• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : مفاهيم .
                    • الموضوع : من وحي كلمات الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف .

من وحي كلمات الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف

من وحي كلمات الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف

لقد غاب الإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف عن عيون شيعته ولكنَّه لم يغب يوماً عن قلوبهم ومسيرتهم، فهو حاضر عجل الله تعالى فرجه الشريف رغم غيابه، يُتابع أخبارهم، يفرح لرؤيتهم في حال الطاعة، ويحزن إنْ وقعوا - والعياذ بالله - في حبائل المعصية.

"نحن، وإن كنّا ثاوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين، حسب الّذي أراناه الله تعالى من الصلاح لنا ولشيعتنا المؤمنين في ذلك، ما دامت دولة الدنيا للفاسقين، فإنّا نُحيط علماً بأنبائكم، ولا يعزب عنّا شيء من أخباركم"[1].

 

بركات الإمام لم تنقطع

ولوجود الإمام بركات أكبر من أنْ تُحصى، فللإمام نور يعمُّ ويؤثِّر ,يعمُّ نفعه وتكثر بركاته، ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[2].

"وأمّا وجه الانتفاع بي في غيبتي، فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأبصار السحاب، وإنّي لأمَانٌ لأهل الأرض كما أنَّ النجوم أمانٌ لأهل السماء"[3].

وهذه العبارة الأخيرة قريبة من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾[4].

 

والإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف رغم غيبته كان سبباً أساسياً من أسباب الصمود والبقاء والاستمرار، هذه الحقيقة يؤكِّدها الكلام الوارد عنه عجل الله تعالى فرجه الشريف: "إنّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء[5] واصطلمكم[6] الأعداء"[7].

 

طمأنينة القلوب

هناك أمر آخر من وجود الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف يتعلّق بالجانب المعنويّ، وطمأنينة القلوب إلى المستقبل المشرق وإلى التسديد والعناية من قبل الإمام المعصوم: "لأنَّنا من وراء حفظهم بالدعاء الّذي ﻻ يُحجب عن ملك الأرض والسماء فلتطمئنّ بذلك من أوليائنا القلوب، وليتّقوا بالكفاية منه وإنْ راعتهم بهم الخطوب"[8].

 

أُسس الطريق في الغيبة الكبرى

لأنَّ مرحلة الغيبة الكبرى هي مرحلة لها تحدِّيات ومهامّ أساسية تُميّزها عن غيرها من المراحل، وأنَّها فترة طويلة، وفيها الكثير من الفتن والامتحانات والابتلاءات.

فكان لا بُدَّ من وضع الخطوط العامّة الّتي تُحدّد معالم المسيرة خلال هذه الغيبة،

وهذا ما أشارت إليه الكلمات المرويَّة عن الإمام الحجَّة عجل الله تعالى فرجه الشريف ومن ذلك:

 

انتهاء السفارة

يتميَّز زمن الغيبة الكبرى بحصول الغيبة التامَّة، بمعنى انتهاء زمن السفراء، وحيث إنَّ مقام السَّفارة والواسطة يطمع به الطامعون ظهر في كثير من الأحيان مَنْ يدَّعي مثل هذا المقام بغير حقٍّ فقد اكدت الرِّوايات عن الإمام الحجَّة عجل الله تعالى فرجه الشريف على عدم وجود سفارة في زمن الغيبة الكبرى، وأن كلَّ من يدَّعيها فهو كاذب.

"وسيأتي إلى شيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السّفياني والصيحة فهو كذّاب مفترٍ، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم"[9].

 

ولاية الفقيه

بعد انتهاء منهج السفارة في الارتباط به وأخذ التكليف عنه، كان لا بُدَّ من تقرير منهج جديد ليسير الأتباع والشيعة على خطاه، وهذا ما سأل عنه إسحاق بن يعقوب في مكاتبة للإمام الحجَّة عجل الله تعالى فرجه الشريف، حيث جاءه الجواب: "وأمَّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنَّهم حجَّتي عليكم، وأنا حجَّة الله"[10].

 

واصطلاح رواة الحديث المقصود به: الفقهاء، وبالتالي فإنَّ الفقيه العادل الكفوء هو حجَّة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف على أتباعه، وهذا ما يُعبَّر عنه باصطلاح "ولاية الفقيه"، فالوليُّ الفقيه هو الّذي يجب الرجوع إليه في كلِّ ما كان يُرجع فيه إلى الإمام المعصوم عليه السلام زمن حضوره.

