• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : مفاهيم .
                    • الموضوع : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ .

وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ

 

وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ

 

يقول تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ الانبياء 107

ذكر جل و علا في هذه الآية الكريمة: أنه ما أرسل هذا النبي الكريم صلوات اللّه وسلامه عليه إلى الخلائق إلا رحمة لهم؛ لأنه جاءهم بما يسعدهم و ينالون به كل خير من خير الدنيا و الآخرة إن اتبعوه. و من خالف و لم يتبع فهو الذي ضيع على نفسه نصيبه من تلك الرحمة العظمى.

و ما ذكره جل و علا في هذه الآية الكريمة: من أنه ما أرسله إلا رحمة للعالمين- يدل على أنه جاء بالرحمة للخلق فيما تضمنه هذا القرآن العظيم.

وهذا المعنى جاء موضحا في مواضع من كتاب اللّه

 كقوله تعالى: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى‏ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَ ذِكْرى‏ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏ (51) [العنكبوت: 51]

 وقوله: وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى‏ إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ‏ [القصص: 86] الآية.

‏ إن الصيغة العامة لرسالات اللّه جميعا، ورسالة الإسلام بالذات، هي الرحمة

في الحديث عن الرسول الاكرم (ص) انه قال: «إنّما أنا رحمة مهداة.

 

وتتميز رسالة نبينا الأكرم (ص) بأنها رحمة للعالمين  وتشمل الجميع بلا استثناء.

وجاء به الأثر الشريف عن أمير المؤمنين (ع) وجهه الى بعض الزنادقة:

وأما قوله لنبيه‏ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ‏ وانك ترى أهل المال المخالفة للايمان ومن يجري مجراهم من الكفار مقيمين على كفرهم الى هذه الغاية، وانه لو كان رحمة عليهم لاهتدوا جميعا ونجوا من عذاب السعير، قال: فان اللّه تبارك اسمه إنّما عنى بذلك انه جعله سبيلا لإنظار أهل هذه الدار، لأنّ الأنبياء قبله بعثوا بالتصريح لا بالتعريض، وكان النبي (ص) منهم إذا صدع بأمر اللّه وأجابه قومه سلموا وسلم أهل دارهم من سائر الخليقة، وان خالفوه هلكوا وهلك أهل دارهم بالآفة التي كانت بينهم يتوعدهم بها ويتخوفهم حلولها ونزولها بساحتهم، من خسف أو قذف أو رجف أو ريح أو زلزلة و غير ذلك من أصناف العذاب الذي هلكت به الأمم الخالية، إنّ اللّه علم من نبينا ومن الحجج في الأرض الصبر على ما لم يطق من تقدمهم من الأنبياء الصبر على مثله،  فبعثه اللّه‏ بالتعريض لا بالتصريح، وأثبت حجة اللّه تعريضا لا تصريحا.

والرّحمة: صفة من صفات اللّه الجليلة، و هي صفة نفسيّة نثبتها للّه عزّ و جلّ على ما يليق بجلاله و عظيم صفاته الحسنى، ومن آثارها العطاء، و المعونة، و التّوفيق، و إزالة البؤس، و الإمداد بما يسرّ، إلى غير ذلك من محابّ العباد.

ورسول اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هو رحمة للعالمين، من جهة إتيانه بدين في الأخذ به سعادة أهل الدنيا في دنياهم و أخراهم.

و هو (ص) رحمة لأهل الدنيا من حيث الآثار الحسنة التي سرت من قيامه بالدعوة الحقة في مجتمعاتهم مما يظهر ظهورا بالغا بقياس الحياة العامة البشرية اليوم إلى ما قبل بعثته (ص) و تطبيق إحدى الحياتين على الأخرى.

فهو راحم لهم بسبب حرصه الشّديد على أن ينقذ العالمين من شقاء الدّنيا، وعذاب اللّه في دار العذاب يوم الدّين، وعلى أن يظفروا بالنّعيم الأبديّ الخالد في جنّات النّعيم يوم الدّين.

 

فهو رحمة تكوينية ورحمة تشريعية ورحمة تربوية.

رحمة تكوينية، فلأن الوجود كله أُفيض من نوره أول نور هو بكم فتح الله وبكم يختم...

 الرحمة التشريعية، فهي بمعنى أن الرسالة التي أتى بها النبي نفسها رحمة، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾،

 وأما الرحمة التربوية فقد كانت ذاته قطعة من الرحمة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾

 

 

 

ثلاثة مظاهر للرحمة في شخصية النبي الاكرم  صلى الله عليه وآله

 المظهر الأول: الوجود الجمعي

 كلنا نعيش وجودًا فرديًا، أما الأم - بالنسبة إلى طفلها - أعطيت درجة من درجات الوجود الجمعي، تصير علقة بينها وبين هذا الطفل.

علقة النبي محمد بالمؤمنين أعظم من علقة الأم لطفلها، فهو قلب المؤمنين وضميرهم،   ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ فبينه وبين المؤمنين علقة جمعية عبر عنه النبي الاكرم صلى الله عليه وآله في الطائف  : اللهم اهد قومي، إنهم لا يعلمون، إلهي لك العتبى حتى ترضى"

المظهر الثاني: الانشراح

يقول تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾

وفي آية أخرى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾

معنى الانشراح أنه كان يفيض حبًا بالمحبة، دائمًا لغته لغة الحب والمودة

 فالنبي صلى الله عليه وآله ما كان يقوم بأعماله بدافع وظيفي، بل بدافع وجداني، يقوم بقضاء حوائجهم  وتربيتهم وهو يفيض محبة، وهو يعيش الانشراح والانبساط،(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ )(وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ)

 

المظهر الثالث: التواضع والبساطة

الإمام علي يقول: ”كان رسول الله  خفيف المؤونة، كريم الطبع، جميل المعاشرة، طلق الوجه، بسّامًا من غير ضحك، محزونًا من غير عبوس، جوادًا من غير سرف، رقيق القلب، رحيمًا بكل مسلم“

ويقول: ”كان يخصف نعله ويرقع ثوبه ويحلب شاته ويجلس على الأرض ويأكل مع العبيد وكان التواضع زينته والزهد خلقه وكان يربط الحزام على بطنه“، وكان إذا جلس مع أصحابه، جلس كجلسة أحدهم، لايتميز عليه. خرج يومًا مع أصحابه في سفر، فاحتاجوا إلى طعام، فذبح أحدهم الشاة، وسلقها الثاني، وقام الرسول   بجمع الحطب، قالوا: إنا نكفيك يا رسول الله، قال: ”علمت أنكم تكفونني، ولكني أكره أن أتميز عليكم.“

كذلك زادها غدقًا على أهل بيته، ولطالما كان يقبل الحسنين عليهما السلام  ويحتضنهما إلى صدره ويرفعهما على كتفيه، ويقول: ”اللهم هذان ولداي وريحانتي، إني أحبهما، فأحب من يحبهما“

 وكان يقول: ”فاطمة بضعة، مني يؤذيني ما يؤذيها، يؤلمني ما يؤلمها، يرضى الله لرضاها، يغضب لغضبها“، إذا رآها يقوم على قدميه، ويقبل ما بين عينها ويجلس بين يديها ويقول لها: فداك أبوي وأمي، أنت أم أبيها..

 

 

 


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=836
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2019 / 04 / 04
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 04 / 24