• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .
              • القسم الفرعي : علماء .
                    • الموضوع : علماء قدوة  ... ومواقف رسالية للعلماء... .
                          • رقم العدد : العدد الخامس والثلاثون .

علماء قدوة  ... ومواقف رسالية للعلماء...

علماء قدوة  ... ومواقف رسالية للعلماء...

إعداد هيئة التحرير

تاريخ العلماء حافل بالقصص والمآثر والعبر ... وقصص العلماء زاخرة بالأخلاق والمثل العليا التي تنمّ عن عمق الايمان والثقة بالله  والاحساس بالمسؤولية  , وهذه المواقف من هؤلاء العظماء في علمهم وعملهم لا بد من الوقوف عندها لأخذ العبر والاقتداء.

 

عزة نفس الشريف الرضي

حكى أبو إسحاق الصابي قال: كنت عند الوزير أبو محمد المهدي ذات يوم فدخل الحاجب واستأذن للشريف الرضي، وكان الوزير قد أبتدأ بكتابة رقعة فألقاها ثم قام كالمندهش حتى استقبله من دهليز الدار، واخذ بيده وأعظمه وأجلسه ، ثم جلس بين يديه متواضعا وأقبل عليه بجميعه، فلما خرج الرضي خرج معه وشيعه إلى الباب ثم رجع، فلما خف المجلس قلت: أيأذن الوزير لي أعزه الله تعالى ان أسأله عن شيء قال: نعم وكأنك تسأل عن زيادتي في إعظام الرضي فإنه بلغني ذات يوم انه ولد له غلام، فأرسلت إليه بطبق فيه ألف دينار فرده وقال: قد علم الوزير إني لا أقبل من أحد شيئا، فرددته وقلت: إني إنما أرسلته للقوابل، فرده ثانية وقال، قد علم الوزير إنَّا أهل بيت لا يطلع على أحوالنا قابلة غريبة، وإنما عجايزنا يتولين هذا الأمر من نسائنا، ولسن ممن يأخذن أجرة، ولا يقبلن صلة، فرددته إليه وقلت: يفرقه الشريف على ملازميه من طلبة العلم، فلما جاءه الطبق وحوله الطلبة، قال: ها هم حضور فليأخذ كل أحد ما يريد، فقام رجل واخذ ديناراً، فقرض من جانبه قطعة وأمسكها ورد الدينار إلى الطبق، فسأله الشريف عن ذلك فقال: إني احتجت إلى دهن السراج ليلة، ولم يكن الخازن حاضراً، فاقترضت من فلان البقال دهناً، فأخذت هذه القطعة لأدفعها إليه عوض دهنه، وكان طلبة العلم الملازمون للشريف الرضي في دار قد اتخذها لهم سماها دار العلم وعين لهم فيها جميع ما يحتاجون إليه، فلما سمع الرضي أمر في الحال ان يتخذ للخزانة مفاتيح بعدد الطلبة، ويدفع إلى كل منهم مفتاحاً ليأخذ ما يحتاج إليه، ولا ينتظر خازناً يعطيه، ورد الطبق على هذه الصورة، فكيف لا أُعظِّم من هذه حاله؟!

 

 

اخلاص النية

ما أروع ما فعله آية الله السيّد حسين كوه كمري (رحمه الله) أحد تلامذة صاحب الجواهر ، وكان من المعروفين له حوزة دراسية كبيرة في أحد مساجد النجف الأشرف ، ويوماً مّا دخل المسجد قبل أوان الدرس ، فوجد في زاوية المسجد مدرّساً حوله مجموعة صغيرة من الطلاّب ، فسمع درسه فاُعجب به ، وكرّر المجيء حتّى تيقّن أنّه أفضل منه في العلم والبيان والإبداع ، فجمع طلاّبه واشترك معهم في درس الشيخ الجديد ، ولم يكن سوى الشيخ الأعظم شيخنا الأنصاري (قدس سره)

 

وهذا آية الله ملاّ عبد الله التستري (رحمه الله) ، دخل يوماً على الشيخ البهائي قبيل الظهر ، فحين صلاة الظهر طلب منه الشيخ البهائي أن يتقدّم لإمامة الجماعة ، فلمّـا استعدّ للصلاة خرج مسرعاً ، ولمّـا استفسروا عن ذلك أجابهم ، شعرت في نفسي العُجب بأنّ مثل الشيخ البهائي يقتدي بي ، فعلمت بعدم الإخلاص ، فتركت الجماعة

 

وما أجمل ما فعله المقدّس الأردبيلي لمّـا اجتمع مع هذا الرجل في مجلس عامّ ، فسأله الملاّ عبد الله التستري ، فقال له المقدّس : سوف اُجيبك فيما بعد ، ولمّـا انتهى المجلس مشى معه صوب الصحراء وأجابه السؤال بالتفصيل ، فتعجّب الملاّ وسأله أنّه لماذا لم يجبه في المجلس؟ فقال له : لو أجبتك وكان النقاش بيني وبينك لكنّا معرّضين لهوى النفس ، لأنّ كلّ واحد منّا يريد أن ينتصر لرأيه ، فربما نقع في العجب والجدال المذموم وحبّ الظهور ، وهذا يتنافى مع الإخلاص ، أمّا في الصحراء فلا مجال للشيطان ولا الرياء ولا وسوسة النفس.

