم السلام ومحاولة جعل المذهب الجعفري ألإمامي الإثنى عشري مذهبا مقبولا لدى السلطة بل ومعترفا به , وقد استطاع أن يحقق هذا الهدف  خاصة وان الدولة العثمانية كانت ممن تحارب هذا المذهب بمحاربتها للدولة الصفوية, والعداء والحروب بينهما معروفة .

حاول الشهيد الوصول إلى هدفه بكل الوسائل المشروعة والتي ترغب وتحبب بهذا المذهب ومن اجل ذلك لم يتوان أن يطوف العالم الإسلامي مبلغا  وأستاذا ومتعلما حتى عند المذاهب الأخرى ,فكان عالما بالمذاهب الإسلامية بل وأستاذا فيها ,ولقد وصل الى القسطنطينية والى الدائرة المقربة من السلطان من اجل هذه الغاية الشريفة  بل حتى انه استطاع ان ينتزع قرارا بتدريس المذهب الجعفري الامامي ضمن المذاهب الاخرى في مدارس الدولة الرسمية وكان هو المدرس للمذاهب الخمسة في احدى أهم المدارس في بلاد الشام الا وهي المدرسة النورية في بعلبك.

عن رحلته الى عاصمة الدولة العثمانية يقول الشهيد قدس سره :          أنه برزت له الإشارات الربانية (يشير إلى الاستخارة)، بالسفر إلى جهة الروم والاجتماع بمن فيها من أهل الفضائل والعلوم، وقد بدأ رحلته هذه مع نهاية 951هـ، ماراً عبر سوريا ومدنها العديدة كدمشق وحلب، وفي يوم الاثنين 17 ربيع أول 952هـ وصل إلى مدينة القسطنطينية مع من رافقه في رحلته الطويلة هذه، فأقاموا فيها، وقد بدأ الشيخ اجتماعاته بأحد الأعيان، ثم اقتضى الأمر أن يكتب رسالة جيدة تشتمل على عشرة مباحث، كل بحث في فن من الفنون العقلية والفقهية والتفسير وغيرها، وأوصلها إلى قاضي العسكر و هو محمد بن قطب الدين بن محمد بن محمد بن قاضي زاده الرومي، وهو رجل فاضل أديب، وفيما بعد واصل اجتماعاته ببعض الفضلاء في قسطنطينية، وتبادل معهم العلوم ورسائل المعرفة طيلة الأشهر الثلاثة والنصف التي قضاها، حيث خرج من القسطنطينية في 11 رجب 952، (مجلة النبأ - العدد 41 - شوال 1420 - كانون الثاني 2000)

وبيده اخذ براءة التعليم في المدرسة النورية في بعلبك التي اختارها بعد أن خُير في التدريس بين حلب وبعلبك ’ وهذا يدل على أن الشهيد كان لديه مشروعه الذي يسعي إلى تشييد أركانه بكل الوسائل المتاحة والممكنة.

وينبغي الالتفات إلى أن الذهاب إلى القسطنطينية لا يمكن أن يتم من دون كتاب تعريف من قاضي صيدا إذ يكون الكتاب هو المستند الرسمي لهذا الشخص للتعريف عنه وانه من مواطني الدولة فيكون هذا الكتاب بمثابة الشهادة بحق هذا الشخص.

 إن قاضي صيدا القاضي (معروف الشامي)  كان ينتظر أن يستحصل (الشهيد) منه عرضا (أي كتاب تعريف) حتى تجيب الخلافة العثمانية إلى ما يطلب من التدريس لكن الشهيد أرسل تلميذه ابن العودي إلى القاضي، ليعلمه عن عزمه على السفر إلى بلاد الروم، وأوصاه أن لا يأخذ منه العرض. وهذا تحد واضح  تحدى الشهيد به القاضي، وخدش كرامته، إذ لا يجوز تقديم طلب إلى مركز الخلافة إلا أن يكون مرفقا بكتاب القاضي حتى لو كان الطالب هو إمام المذهب الذي هو أعلى شخص في نظرهم.
فكيف يذهب (الشهيد) خاليا من عرض القاضي؟