 

 

الحذر من المغالين

إنَّ الغلوَّ من أخطر الأمراض الّتي كانت تواجه الأنبياء والأئمّة عليهم السلام، وتُهدِّد بتقويض مسيرتهم من بنيانها الأساس. فالغلوُّ يطعن بالتوحيد الَّذي هو الأصل الأوَّل.

وقد واجه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم  والائمة عليهم السلام هذا الانحراف بشدة . وأمَّا الإمام الحجَّة عجل الله تعالى فرجه الشريف فقد قطع الطريق على أيِّ غلوٍّ يُحاول أنْ يستفيد من الفراغ الحاصل في غيبته الكبرى عجل الله تعالى فرجه الشريف، فرسم الطريق والمنهج في رفض الغلوِّ رفضاً قاطعاً في العديد من كلماته:

فواجه في كلماته المفوِّضة الّذين كانوا يعتبرون أنَّ الله تعالى خلق الكون وترك للأئمّة إدارته، بحيث يتصرَّفون كما يشاؤون، ونعتهم بصريح العبارة بالكذب: "وجئت تسأل عن مقالة المفوِّضة، كذبوا، بل قلوبنا أوعية لمشيئة الله، فإذا شاء الله تعالى شئنا، والله يقول: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ﴾[11]"[12].

 

وأكدَّ أنَّهم جميعاً ليسوا سوى عبيد لله سبحانه وتعالى:

"وأنا وجميع آبائي من الأوَّلين: آدم ونوح وإبراهيم وموسى، وغيرهم من النبيين، ومن الآخرين محمّد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعليّ بن أبي طالب عليه السلام ، وغيرهم ممّن مضى من الأئمّة صلوات الله عليهم أجمعين، إلى مبلغ أيّامي ومنتهى عصري، عبيد الله عزّ وجلّ، يقول الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾[13]"[14].

 

ويستعمل الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف أقسى العبارات لمنع الوقوع بالغلوِّ، ويتبرَّأ من المغالين:

"فأُشهد الله الّذي ﻻ إله إلّا الله هو وكفى به شهيداً، ورسوله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم، وملائكته وأنبياءه وأولياءه عليهم السلام وأُشهدك وأُشهد كلّ من سمع كتابي هذا: أنّي بريءٌ إلى الله وإلى رسوله ممّن يقول إنّا نعلم الغيب، ونُشاركه في ملكه، أو يحلّنا محلّاً سوى المحلّ الّذي رضيه الله لنا وخلقنا له، أو يتعدّى بنا عمّا قد فسّرته لك وبيّنته في صدر كتابي. وأُشهدكم: أنَّ كلّ من نبرأ منه فإنَّ الله يبرأ منه وملائكته ورسله وأولياؤه... فكلّ من فهم كتابي ولا يرجع إلى ما قد أمرته ونهيته، فقد حلّت عليه اللعنة من الله وممّن ذكرت من عباده الصالحين"[15].

 

وفي بعض كلماته المرويَّة عنه عجل الله تعالى فرجه الشريف يُسمِّي بعض الغلاة ويلعنهم ويتبرَّأ منهم ويوصي بعدم مجالسة أهل مقالتهم

 

 

 

الحذر من الشاكّين

ومقابل المُغالين كان هناك المقصِّرون الذين جهلوا مقام الأئمّة عليهم السلام وابتعدوا عنهم وتخلّفوا عن نصرتهم.

"يا عيسى: ما كان لك أنْ تراني لولا المكذِّبون القائلون: أين هو؟ وقد كان؟ وأين ولد؟ ومن رآه؟ وما الَّذي خرج إليكم منه؟ وبأيِّ شيء نبَّأكم؟ وأيَّ معجز أتاكم؟أما والله لقد دفعوا أمير المؤمنين- مع ما رووه - وقدموا عليه, وكادوه وقتلوه, وكذلك آبائي عليهم السلام, لم يصدقوهم ونسبوهم إلى السحر وخدمة الجنّ إلى ما تبين.

يا عيسى فخبّر أولياءنا ما رأيت, وإيّاك أنْ تُخبر عدوّنا فتسلبه.

فقلت: يا مولاي أُدعُ لي بالثبات.

فقال: لو لم يثبّتك الله ما رأيتني، وامضِ بنجمك راشداً.

فخرجت أكثر حمداً لله وشكراً"[16].

