• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : شهر رمضان .
                    • الموضوع : شهر الله شهر الدعاء   .

شهر الله شهر الدعاء  

شهر الله شهر الدعاء  

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ البقرة  186

نلاحظ أنّ الله تبارك وتعالى بعد أنْ تحدّث عن شهر رمضان أردفه بالدّعاء

قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

ممّا يرشد إلى أنّ شهر رمضان هو شهر الدّعاء والتضرّع إلى الله، لا شهر الاشتغال بالدّنيا

 ما هو الدّعاء؟

علماء العرفان يقولون: لكلّ شيءٍ حقيقة ورقيقة، ما هو الفرق بين الحقيقة والرّقيقة؟

الإنسان له حقيقة، ما هي حقيقته ؟ أنّه عاقلٌ مفكّرٌ يملك مشاعرَ وعواطفَ

لكن ما هي رقيقته؟ الرّقيقة هي اللغز الذي وراء الحقيقة، هي الجوهر الذي وراء هذه الحقيقة .

الجوهر الذي وراءه يحدّده الإمامُ أميرُ المؤمنين عليه السّلام: ”قيمة كلّ امرئٍ ما يحسنه “  

حقيقته أنّه عاقلٌ ذو عاطفةٍ، رقيقته هو إنجازه، ماذا ينجز؟

العبادة لها حقيقة ولها رقيقة وأيضًا الدّعاء

في الحديث النبوي: ”الدّعاء مخّ العبادة“، يعني: الدّعاء هو رقيقة العبادة، العبادة حقيقة رقيقتها الدّعاء، كيف؟

العلماء يقولون: العبادة هي الخضوع التذللي، الصّلاة خضوعٌ تذلليٌ

كلّ عملٍ يمثل الخضوع التذللي لله عزّ وجلّ فهو عبادة، لكن مخّ هذه العبادة كلها، رقيقة هذه الحقيقة كلها هي الدّعاء.

الدّعاء إظهار المملوكيّة لله، معنى الدّعاء أنْ أظهر أنّني رقٌ مملوكٌ محضٌ لله عزّ وجلّ، أثناء الدّعاء يمثّل نفسه بالمصباح، هذا المصباح لا يستغني عن الطاقة الكهربائيّة أبدًا، الإنسان بالنسبة إلى الله هكذا، أنا بالنسبة إلى الله حاجة محضة وفقرٌ محضٌ وتعلقٌ محضٌ فأنا في كلّ آنٍ أنا أحتاج إلى مدده، وإلى قدرته،وإلى لطفه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.

 إشعار الإنسان نفسه بأنّه حاجة وفقرٌ محضٌ لله أثناء الدّعاء هذه هي رقيقة العبادة.

ولذلك الآية بدأت بالعباد، قالت: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي﴾ عبّرت بالعباد، لماذا؟

لأنّ الدّعاء هو إظهار العبوديّة والمملوكيّة، فمقتضى أنّ الدّعاء إظهار العبوديّة والمملوكيّة أنّ الذي يسأل عن الدّعاء هم العباد لا كلّ الناس.

ما هو وجه الحاجة إلى الدّعاء؟

نركّز على حاجتين أساسيتين للدّعاء

الأولى: الحاجة إلى قراءة الذات

كثيرٌ منا يسمّى ناقدًا، مشغولٌ بنقد غيره، مستعدٌ أنْ يتحدّث عن عيوب المجتمع لكنه هل هو مستعدٌ لحظة واحدة أنْ يقول: أنا أخطأت، أنا ارتكبتُ ذنبًا، ؟!

الدّعاء عودة إلى الذات، هذا الإنسان المشغول بغيره الدّعاء يعيده إلى ذاته، الدّعاء يجعله يقرأ ذاته، عيوبَه، أخطاءَه...

هذا الاعتراف وهذا الإقرار عودة إلى الذات لقراءتها، هذا في نفسه يحتاج إليه الإنسان، الإنسان الذي هو مشغولٌ بغيره لن يتغيّر، سوف يبقى في لجّةٍ مِنَ الأخطاء، والدّعاء طريقٌ لقراءة الذات، عن النبي  : ”رحم اللهُ عبدًا اشتغل بعيوبه عن عيوب النّاس“

لسانُكَ  لا  تذكرْ  به عورة امرئٍ  فكلكَ   عوراتٌ   وللناسِ   ألسنُ

وعينك   إنْ  أبدتَ  إليكَ  مساوئًا  فصنها  وقل: يا عينُ للناسِ أعينُ

أنت تتصوّر أنّك أصبحتَ كبيرًا وأنت منفوخٌ نفخًا ماديًا دنيويًا! إذا جلست واعترفتَ بأخطائك أمام ربّك بدا لك صِغَرُ نفسك وخسّتها وحقارتها ، هذه هي الحاجة الأولى .

 

الحاجة الثانية: إذابة الغرور

القرآن الكريم يقول: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ العلق: 6 - 7

متى يشعر بالحاجة؟ إذا أصابته مصيبة،  بمجرّد أنْ يصيبه حدثٌ، او آفة في بدنه او في رزقه ، في أولاده ، في علاقاته الاجتماعيّة. بمجرّد أنْ يشعر بالنقص يرجع.

 ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ العنكبوت: 65

طبيعة الإنسان أنّه مغرورٌ بالنعمة، ونتيجة غروره بالنعمة يطغى ويبغي ويظلم ويعتدي ولا يفكّر ولا يشعر بالحاجة إلى ربّه إلا إذا أصيب بالنقص.

ولذلك ورد في الحديث الشريف : ”عبدي تعرّف إليّ في الرّخاء أعرفك في الشدّة“

لا بأس بالتخطيط ولا بأس بالإنجازات ولكن لا تقطعك الدّنيا عن دعائك وعن صلاتك وعن علاقتك بربّك، ليست الحياة كلها شغلاً ومادة وأموالاً، الحياة طريقٌ إلى القبر، طريقٌ إلى الموت، طريقٌ إلى الآخرة، الحياة أيضًا دعاءٌ وكلماتٌ وصلواتٌ وتضرعاتٌ وابتهالاتٌ، الدّنيا مسجد أحبّاء الله ومصلى أولياء الله، الدّنيا كما هي ”حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة“ هي ”مزرعة الآخرة“

﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ الإسراء: 83

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ الانفطار: 6 - 8

وقف الإمامُ أمير المؤمنين عليٌ عليه السّلام على أهل السّوق فبكى وقال: ”يا عبيد الدّنيا وعمّال أهلها، إذا كنتم بالنهار تحلفون وبالليل تنامون، وما بين ذلك أنتم غافلون، فمتى تهيئون الزادَ وتفكّرون في المعاد؟!“

الطريق إلى إذابة الغرور، إلى إذابة الغفلة، الطريق إلى تحسيس الإنسان بمصيره الدّعاء، الدّعاء يذيب الغرورَ

الإمام زين العابدين(ع) يكرّرها في دعاء أبي حمزة: أنا.. أنا.. أنا... كل ذلك مِنْ أجل إذابة الغرور، مِنْ أجل إذابة الغفلة، من أجل إعادة هذا الإنسان إلى أنْ يفكّر في مصيره، ”وما لي لا أبكي؟!“ هل البكاء عيبٌ؟! ضعفٌ؟! نقصٌ؟! لا

 البكاء الذي يمتزج بالدّعاء بكاءٌ يذيب الغرورَ ويزيل الغطرسة ويعيد الإنسانَ إلى النقطة التي بدأ منها وانطلق منها، ”وما لي لا أبكي ولا أدري إلى أين مصيري؟! وما لي أبكي؟! أبكي لظلمة قبري، أبكي لضيق لحدي، أبكي لسؤال منكرٍ ونكيرٍ إياي، أبكي لخروجي مِنْ قبري عريانَ ذليلاً حاملاً ثقلي على ظهري.

فنحن نحتاج إلى الدّعاء، حاجتنا لقراءة ذواتنا، حاجتنا لإذابة الغرور والغطرسة والغفلة التي هي حجابٌ عن النور وعن العطاء وعن الوصول إلى الله تبارك وتعالى

 

ما هو الميزان في استجابة الدّعاء؟

الميزان أنْ تدعوه لا أنْ تدعو غيرَه، قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ غافر: 60

ميزان الاستجابة أنْ تدعوني، ورد عن النبي: ”مَنْ أعطى ثلاثًا أعْطِيَ ثلاثًا: مَنْ أعطى الشكرَ أعْطِيَ الزيادة، مَنْ أعطى التوكّل أعْطِيَ الكفاية، مَنْ أعطى الدّعاءَ أعْطِيَ الإجابة“

 أي دعاءٍ؟! دعائي أنا، ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾

﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾كثير مِنَ الناس داعٍ، يدعو لكن لا يدعوني أنا.

 ميزان الاستجابة دعاؤه، وكيف دعاؤه؟

بمعنى أنْ تنقطع عن كلّ الأسباب وتعتقد ألا أثر إلا منه تبارك وتعالى فقط

 إذا انقطعتَ عن الأسباب كلها وعن الوسائل الماديّة كلها وعن جميع هذه الأدوات الماديّة واعتقدتَ بألا سبب ولا مؤثر إلا هو، لا فقط كلام نقوله.

هل وصل هذا الاعتقاد إلى الشّعور الوجداني: أنْ يشعر الإنسانُ أنّ شرب الدّواء سببٌ ماديٌ لكنّ سببيته ترجع إلى من؟ إلى الله، وأنّ السّببيّة الحقيقيّة في كلّ شيء منه تبارك وتعالى، إذا اعتقد الإنسانُ ألا مُخَلِّصَ ولا سبب ولا أثر إلا منه، إذا انقطع إليه انقطاعًا تامًا فقد دعاه.

فعلينا أنْ نستغلّ فرصة الشّهر المبارك، شهرٌ واحدٌ نقضيه في الدّعاء، دعاء أبي حمزة، أدعية الشّهر المبارك، مع قراءة القرآن، نعمر قلوبنا بالنّور، نعمر قلوبنا بالرّحمة، نعمر قلوبنا بأنْ تصبح قطعًا بيضاءَ طاهرة ناصعة.

 إذا وصلت قلوبُنا إلى هذه الدّرجة تمدّها الملائكة، ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ البقرة: 87

﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ المجادلة: 22

 

             

 

 

 


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=851
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2019 / 05 / 08
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 05 / 26