أثرت هذه القصة في نفس القاضي، وأضمر الحقد على الشهيد وازداد حقدا عندما رجع الشهيد مرفوع الرأس، مقضي الطلب.
وزاد في الطين بلة أن (الشهيد) في (القسطنطينية) لم يتشبث بذوي الجاه والمكانة، ولم يتوسل لقضاء حاجته بأصحاب النفوذ: من الأمراء وأمثالهم وإنما اكتفى عن كل هذا برسالة كتبها في عشرة علوم مختلفة، ووقعت الرسالة في نفوس المسئولين موقعا حسنا كان لها الأثر في الحصول على ما يريد. أضف إلى كل هذا الاتجاه العريض، والمكانة السامية، والحفاوة البالغة التي رافقت المدة التي بقي فيها (الشهيد) في (بعلبك) ودرس في (المدرسة النورية). (الروضة البهية المقدمة)

وكان وصوله إلى بعلبك في منتصف شهر صفر سنة 953

ويقول تلميذه ابن العوديّ عن أيام أستاذه الشهيد في بعلبك: ولا أنسى وهو في أعلى سنام، وَمرجِعَ الأنام، وملاذ الخاص والعام، يُفتي كل فرقة بما يوافق مذهبها. ويدّرس في المذاهب كُتبها وكان له في المسجد الأعظم بها درساً مُضافاً إلى ما ذُكِر، وصار أهل البلد كلهم في انقياده، وهم وراء مُراده، بقلوب مُخلصة في الوداد، وحُسن الإقبال والاعتقاد، وقام سوق العلم بها على طِبقَ المراد، ورجعت إليه الفضلاء من أقاصي البلاد، ورقى ناموس السيادة والأصحاب في الازدياد، وكانت عليهم تلك الأيام مثل الأعياد.  (في أحضان إقليم التفاح ... منزل الشهيد الثاني موقع جمعية قبس لحفظ الآثار الدينية )

بقي الشهيد مقيما في البلاد البعلبكية حتى نعق بوم الخراب فارتحل عنها في سنة 955 هـ يقول ابن العودي وهذا التاريخ ( مغادرة بعلبك ) كان خاتمة أوقات الأمان والسلامة من الحدثان

لقد كان الشهيد يجسد الإسلام بقيمه الدينية والأخلاقية مما جلب إليه النفوس وأصبح المرجع لكل الناس في أمورهم الصغيرة والكبيرة وهذه المقبولية لدى النفوس جعلت كلمته مسموعة عند الجميع ومن المعروف أينما وجد النجاح وجد الحسد وتبعه الحقد وهذا ما عاناه الشهيد خلال إقامته في المدرسة النورية حيث كثر حساده ومعاديه وحاولوا بكل الطرق والأساليب القضاء عليه وكان من هؤلاء الحساد قاضي صيدا حيث كان حقده وعداءه للشهيد واضحا وجليا فكان يحاول بث سمومه وبهتانه في كل الاتجاهات

وعند أي شخص يحتمل التأثير ضد الشهيد فكان أن أرسل وراء الشيخ زين الدين  قاضي دمشق فلبى الدعوة وتكلما في كل شئ وحول الخلافة والعقائد ومختلف الأمور فسيطر الشهيد على عقل القاضي الذي لم يخفي إعجابه بالشهيد فخرج من عند معززا مكرما فكان هذا سببا في ازدياد الحقد على الشهيد وخاصة أن مقامه الشريف يتزايد ويتعاظم بين الخاص والعام حتى كانت الفرصة التي استغلها جيدا القاضي معروف وهذه الفرصة كانت التالي :ترافع إلى الشيخ الشهيد شخصين في قضية ما وحكم الشهيد في تلك القضية بما يقتضيه الشرع ولكن احد الخصمين لم يرتضي بهذا الحكم واتجه إلى قاضي صيدا  القاضي معروف الذي تلقف القضية بكل اهتمام وبدأ بالسعي عند قاضي دمشق حيث استطاع هذه المرة أن يوغر صدر قاضي دمشق على الشيخ الشهيد بآرائه المشبعة بالحقد والحسد ولا أستبعد أن تكون التهمة الأساسية نشر التشيع وإقامة حكم شيعي غامزا من جهة الدولة الصفوية  فأصدر القاضي الأوامر بملاحقته والقبض عليه وأيضا لم يكتفي القاضي معروف بذلك بل أوصل وشايته إلى القسطنطينية إلى الوزير الأعظم  ( وعلى ما يبدو كان من الحاقدين على الشهيد لان الشهيد لم يحصل على قرار التدريس في بعلبك عبره فلذلك أسرها في نفسه وظهر ذلك من خلال قتله للشهيد بعد القبض عليه مباشرة من دون أي كلام )   وبذلك أصبح الشيخ الشهيد ملاحقا من قبل الدولة العثمانية بكل أجهزتها الأمنية والعسكرية لأكثر من عشر سنوات

