• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : مفاهيم .
                    • الموضوع : قَد أفلحَ مَن زَكَّاهَا .

قَد أفلحَ مَن زَكَّاهَا

قَد أفلحَ مَن زَكَّاهَا

أكّد القرآن الكريم على ضرورة التحلّى بالأخلاق الإلهية والتخلّى عن رذائل الأخلاق وذمائمها.

ولعلّ من أهمّ المشاهد القرآنية التى حثّت على الأخلاق الحسنة وحذّرت من الأخلاق السيئة ما جاء فى أوّل سورة الشمس؛ قال تعالى: ‏ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَ الْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا وَ النَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا وَ اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا وَ السَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا وَ الْأَرْضِ وَ مَا طَحَاهَا وَ نَفْسٍ وَ مَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَ تَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَ قَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا[1].

يقسم الله سبحانه بهذه الخلائق والمشاهد الكونية، كما يقسم بالنفس وتسويتها وإلهامها.

ومن النوادر القرآنية أن يقدّم لجواب القسم بعدد كبير من الأقسام، وقد قدّم لجواب القسم هنا، أى قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا بسبعة أقسام، الأمر الذى يوضّح مدى‏ اهتمام القرآن الكريم بجواب القسم هذا، والذى يتضمّن دعوة الإنسان إلى الالتزام بالأخلاق الحسنة، وتجنّب السيّئ منها، وحثّه إلى تزكية نفسه وتحذيره من دسّها.

والمراد من «النفس» فى الآية المباركة هى النفس الإنسانية؛ بقرينة قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَ قَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا فليس المقصود هو مطلق النفس ولو كان نباتاً أو حيواناً، بل الإنسان وهو المكلّف الذى يترتّب على عمله الثواب والعقاب، ونفوس الجن على ما يظهر من الكتاب العزيز من كونهم مكلّفين بالإيمان والعمل الصالح: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏[2].

ثم انّ مفردات «الشمس» و «القمر» و «النهار» و «الليل» و «السماء» و «الأرض» فى الآيات المتقدّمة كلّها معرفة، غير أنّ مفردة «نفس» نكرة، إذ قال تعالى: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ولم يقل «والنفس وما سوّاها».ولبيان سبب التنكير، ذكرت عدّة وجوه، منها أنّه جعل النفس نكرة لبيان عظمتها وفخامتها، فكأنّه سبحانه يقول: يا أيّها الإنسان اعرف نفسك، لأنّك وإن كنت تعرف كثيراً من الأشياء من حولك، ولكنّك لا تعرف أقرب الأشياء إليك وهى نفسك، واعلم أنّك بهذه النفس التى خلقتُها بيدىَ‏ (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ‏[3] )

قد أصبحتَ سيّد عالم الإمكان ومحوره وثمرته، بشرط أن تقوم بما يجب عليك القيام به وأن تزكّى نفسك.

والخلاصة أنّ عالم الإمكان شجرة إلهية، والإنسان ثمرتها، وأنّ هذا العالم يدور حول محور الإنسان الكامل، وفى كلّ هذه المعانى وما سبقها إشارة إلى عظمة النفس الإنسانية وفخامتها.

 

 

ومعرفة الفجور قدمت على معرفة التقوى إذ النفس تعرف أولا أسباب الهلاك، ثم تعرف كيف تتجنبها بوسائل الصلاح. علما بأن أكثر الواجبات هي سبل للتخلص من المفاسد.

عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: في تفسيرها: «بين لها ما تأتي وما تترك"

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها

هذا جواب القسم، والفلاح الفوز، والزكاة الطهارة، والخيبة الخسران، والتدسية النقص من اختار الخير على الشر وطهر نفسه من دنس الآثام فهو الفائز الرابح، ومن اختار الشر على الخير و لوث نفسه بالذنوب و القبائح فهو الخائب الخاسر.

هذا الذي زكى نفسه وطهرها من الأمراض النفسية وحلاها بالكمالات الإلهية وجعلها تنمو مع الأيام حقق النجاح المطلق لا في الآخرة فحسب بل في الدنيا

والتزكية تعني النمو، «والزكاة» في الأصل بمعنى النمو والبركة

عن علي عليه السّلام قوله: «المال تنقصه النفقة و العلم يزكو على الإنفاق»

ثمّ استعملت الكلمة بمعنى التطهير، وقد يعود ذلك إلى أن التطهير من الآثام يؤدي إلى النمو والبركة، والآية الكريمة تحتمل المعنيين.

والمراد بتزكية النفس تطهيرها من حوافز الشر، ورواسب الشرك، و وساوس الشيطان.

وكما أن من زكى نفسه وطهرها من أدرانها وأنقذها من قيودها وأغلالها ينطلق في معارج الكمال، ويبلغ الفلاح، فإن من دس نفسه في أوحال الجهل، وسلاسل العبودية، للمال والجاه، فإنه يخيب و لا يبلغ أيّا من أهداف وجوده.

