• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : عاشوراء .
                    • الموضوع : الذكرى الحسينية مناسبة للتربية واحتواء المفاهيم .

الذكرى الحسينية مناسبة للتربية واحتواء المفاهيم

الذكرى الحسينية مناسبة للتربية واحتواء المفاهيم

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلت بفنائك، وأناخت برحلك، عليكم بني سلام الله أبدأ، ما بقيت وبقي الليل والنهار ورحمة الله وبركاته

ما هو المضمون الذي يحمله هذا اللقاء والذي نخرج به من عاشوراء؟

هنا أبدأ عرض طروحات في فهم العاشوراء

الطرح التقليدي الذي جرى عليه الناس دائما. وهو أن عاشوراء مناسبة للحزن ومناسبة للبكاء، لأن البكاء على الحسين وعلى آل الحسين وأصحاب الحسين هو سبيل إلى رضوان الله وإلى نيل الحظوة عند الله وكسب الحسنات والثواب من الله .

الحزن فقط.. نأتي ونسمع السيرة الحسينية ونحزن ونبكي ثم نخرج ونستأنف حياتنا كما كانت، وتبقى مفاهيمنا كما كانت

هذا مفهوم .. وهذا المفهوم خطأ

المفهوم الثاني، هو أن هذه الذكرى عند البعض هي مناسبة للإطلاع على التاريخ من خطباء المنبر الحسيني وزيادة الثقافة والمعلومات .. وفي الطريق يوجد الثواب من عند الله لحضور هذا المجلس، هذا أيضا خطا

ليست الذكرى الحسينية مناسبة للحزن وحده وليست مناسبة للثقافة المجردة

الذكرى الحسينية كما أرادها أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم هي مناسبة للتربية، ومناسبة لاحتواء المفاهيم الجديدة وتطبيق المفاهيم الجديدة

ما هي حقيقة الثورة الحسينية بعيدا عن القصة والتاريخ ؟

 ما هي حقيقة الثورة الحسينية؟

المفهوم الشائع أن الحسين خرج، رفض البيعة ليزيد بن معاوية ، خرج

من المدينة ثم خرج من مكة، وجاء إلى كربلاء مطالبا بحقه , له حق في أن يكون هو الحاكم بدلا من یزید بن معاوية، ويزيد أخذ منه الحكم، فهو جاء ينازع يزيد على حقه في الحكم، وظلمه يزيد وقتله مع أصحابه ، فأصبح الحسين مظلوما.

هذا المفهوم في مضمون الثورة الحسينية هو تقزيم وتضييق لمفهوم هذه الثورة، هي ليست نزاع بين شخصين، بين الحسين وبين يزيد، كما أن النزاع بين علي ومعاوية لم يكن نزاع بين شخصين، كما أن النزاع بين النبي(ص) وأبي سفيان لم يكن نزاعا بين شخصين, هو نزاع بين خطين، بين فهمين، بين أسلوبين .

 الحسین مظلوم بلا شك، لكن، مظلوم من بعد ماذا؟

يمكن لإنسان أن يكون عنده مبلغ من المال، ثم يأتي إليه لصوص يریدون أن يأخذوا ماله الشخصي، وهو ككل إنسان كريم يدافع عن ماله، فيقتل، فيكون مظلوما لأنه قتل دفاعا عن أمواله الشخصية، وعن ممتلكاته الشخصية .

 هل الحسين مظلوم بهذا المفهوم؟ قتل دفاعا عن حقه في كرسي الحكم؟ أم أنه مظلوم لسبب آخر غير هذا؟

الحقيقة أنه مظلوم وثائر وشهيد لسبب آخر، غير السبب الشخصي

في ذلك الزمان، كان هناك أناس مثلكم ومثلنا.. لهم كرامات، ولهم حقوق ويخافون، ولهم آمال والنظام الأموي كان يقطع الأمل عن الناس يجعلهم خائفين على مستقبلهم، ومستقبل أولادهم.

كان بنو أمية يشوهون إسلامهم، يشوهون فکرهم وعقائدهم بأمثال المرتزقة من واضعي الحديث النبوي الشريف.