عرف الشهيد وتيقن أن الأمر مختلف عن المرة السابقة فالأمر أصبح خطيرا جدا ولا يمكن المغامرة بلقاء قاضي صيدا أو غيره لذا تخفى عن الأنظار ولم يستقر له المقام في مكان واحد وكان لديه يقين بأنه سوف يكون شهيدا على أيدي هؤلاء الظلمة وموطن نفسه على هذا الأمر  

يقول الشيخ البهائي في احد مؤلفاته : قال أخبرني والدي قدس سره إنه دخل في صبيحة بعض الأيام على شيخنا الشهيد الثاني فوجده مفكراً فسأله عن سبب تفكيره، فقال يا أخي أظن أني سأكون ثاني الشهيدين، وقال إني رأيت البارحة في المنام أن السيد المرتضى علم الهدى عمل ضيافة جمع فيها الإمامية بأجمعهم في بيت، فلما دخلت عليهم، قام السيد المرتضى ورحب بي وقال لي يا فلان اجلس بجنب هذا الشيخ (وقصد به الشهيد الأول)، فجلست بجنبه، فلما استوى بنا المجلس انتبهت من نومي، وفهمت أن هذا دليل على اني أكون تالياً له في الشهادة

بقي الشيخ الشهيد على حاله من التخفي والتنقل من مكان إلى مكان حتى كان قراره بالسفر إلى الديار المقدسة للحج فوصل إلى مكة المكرمة حرم الله الآمن فأقام فيها مدة من الزمن عرف فيها خبره وانتشر حتى وصل إلى قاضي مكة  حسن بيك أفندي الذي كان هو نفسه قاضي دمشق وهو من كان يطلبه ويلاحقه فالقى القبض عليه في حرم الله و لم يراعي للحرم اية حرمة ونقل إلى عاصمة الدولة القسطنطينية حيث قتل رضوان الله تعالى عليه ونال مرتبة الشهادة وتحققت رؤياه

جاء في كتاب (الرحلة المدنيّة والروميّة) للشيخ قطب الدين النَهروالي فصادف وجود الشيخ زين الدين بمكّة، فأُخبر الأفندي حسن بيك بأنّه في مكّة فأمر بالقبض عليه، فقُبض عليه فحبسه

يقول السيد يوسف البحراني في كتاب (لؤلؤة البحرين): قبض الشيخ زين الدين رحمه الله بمكة المشرفة بأمر السلطان سليم ملك الروم في 5 ربيع أول سنة 965 عن عمر 54 سنة، وكان القبض عليه بالمسجد الحرام بعد فراغه من صلاة العصر، وأخرجوه إلى بعض دور مكة، وبقي محبوساً هناك شهراً وعشرة أيام

كيفية استشهاده

اختلف المترجمون للشهيد في كيفية استشهاده على روايات أربع تتفق ثلاثة منها في المضمون وتختلف بعض الاختلاف والرابعة تذكر كيفية مختلفة جدا وان كانت تشير إلى مضمون الثلاثة الأوّل واستطيع الجزم بأنها من تأليف السلطة لدفع التهمة عنها وسيأتي بيان ذلك
سوف نذكر روايات مقتله الشريف أولا ثم نحاول استنطاقها والجمع فيما بينها للخروج بواقعة استشهاده رضوان الله تعالى عليه

الرواية الأولى

ينقل (حسن بك روملو) في تاريخه الفارسي (أحسن التواريخ) نصا يدل بكل وضوح أن الشهيد لم يقتل إلا لتخوف السلطة القائمة من شخصيته الفذة، وإقبال الناس عليه، وتدريسه (الفقه الشيعي) إلى جانب الآراء الفقهية الأخرى..
يقول: في سنة 965 في أواسط سلطنة (الشاه طهماسب الصفوي) استشهد إفادة مآب حاوي المعقول والمنقول، جامع الفروع والأصول الشيخ زين الدين العاملي.