 

 

إصلاح المجتمع

"فاتّقوا الله جلّ جلاله، وظاهرونا على انتياشكم[17] من فتنة قد أنافت[18] عليكم، يهلك فيها من حمّ أجله، ويحمى عنها من أدرك أمله، وهي إمارة لأزوف[19] حركتنا ومباثَّتكم بأمرنا ونهينا، ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾[20]"[21].

يطلب الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف في هذه الكلمات أنْ نكون عوناً له في إنقاذ المجتمع من الانحرافات، وهو بذلك يؤكّد أنَّ فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة أساس في زمن الغيبة، كما كانت أساساً في كلِّ الأزمنة.

 

إنَّ محبَّة الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف ورضاه إنَّما ينشآن من خلال الطاعة والالتزام بالأحكام الشرعيَّة، وغضب الإمام وسخطه - والعياذ بالله - ينشأن بسبب المعصية، فهل تلتمس رضاه ومحبّته، أم تسعى لسخطه وغضبه ؟!

"فليعمل كلُّ امرئ منكم بما يقرّب به من محبّتنا، ويتجنّب ما يدنيه من كراهتنا وسخطنا، فإنَّ أمرنا بغتة فجأة حين ﻻ ينفعه توبة، ولا ينجّيه من عقابنا ندم على حوبة. والله يُلهمكم الرشد، ويلطف لكم في التوفيق برحمته"[22].

لا يغرنَّك الشيطان ويسوّف لك التوبة والإصلاح، فإنَّ ظهور الإمام سيكون فجأة ولن تكون لك فرصة للتوبة والتصحيح، وربَّما تجد نفسك في مواجهة الإمام تتعرّض لعقابه، بدلاً من أنْ تكون سيفاً من سيوفه!.

 

"والعاقبة - بجميل صنع الله سبحانه - تكون حميدة ما اجتنبوا المنهيَّ عنه من الذنوب"[23].

 

 

[1] خاتمة المستدرك, الميرزا حسين النوري، ج ٣، ص ٢٢٥، من رسالة للشيخ المفيد.

[2] سورة النور، الآية: ٣٥.

[3] الاحتجاج، الطبرسي, ج٢، ص ٢٨١ ـ ٢٨٤: عن محمّد بن يعقوب الكليني عن إسحاق بن يعقوب قال: "سألت محمّد بن عثمان العمري رحمه الله أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليَّ فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف".

[4] سورة الأنفال, الآية: ٣٣.

[5] اللأواء: الشدّة وضيق المعيشة.

[6] اصطلمكم: استأصلكم.

[7] خاتمة المستدرك, النوري، ج ٣، ص ٢٢٥، من رسالة للشيخ المفيد.

[8] م.ن.

[9] سفينة البحار, الشيخ عبّاس القمّي، ج٢، ص٢٤٩ـ الاحتجاج، الطبرسي, ج٢، ص٢٩٧.

[10] الاحتجاج، الطبرسي, ج٢، ص ٢٨١ ـ ٢٨٤.

[11] سورة الإنسان، الآية: ٣٠- سورة التكوير، الآية: ٢٩.

[12] الاحتجاج، الطبرسي، ج٢، ص ٣٠٩ ـ ٣١٥.

[13] سورة طه، الآيات: ١٢٤ ـ ١٢٦.

[14] الاحتجاج، م.ن, ج٢، ص ٢٨١ ـ ٢٨٤.

[15] الاحتجاج، م.س: ج٢, ص٢٨٠ ـ ٢٨١: عن أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي رحمه الله قال: حدّثني محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، عن الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه قال: "وممّا خرج عن صاحب الزمان صلوات الله عليه ردّاً على الغلاة من التوقيع جواباً لكتاب كتب إليه على يدي محمّد بن علي بن هلال الكرخي".

[16] بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج٥٢, ص ٦٨.

[17] انتياشكم: انتشالكم.

[18] أناف على الشيء: طال وارتفع عليه.

[19] الأزوف: الاقتراب.

[20] سورة الصف، الآية: ٨.

[21] بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج٥٣، ص١٧٥.

[22] خاتمة المستدرك، م.ن. ج ٣، ص ٢٢٥، من رسالة للشيخ المفيد.

[23] خاتمة المستدرك، النوري، ج ٣، ص ٢٢٥، من رسالة للشيخ المفيد.


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=845
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2019 / 04 / 20
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 08 / 25