• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : مفاهيم .
                    • الموضوع : دعاء عرفة ونقد الذات .

دعاء عرفة ونقد الذات

 

دعاء عرفة ونقد الذات

دعاء عرفة هو أثمن الأدعية التي وردت عن أهل بيت النبوة «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين». دعاء عرفة يعبّر عن الشخصية الروحية للإمام الحسين (ع) ، وهذا الدعاء يركّز على نقد الذات، ونحن نحتاج إلى أن ننقد ذاتنا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

 والرسول الأعظم   يقول: ”حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوهوا قبل أن تُوزَنوا"“

لا يمكن لنا أن نصلح أوضاعنا حتى نصلح أنفسنا. لذا يجب اغتنام الفرصة قبل فوات الاوان: اغتنم شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وحياتك قبل موتك، وغناك قبل فقرك.

 عليك أن تغتنم الفرصة في نقد الذات، وفي محاسبة النفس، وفي قراءة شريط الأعمال وشريط الذكريات الذي يصنعه الإنسان.

الامام الحسين(ع)  في دعاء عرفة يؤكّد على نقد الذات من خلال عدة خطوات

الخطوة الأول: معرفة النفس

ورد عن الرسول الاكرم (ص) : ”من عرف نفسه عرف ربَّه“

 أي أن من أدرك أن نفسه محدودة ضعيفة أدرك ربه. أدرك أن هناك قوةً هي التي تمده بالنشاط والقدرة والحيوية.

الامام الحسين (ع)  يقول: ”أنا الفقير في غناي، فكيف لا أكون فقيرًا في فقري؟! إلهي أنا الجاهل في علمي، فكيف لا أكون جهولاً في جهلي؟!“.

الإمام الحسين (ع)  يركّز على معرفة النفس فيقول: ”إلهي من كانت محاسنه مساوي، فكيف لا تكون مساوئه مساوي؟! ومن كانت حقائقه دعاوى، فكيف لا تكون دعاواه دعاوى؟!“.

الخطوة الثانية: الشعور بالغربة

أنا الإنسان إذا تراكمت عليَّ الذنوب فلا بد من أن أبوح وأتكلم حتى أنفّس عن نفسي؛ لأنني إذا لم أنفس أصاب بعقدة نفسية، فلا بد من أن أتكلم عن ذنوبي وأخطائي، ولكن مع من أتكلم؟! الجميع لا يرحمني، فأنا غريب وإن كنتُ بين أهلي. أنا غريب بذنوبي وأخطائي وإن كنتُ أعيش بين أسرتي وبين زوجتي وأولادي.

الإمام الحسين (ع) يؤكّد على الشعور بالغربة إذ يقول: ”إلهي إلى من تكلني؟! إلى قريب فيقطعني؟! أم إلى بعيد فيتجهمني؟! أم إلى المستضعفين لي؟! وأنت ربي ومليك أمري، أشكو إليك غربتي، وبُعْد داري، وهواني على من ملّكته أمري.“

 

الخطوة الثالثة: الشعور بالخجل

أما آن للإنسان أن يخجل؟! القرآن الكريم يقول: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾؟!

 الإمام زين العابدين يقول: ”إلهي كلما طال عمري كثرت خطاياي، أما آن لي أن أستحي من ربي؟!“. لماذا أعيش ازدواجية في الشخصية؟!

 أظهر أمام الناس بأني مؤمن ملتزم مستقيم، ولكني أعيش شخصية باطنية لا يعلم بها إلا ربي، وهي شخصية تصر على الذنوب والمعاصي، فإلى متى لا أخجل من نفسي؟!!