كان السبب في شهادته أن جماعة من السنيين قالوا لرستم باشا الوزير الأعظم للسلطان سليمان ملك الروم: إن الشيخ زين الدين يدعي الاجتهاد ويتردد إليه كثير من علماء الشيعة، ويقرؤون عليه كتب الإمامية وغرضهم بذلك إشاعة التشيع، فأرسل رستم باشا الوزير في طلب الشيخ زين الدين - وكان وقتئذ بمكة المعظمة فأخذه من مكة، وذهبوا به إلى استانبول فقتلوه فيها من غير أن يعرضوه على السلطان سليمان(1). (1) أعيان الشيعة. الجزء 33 ص 292

الرواية الثانية

جاء في كتاب (الرحلة المدنيّة والروميّة) للشيخ قطب الدين النَهروالي (917 – 990 للهجرة)، الذي لم يمنعه اختلافُه في المذهب عن الشهيد من الثناء على علمه وفضيلته التامّة. واليك النص

في ثاني شعبان أمر الوزير الأعظم بقتل الشيخ زين الدين الجبل عامري [عاملي]، فأُتي به إلى الديوان ولم يُسأل عن شيء، وأُمر به إلى الإسقالة [منصّة خشبيّة] فقُطع رأسه هناك، وفلجوا أخمص رجليه بالسيف، وكان يتشهّد عند قطع رأسه كان من قصّته أنّه كان بالشّام في أيام حسن بيك أفندي وكان متّهماً بالرّفض، فأُخذ وأُتي به إلى حسن بيك فسأله عن مذهبه فقال إنّه شافعي وتكلّم معه بكلمات علميّة، فإنّه كان فاضلاً متقناً وترضّى عن الصّحابة وأورد أحاديث شريفة في فضلهم وفي فضل الشّيخين رضي الله عنهما فأحسن إليه الأفندي حسن بيك وأطلقه.

فلمّا برز من عنده قيل للأفندي: إنّ هذا من كبار علماء الرافضة، وهو مجتهد مذهبهم، وله عدّة كتب في مذهب الرافضة؛ فأرسلَ إليه يطلبه ثانياً، فاختفى ولم يظهر. وصار ذلك عقدة في خاطر حسن بيك قاضي الشام وتأسّف على خلاصه من يده.

فعُزل عن الشام ووُلّي قضاء مكّة المشرّفة، فصادف وجود الشيخ زين الدين بمكّة، فأُخبر الأفندي حسن بيك بأنّه في مكّة فأمر بالقبض عليه، فقُبض عليه فحبسه.

وسعى كثير من الناس في إطلاقه وبذلوا له على ذلك مالاً فتسلّم المال، وقال: هذا من عند مَن؟ فقيل له: من عند الخواجا محمّد مكي. فطُلب وسُئل عن ذلك فأنكر أن يكون المال له، فذهب المال وعجز الناس عن استخلاصه. فأرسله إلى مصر مقيّداً مع حسين بيك كتخدا، وأمره أن يوصله إلى الوزير الأعظم فأوصله إليه، فأمر بقتله على هذه الصّورة.

وكان رجلاً ظاهرُه في غاية الاستقامة والله تعالى أعلم بباطنه، وكانت له فضيلة تامّة وحُسن محاورة ولطف مكالمة، تجاوز الله تعالى عنه ومحا سيّئاته، فإن السّيف محّاء للذنوب

الرواية الثالثة

وجاء في كتاب (لؤلؤة البحرين): قبض الشيخ زين الدين رحمه الله بمكة المشرفة بأمر السلطان سليم ملك الروم في 5 ربيع أول سنة 965 عن عمر 54 سنة، وكان القبض عليه بالمسجد الحرام بعد فراغه من صلاة العصر، وأخرجوه إلى بعض دور مكة، وبقي محبوساً هناك شهراً وعشرة أيام، ثم ساروا به على طريق البحر إلى قسطنطينية، وقتلوه بها تلك السنة وبقى مطروحاً ثلاثة أيام، ثم ألقوا جسده الشريف في البحر ويقول السيد نعمة الله الجزائري: بُنى للشيخ الشهيد بناء خارج اسلامبول يسمى مزار الدين ولي

الرواية الرابعة :