بعد رحلة صاحب الجواهر (قدس سره) إلى جوار ربّه ، انتقلت المرجعيّة إلى تلميذه البارع الشيخ الأعظم الأنصاري ، إلاّ أنّه من شدّة ورعه واحتياطه امتنع في بداية الأمر وقال : إنّ سعيد العلماء في إيران كان زميلي في الدراسة ، وكان آنذاك أعلم منيّ وأكثر استيعاباً ، فكتب إليه رسالة يدعوه ليتحمّل مسؤوليّة المرجعيّة ، فأجابه سعيد العلماء (قدس سره) : لقد بقيت أنت خلال المدّة الماضية في الحوزة مشتغلا بالتدريس والمباحثة ، بينما انشغلت أنا باُمور الناس ، ولهذا فأنت أحقّ منيّ بهذا الأمر.

بعد وصول الجواب تشرّف الشيخ الأنصاري بزيارة حرم أمير المؤمنين (عليه السلام) وطلب من ذلك الإمام العظيم أن يعينه بإذن الله تعالى في هذا الأمر الخطير ويسدّد خطاه

وهذا الشيخ عباس القمي في صلاة الليل عندما يقرأ سورة (يس) ويصل إلى هذه الآية الشريفة( هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتي كُنْتُمْ توعَدون)  يكرّرها حتّى يتغيّر حاله ويتعوّذ من النار ، ومع هذه المرتبة من التقوى والخشوع عندما يتقدّم لصلاة الجماعة في گوهرشاد ، وبعد أيّام يكتضّ المسجد بالمصلّين ، وإذا بالشيخ بعد صلاة الظهر يخرج من المسجد ، وحينما يُسأل عن سبب ذلك ، يجيب : إنّي في ركوع الركعة الرابعة من صلاة الظهر سمعت أحد المصلّين يقول : يا الله ، إنّ الله مع الصابرين ، ويريد أن يلتحق بالجماعة وكان صوته من بعيد فتبادر إلى ذهني كثرة المصلّين ممّـا أوجب الاضطراب في نيّتي ، فخفت أن لا أكون مخلصاً في صلاتي فتركت الجماعة

وأحد تلامذة العلاّمة الطباطبائي أربعين عاماً يطلب منه أن يصلّي خلفه جماعة فكان العلاّمة يأبى ويمتنع عن ذلك.

 

وهذا شريف العلماء اُستاذ الشيخ الأنصاري لم يكن يرضى أن يصليّ إماماً ، ولكن عندما أصرّ عليه الناس ذات مرّة وافق وصلّى ، وأثناء الصلاة انصرف ذهنه لا إراديّاً إلى حلّ مسألة علميّة ، فلم يصلّ بعد تلك الصلاة ، إذ أنّه لم يرَ نفسه أهلا لذلك.

وهذا آية الله السيّد صدر الدين الصدر كان مع آية الله الفيض وآية الله الحجّة الكوه كمري قدّس أسرارهم الزكيّة يتولّون إدارة الحوزة العلميّة بقم بعد آية الله العظمى مؤسّس الحوزة الشيخ عبد الكريم الحائري ، فمن أجل توحيد المرجعيّة عند دخول آية الله العظمى السيّد البروجردي (قدس سره) ، فوّض كلّ واحد من الثلاثة ما كان عنده من المسؤولية والوجاهة الاجتماعية إلى السيّد ، فترك السيّد الصدر محلّ إقامته صلاة الجماعة واعتزل اُمور الرئاسة إلى حدٍّ كبير ، وقال في بيان سبب ذلك

تِلـْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذينَ لا يُريدونَ عَلُوَّاً في الأرْضِ وَلا فَساداً وَالعاقِبَةُ لِلـْمُتَّقينَ

فمن تواضعه لله قدّم ما عنده إلى السيّد لتوحيد الزعامة الدينيّة

وهذا الشيخ جواد البلاغي المدافع عن الإسلام من شدّة إخلاصه طبع مؤلّفاته باسم مجهول

وصاحب الذريعة الشيخ آقا بزرك الطهراني حينما يرى كتاب الغدير وعظمته يطلب من الله أن يهب بقيّة عمره لصاحب الغدير لينجز الغدير.

والشيخ عباس القمي عندما كان يعظ الناس في مسجد گوهر شاد وقع بصره على المرحوم الشيخ عباس تربتي وهو من العلماء الأبرار ، فقال الشيخ عباس : أيّها الناس سماحة الشيخ موجود في المجلس استفيدوا من علمه ، ثمّ نزل من المنبر ، وطلب من الشيخ أن يتولّى الحديث.

أجل هكذا كان عظماؤنا الأعلام ، يبقون أكبر من الرئاسة والمقام ، فلا تغرّهم الدنيا الدنيّة ، ومنذ اليوم الأوّل هذّبوا أنفسهم وطهّروا قلوبهم ، وصدقوا في نواياهم ، فبلغوا القمّة في الكمال والجمال ، وصاروا بدور العلم وشموس الحوزات ، يستضاء بنورهم المشرق  فما أعظم مواقف اُولئك الأفذاذ والعباقرة في التقوى والعلم.

 


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=917
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2020 / 04 / 23
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 07 / 13