الحسين يعلمنا أن نخجل من أنفسنا، فيقول: ”يا مَوْلايَ، أَنْتَ الَّذي مَنَنْتَ، أَنْتَ الَّذي أَنْعَمْتَ، أَنْتَ الَّذي أَحْسَنْتَ، أَنْتَ الَّذي أَجْمَلْتَ، أَنْتَ الَّذي أَفْضَلْتَ، أَنْتَ الَّذي أَكْمَلْتَ، أَنْتَ الَّذي رَزَقْتَ، أَنْتَ الَّذي وَفَّقْتَ، أَنْتَ الَّذي أَعْطَيْتَ، أَنْتَ الَّذي أَغْنَيْتَ، أَنْتَ الَّذي آوَيْتَ، أَنْتَ الَّذي كَفَيْتَ، أَنْتَ الَّذي هَدَيْتَ، أَنْتَ الَّذي عَصَمْتَ، أَنْتَ الَّذي سَتَرتَ، أَنْتَ الَّذي غَفَرْتَ، أَنْتَ الَّذي أَقَلْتَ، أَنْتَ الَّذي مَكَّنْتَ، أَنْتَ الَّذي أَعْزَزْتَ، أَنْتَ الَّذي أَعَنْتَ، أَنْتَ الَّذي عَضَدْتَ، أَنْتَ الَّذي أَيَّدْتَ، أَنْتَ الَّذي نَصَرْتَ، أَنْتَ الَّذي شَفَيْتَ، أَنْتَ الَّذي عافَيْتَ، أَنْتَ الَّذي أَكْرَمتَ، تَبارَكْتَ وَتَعالَيْتَ، فَلَكَ الْحَمْدُ دائَمًا، وَلَكَ الشُّكْرُ واصِبًا.

ثم أنا ماذا فعلت؟! أمام هذه النعم كلها، وأمام هذه المحاسن كلها، أنا ماذا فعلت؟! ”ثُمَّ أَنا يا إِلهي الْمُعْتَرِفُ بِذُنُوبِي فَاغْفِرْها لِي، أَنَا الَّذي أسأتُ أَنا الّذي أَخْطأتُ، أَنا الَّذي هَمَمْتُ، أَنا الَّذي جَهِلْتُ، أَنا الَّذي غَفَلْتُ، أَنَا الَّذي سَبَوْتُ، أَنَا الَّذي اعْتَمَدْتُ، أَنَا الَّذي تَعَمَّدْتُ، أَنَا الَّذي وَعَدْتُ، وَأَنَا الَّذي أَخْلَفْتُ، أَنَا الَّذي نَكَثْتُ، أَنَا الَّذي أَقْرَرْتُ، أَنَا الَّذي اعْتَرَفْتُ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَعِنْدِي، وَأَبُوءُ بِذُنُوبِي، فَاغْفِرْها لِي“.

 الإقرار بالذنب يغسل الذنوب والمعاصي، والإقرار أمام الله بالرذائل والمعاصي يحوّلني إلى شخصية مستقيمة سوية.

الحسين (ع) يعلّمنا كيف نحاسب أنفسنا. النفس أمّارة بالسوء ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾. النفس الأمّارة تحتاج إلى المقاومة، وتحتاج إلى المجاهدة. عليَّ أن أوبخ وألوم نفسي دائمًا. نفسي الأمّارة لا تنتهي ولا ترتدع ولا تبتعد عن المعصية، إلا إذا حقّرتها ووبختها حتى ترجع إلى حظيرة الإيمان..

الحسين(ع)   يعلمنا كيف نوبّخ أنفسنا، فيقول: ”فَبأِيِّ شَيء أَسْتَقْبِلُكَ يا مَوْلايَ، أَبِسَمْعي أَمْ بِبَصَري أَمْ بِلِسانِي أَمْ بِيَدي أَمْ بِرِجْلِي؟! أَلَيْسَ كُلَّها نِعَمَكَ عِنْدِي وَبِكُلِّها عَصَيْتُكَ؟! يا مَوْلايَ فَلَكَ الحُجَّةُ وَالسَّبيلُ عَلَيَّ، يا مَنْ سَتَرَنِي مِنَ الآبآء وَالاُمَّهاتِ أَنْ يَزْجُرُوني، وَمِنَ الْعَشائِرِ وَالإخْوانِ أَنْ يُعَيِّرُونِي، وَمِنَ السَّلاطِينِ أَنْ يُعاقِبُونِي وَلَوِ اطَّلَعُوا يا مَوْلايَ عَلى مَا اطَّلَعْتَ عَلَيهِ مِنّي إِذنْ ما أَنْظَرُونِي وَلَرَفَضُونِي وَقَطَعُونِي.

الحسين الذي ملأ قلبه حب الله، وملأ قلبه التعلق بالله، هو الذي ظل إلى آخر لحظة يقول: إلهي تركتُ الخلقَ طرًا في هواكَ


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=865
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2019 / 08 / 08
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 08 / 19