ذكر الشيخ الحر العاملي في كتاب (أمل الآمل) (1) راجع (أمل الآمل) الجزء 1. ص 90. 
قال: وكان سبب قتله - على ما سمعته من بعض المشائخ، ورأيته بخط بعضهم: أنه ترافع إليه رجلان فحكم لأحدهما على الآخر، فغضب المحكوم عليه وذهب إلى قاضي صيدا واسمه (معروف)، وكان الشيخ مشغولا في تلك الأيام بتأليف (شرح اللمعة)، وفي كل يوم يكتب منه غالبا كراسا، ويظهر من نسخة الأصل أنه ألفه في ستة أشهر وستة أيام لأنه كتب على ظهر النسخة تاريخ ابتداء تأليفه.
فأرسل القاضي إلى (جبع) من يطلبه، وكان مقيما في كرم له مدة منفردا عن البلد متفرغا للتأليف، فقال له بعض أهل البلد. قد سافر عنا مدة فخطر ببال الشيخ أن يسافر إلى الحج، وكان قد حج مرارا لكنه قصد الاختيار، فسافر في محمل مغطى، وكتب (قاضي صيدا) إلى (سلطان الروم) أنه قد وجد ببلاد (الشام) رجل مبدع عن (المذاهب الأربعة)، فأرسل السلطان رجلا في طلب الشيخ، وقال له: ائتني به حيا حتى اجمع بينه، وبين علماء بلادي فيبحثوا معه، ويطلعوا على مذهبه فيخبروني فاحكم عليه بما يقتضيه مذهبي.فجاء الرجل فأخبر أن الشيخ توجه إلى (مكة) فذهب في طلبه فاجتمع به في طريق (مكة)، فقال له: تكون معي حتى نحج بيت الله ثم افعل بي ما تريد، فرضي بذلك. فلما فرغ من الحج سافر معه إلى (بلاد الروم)، فلما وصل إليها رآه رجل فسأله عن الشيخ فقال: رجل من (علماء الشيعة الإمامية) أريد أن أرسله إلى السلطان.
فقال، أو ما تخاف أن يخبر السلطان بأنك قد قصرت في خدمته وآذيته وله هناك أصحاب يساعدونه فيكون سببا لهلاكك؟ بل الرأي أن تقتله وتأخذ برأسه إلى السلطان. فقتله في مكانه من ساحل البحر، وكان هناك جماعة من (التركمان) فرأوا في تلك الليلة أنوارا تنزل من السماء وتصعد، فدفنوه هناك وبنوا عليه قبة. وأخذ الرجل رأسه إلى السلطان، فأنكر عليه وقال: أمرتك أن تأتيني به حيا فقتلته، وسعى السيد عبدالرحيم العباسي في قتل ذلك الرجل فقتله السلطان.

 من خلال هذه الروايات والجمع بينهما نستطيع أن نكون صورة واضحة وجلية عن كيفية استشهاده رضوان الله تعالى عليه فشخصية مثل شخصية  الشهيد في مقامه العلمي وحضوره الطاغي في المجتمع كان مقصدا لأهل البلاد من كل الفئات والتوجهات وكان لوجوده الأثر الواضح والجلي في المجتمع فلذا كان القيام بأي تصرف سيء اتجاه الشيخ كان سيترك أثاره السيئة بين الناس والسلطة تجاه هذا الواقع لجئوا إلى إخفاء جريمتهم ونفي أية مسئولية لهم في  هذا الأمر فإذا لاحظنا روايات مقتل الشيخ الشهيد نجدها تتقارب في المضمون والطريقة عدا الرواية الرابعة التي هي رواية الشيخ الحر العاملي فهي تختلف في الطريقة والمنفذ والمكان وتوافقهم في بعض الوقائع الصحيحة

فعلى هذا وبناء على الروايات يمكن لنا تجميع الصورة وإعادة المشهد من البداية أي مشهد الاعتقال وثم القتل والشهادة على النحو التالي :                   غادر الشيخ زين الدين بلدته جباع ميممنا صوب مكة المكرمة لأداء فريضة الحج وكان خروجه سرا خوفا من عيون السلطة وأزلامها وهو الملاحق منذ عشر من السنين بعد وصوله إلى البلد الحرام عرفته مجالس العلماء وشاع صيته واشتهر اسمه فوصل إلى قاضي مكة حسن بك أفندي الذي كان قاضيا لدمشق وهو لا يزال يعيش عقدة فشله في القبض عليه فلذا سارع إلى انتهاز هذه الفرصة كي يشفي حقده وغليله واستغل أيضا لتنفيذ مأربه أوامر الوزير للقبض عليه ( الرواية 2) وكان هو  من اصدر فرمان القبض على الشيخ الشهيد في بلاد الشام  واجبره على التخفي لسنوات عشر فما أن سمع باسمه حتى اصدر أمره بالقبض عليه متناسيا أنه في البلد الأمين وان من دخله كان آمنا وكيف إذا كان أيضا في المسجد الحرام حيث انتهكوا حرمة المسجد فالقوا القبض عليه داخل المسجد بعد صلاة العصر  وسجنه في احد بيوت مكة لمدة شهر وعشرة أيام( الرواية 3)