عن الإمامين الباقرين عليهما السّلام في تفسير الآية الكريمة: «قد أفلح من أطاع وخاب من عصى»

وعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله و سلّم قال‏ حين تلا الآية: «اللّهم آت نفسي تقواها، أنت وليها ومولاها، وزكّها أنت خير من زكّاها»

ولا يتيسّر حتى لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلّا بتوفيق اللّه تعالى، أي لا يتيسّر إلّا بعزم العبد و تأييد الباري.

عن الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله وسلّم: «أفلحت نفس زكّاها اللّه و خابت نفس خيبها اللّه من كلّ خير»

والقرآن الكريم حين حثّ الإنسان على تزكية النفس فقال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، زوّده بالمعدّات والوسائل التى‏ يستطيع من خلالها تحقيق ذلك

 فمن جهة زوّده بالحجّة الباطنة وهى العقل أو الفطرة الموجودة مع الإنسان منذ بداية خلقه‏ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ‏[4]، صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً[5] ثمّ بيّن له من خلال ذلك ما هو العمل الحسن وما هو العمل القبيح، كما ألهمه في فطرته ما هي التقوى وما هو الفجور.

قال فى الميزان فى ذيل قوله تعالى: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا: «وتعليق الإلهام على عنوانى فجور النفس وتقواها، للدلالة على أنّ المراد تعريفه تعالى للإنسان صفة فعله من تقوى وفجور، وراء تعريفه متن الفعل بعنوانه الأوّلى المشترك بين التقوى والفجور، كأكل المال مثلًا المشترك بين أكل مال اليتيم الذى هو فجور، وبين أكل مال نفسه الذى هو من التقوى ...وبالجملة المراد أنّه تعالى‏ عرّف الإنسان كون ما يأتى به من فعل فجوراً أو تقوى، وميّز له ما هو تقوى مما هو فجور»[6].

كما زوّده أيضاً بالحجّة الظاهرة، وهى الرسل والأنبياء والأئمّة والعلماء الصالحون، قال الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام: « يا هشام إنّ لله حجّتين، حجّة ظاهرة وحجّة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمّة، وأمّا الباطنة فالعقول‏»[7].

وعن الإمام الصادق عليهما السلام: «حجّة الله على العباد النبى، والحجّة بين العباد وبين الله العقل‏ »[8].

كلّ ذلك من أجل أن تكون «الحجّة لله على الناس» لا «الحجّة للناس على الله» يوم القيامة، ولكى يقطع على الإنسان أى عذر له فى‏ ذلك اليوم؛ قال تعالى: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ‏[9].

وقال تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَ كَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً[10].

والآية تدل أنّ الأخلاق الحسنة والتقوى منسجمة تمام الانسجام مع الفطرة الإنسانية، بخلاف الفجور فإنّه على خلاف طبيعتها وفطرتها. لعلّ «التعبير بالتزكية والتدسّى عن إصلاح النفس، وإفسادها، مبتنٍ على ما يدلّ عليه قوله‏ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَ تَقْوَاهَا على أنّ كمال النفس الإنسانية أنّها ملهمة مميّزة بحسب فطرتها للفجور من التقوى،

أي أنّ الدين وهو الإسلام لله فيما يريده فطري للنفس، فتحلية النفس بالتقوى، تزكية وإنماء صالح وتزويد لها بما يمدّها فى بقائها؛ قال تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى واتَّقُونِ يَا أُولِى الْأَلْبَابِ‏[11]، وأمرها فى الفجور على خلاف التقوى، لأنّ التدسّى هو إدخال الشى‏ء فى الشى‏ء بضرب من‏ الإخفاء، والمراد بها بقرينة التزكية، الإنماء على خلاف ما يقتضيها طبعها وركّبت عليه نفسها»[12].

والحاصل أنّ آيات هذا المقطع من سورة الشمس المباركة، أكّدت أهميّة الأخلاق والتقوى، بما لا نجده فى آيات أُخرى من القرآن الكريم، حيث قرّرت أنّ هذا العالم، إنّما خلق لأجل الإنسان، وخلق الإنسان لأجل الأخلاق الإلهية والتخلّق بها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وبذلك يتسامى ويتكامل فى مسيرته نحو الحقّ عزّ وجلّ، حتّى يصل إلى مقام يكون فيه مظهراً لجميع الأسماء والصفات الإلهية، فيكون مؤهّلًا لحمل الأمانة التى عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان؛ قال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهَا وَ حَمَلَهَا الْإِنْسَانُ‏[13].

 

 

 

[1] ( 1) الشمس: 9 1.

[2] ( 1) الذاريات: 56.

[3] ( 2) ص: 75.

[4] ( 2) الروم: 30.

[5] ( 3) البقرة: 138.

[6] ( 1) الميزان فى تفسير القرآن: ج 20 ص 298.

[7] ( 2) الأصول من الكافى، لثقة الإسلام أبى جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكلينى الرازى، ج 1 ص 16، باب العقل والجهل، دار صعب، دار التعارف للمطبوعات.

[8] ( 3) المصدر السابق: ج 1 ص 25، الحديث: 22.

[9] ( 1) الأنعام: 149.

[10] ( 2) النساء: 165.

[11] () البقرة: 197.

[12] ( 4) الميزان فى تفسير القرآن: ج 20 ص 298.

[13] () الأحزاب: 72.


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=908
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2020 / 01 / 30
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 02 / 23