 

هؤلاء الناس الذين هم مثلنا في هذا الزمان كانوا هم قضية الحسين (ع)

قضيته لم تكن الكرسي، قضيته لم تكن الإمتيازات الشخصية والعائلية وإنما كانت قضيته الناس، رزق الناس، كرامة الناس، مستقبل الناس، بقاء الإسلام.

كان ممكن أن ينال  الامام الحسين (ع)  أرفع المراكز في المجتمع الاسلامي في ذلك الحين ، ويسكت ويترك قضية الناس، يقول الله  الله في نفسي وفي أولادي، وفي إخواني وفي عشيرتي، ويسكت، ولكنه لم يستطع أن يسكت، لأن قضية الناس هي قضيته.

الثورة لم يكن فيها أي أمل بالنجاح، كان مجرد احتجاج دموي كبير.. لماذا؟

لأجل الناس

لكن أين هؤلاء الناس الذين ثار من أجلهم؟

هؤلاء الناس كانوا على قسمين

قسم مقهور ومحكوم لنظام عسکري، قمعي، لا يستطيع أن يتحرك

وقسم بالعكس كان قادرا على التحرك ولكنه أخذ أحد موقفين، إما أنه سکت، أو أنه جرد سيفه ضد الحسين (ع).

بعض الناس قلوبهم معه وسيوفهم عليه، وبعض الناس قلوبهم معه وهم محايدون

هي من أجل الناس، من أجل المستضعفين، أين كان هؤلاء؟

هؤلاء كانوا منحرفين وفاسدين أخلاقيا ... عندما نقول (أخلاق) يعني تحمل المسؤولية، يعني الصدق والأمانة ، يعني الوفاء، يعني العفة يعني الشجاعة

النظام الأموي، أسكت الناس، رغبهم بالحياة الذليلة، ورغبهم بالطاعة

كيفما كانت الطاعة، ولو في معصية الله تعالی

ثورة الحسين التي كانت من أجل الناس كان لها مهمتان :

أولا أن تدین النظام اليزيدي الأموي.

والأمر الثاني أن تخلق حالة الوعي وحالة الشعور بالمسؤولية عند هؤلاء الناس الذين كانت قلوبهم معه وسيوفهم عليه، لأجل أن تتحرك سيوفهم على هوى قلوبهم لا على هوى مصالحهم الصغيرة الآنية.

إذا من هذا المفهوم، ثورة الحسين(ع) هي موجودة الآن، لأن معطيات واقع

هذه الثورة موجودة ، يوجد محرومون يوجد مستضعفون، ويوجد ناس خائفون على المستقبل.

لذلك هذه الثورة ليست حادثة من التاريخ، هي حادث من الحياة، حوادث التاريخ هي تمضي، أما حوادث الحياة فهي تبقى.

ثورة الإمام الحسين كالنهر المتدفق المتجدد، كالشمس الطالعة  في كل يوم.

عناصر هذه الثورة موجودة عند الناس.

ماذا ينقصنا لنكون ثوارا، الإنسان المظلوم أمامه طريقان :

 أحدهما طريق أن يكون ضحية ، أن يسكت، أن يسالم، أن يقول «نعم

والطريق الأخرى أن يقول «لا»، أن يكافح، أن يجاهد في هذه الحالة يكون ثائرا ويكون شهيدا

يوجد فرق بين الشهيد وبين الضحية

يوجد ثلاث مراتب للموت:

الموت الطبيعي بالشيخوخة والمرض والحوادث.

 أما الموت الثاني : موت الضحايا، موت المظلومين الذين يستسلمون، فيقال ضحايا النظام الفلاني ، ضحايا الظلم والجور.

الموت الثالث : هو موت الشهادة، هذا لا يحصل عليه كل الناس، يحصل عليه الذين يختارون الشهادة، ويختارهم الله.

 لا تحتاج إلى اختيار واحد، تحتاج إلى اختيارين : إنسان يضع نفسه على طريق الشهادة، فيقبل منه الله هذا الوضع.