حاول الكثيرون من أهل مكة و من غير أهلها أن يتوسطوا  لدى القاضي للإفراج عنه لكنه رفض ذلك حتى انهم بذلوا الأموال ودفعوها للقاضي فرفض بل تشدد في رفضه وتصلب فيه متسلحا بالإضافة إلى الحقد بأوامر الوزير رستم  وحاول معرفة من بذل المال لمعاقبته مما حدا بالدافع للإنكار حتى لا يصيبه غضب وعقاب القاضي (الرواية الثانية) وهذا التشدد يدل على مدى الضغينة التي يحملها هؤلاء الظلمة بدءا من الوزير الأعظم مرورا بقاضي مكة وصيدا  وغيرهم وان مرور السنين لم  يمح الحقد من قلوبهم بل زاد نار البغضاء التهابا وقد بقي هذه المدة مسجونا لان القاضي كان ينتظر قرار الوزير فما بين إخباره بالقبض على الشيخ وصدور الأمر إليه وتنفيذه استغرق هذا الزمن وهذا يدل على أن قضية الشيخ كان يتولاها الوزير بنفسه كل هذه السنوات ومن هذا نعلم مدى الحقد والكراهية التي بثها قاضي صيدا ومن معه حينما بثوا سمومهم للوزير وكان في ذلك الزمن يكفي للقضاء على أي شخص اتهامه بالتشيع فكيف إذا كانت التهمة الاجتهاد وزعامة مذهب التشيع (مضمون الرواية الأولى) وكيف إذا اتفقت أهواء ومصالح السلطة والقضاء

أرسل الشيخ إلى القسطنطينية محملا من مكة المكرمة إلى مصر ومنها إلى  القسطنطينية حيث ادخل إلى الوزير مباشرة (التفت لذلك) الذي لم يسأله

 عن أي  أمر ولم يحاول معرفة شيء بل أمر بقتله مباشرة فوضع على منصة الإعدام وقطعت رأسه الشريفة ولم يشف هذا حقدهم بل أمر بشق أخمص قدميه أيضا كي يزدادوا تلذذا بمشهد الدماء النازفة وفاضت الروح الشريفة والربانية إلى بارئها واستجابت لنداء ربها فلبت طائعة مطمئنة (مضمون الرواية الأولى والثانية)

بعد أن هدأت نيران الحقد والغل من صدر الوزير ومن معه تذكروا مقام الشيخ في نفوس الناس وإنّ انتشار خبر مقتله قد يثير القلاقل والسخط في نفوس محبيه وهم كثر من كل المذاهب الإسلامية( أنظر كيف يتكلم عنه بكل احترام وتقدير عند ذكر مقتله الشيخ قطب الدين النَهروالي وهو يخالفه في المذهب والاعتقاد) لذا عمد إلى الحيلة لإخفاء مقتله وان علم لاحقا فيلقي باللوم والمسؤولية على غيره من صغار الموظفين  فأمر بإلقاء جثة الشيخ الشهيد مقطوعة الرأس (حتى لا يعرف من هو فلا يتكلفون شيء لتبرير الأمر)  على شاطئ البحر حيث الطريق للقادمين من الحج  وبقي ثلاثة أيام من دون دفن ولما عرف من هو هذا الميت وعلت بعض الأصوات خاصة ممن عرفوه عندما كان في العاصمة لأخذ فرمان التعليم  أشاعوا أن القاتل هو السجان الذي كان موكلا بإيصاله إلى الوزير الذي كان يريد معرفة حقيقة ما وشي به على الشيخ ولكن السجان قتله في الطريق خوفا من أن يشكو الشيخ الأسير سوء معاملة  سجانه  إلى الوزير فيعاقبه  ولكن الوزير رفض هذا الظلم والجريمة الشنعاء فانزل القصاص العادل بهذا القاتل بعد اتضاح الحق فقتله جزاء جريمته (الرواية الرابعة)

هذه رواية السلطة وقد أشاعوها بكثرة وخاصة في بلاد الشام حيث موطنه والأهل ولكن لست أدري كيف يمكن لذي عقل أن تجوز عليه هذه الخرافة ولكن اجتماع الحقد والسلطة وعلماء السوء والبلاط يجعلون الحق باطلا ويبدلون الحقائق والوقائع وأغلب الناس لن تتجرأ على معارضة السلطة المصبوغة بصبغة الدين و الشرع  ولكن يبقى ذوي العقول والألباب يرفضون قبولها والتصديق بغير الحق

رحم الله شيخنا الشهيد


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=832
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2019 / 03 / 14
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 05 / 27