دائمة الأنظمة الظالمة تطلب من الناس أن يكونوا مستسلمين، لأجل أن

يكونوا ضحايا

الحسين عرض عليه ذلك، لكنه قال : «ألا إن الدعي ابن الدعى قد ركز بين اثنتين، بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله يابي الله لنا ذلك. يعني خيّروه بين المصير الصعب والحياة الذليلة

(السلة هي الإبرة الموجودة في ساق النحلة)

وقال: «لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر لكم إقرار العبيد».

 يعني رفض أن يعيش حياة سهلة من أجل أن يموت موتا صعبا.

 الموت الصعب، هو الشهادة.

الشهادة نتيجة أن الإنسان يرفض أن يكون ذليلا، ومن ثم يرفض أن يكون ضحية، يختار أن يكون ثائرا، ويرفض أن يكون ذليلا ويختار بالتالي أن يكون شهیدا.

نأخذ من دروس الحسين سلام الله عليه، كيف يستطيع الإنسان أن يختار طريق الشهادة؟ الشهادة لا تكون إلا بقضية

الشهيد الحقيقي لا بد أن يكون له قضية حقيقية، القضية لا بد أن تكون عامة، وشاملة، كل قضية لا بد أن يكون لها أساس، لا بد أن يكون لها فکر، أما إنسان يغضب لأنه شتم لأن مصلحة من مصالحه الخاصة صارت مهددة ، يأخذ سلاحه ويبدأ بالحرب والقتال ، ويسقط ، ليس هذا شهيدا.

هذا الدرس نتعلمه من الحسين (ع) ، نحن نقتدي به وبأصحابه، أصحاب الحسين(ع)، الذين أكثرهم، ليسوا من بني هاشم، إذ ليست لهم قضايا شخصية.

كانت لهم قضية عامة مع النظام، ولذلك في ليلة العاشر حينما أظلم الليل، وقال لهم : إني لا أعرف أصحابا خيرا من أصحابي .. مدحهم، وقال لهم: «هؤلاء القوم لا يريدون غيري .. إن هذا الليل قد غشیکم فاتخذوه جملا». أعطاهم الإذن بالتفرغ والإنصراف، فرفضوا وأصروا على البقاء، وعلى القتال وعلى الموت، في هذا السبيل، لماذا؟

لأنه كانت عندهم قضية عامة، قضية الأمة الإسلامية، قضية كرامة الإنسان، قضية كل مظلوم و مظلومة.

كانت هذه قضيته ، هذه القضية تصنع شهداء، ويختار الله لها شهداء، وفي كل زمان القضية موجودة، ما دام الظلم موجودا، وما دام الكفر موجودا وما دام الإنحراف موجودا، القضية موجودة.

ما دام هناك مظلومون فهم يبحثون عن حسين وعن حسينيين، ما دام هناك مظلومون فهناك قضية تبحث عن شهداء.

في اليوم العاشر من محرم يوجد نداء مروي عن الحسين سلام الله عليه ، أو مروي عن زینب سلام الله عليها ألا من ناصر ینصرنا الا من ذاب یذب عنا

لمن وجه هذا النداء؟ وجه للأجيال ، لم يوجه فقط للجيش الأموي

الحسين (ع) الأب بشخصه غير موجود ولكن القضية موجودة

نستطيع أن نكون أهلها ويشرفنا الله أن نكون شهداء ولكن  الشرط: هو أن نكون مؤمنين أخلاقيين, وأن تكون المبادىء الأخلاقية هي التي تحكم كل تصرف. أن يكون التكليف الشرعي وحكم الله، حكم الإسلام هو الذي يحكم تصرفاتنا .

سيرة الحسين(ع) وأصحاب الحسين(ع) هي قضية المستضعفين والثائرين في

كل زمان ومكان.

يجب أن تكون كل الحياة عاشوراء، لا عاشوراء للنوح والبكاء لأن الانكسار انتهى إلى غير رجعة

عاشوراء المبادىء والقيم.. الثورة والرسالة والقضية.

 


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=943
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2020 / 08 / 20
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 09 / 20