• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : من التاريخ .
                    • الموضوع : الامام زين العابدين وصعوبات المرحلة .

الامام زين العابدين وصعوبات المرحلة

بسم الله الرحمن الرحيم

الشيخ علي سليم سليم

مرت على الإمام زين العابدين عليه السلام أقسى الأحداث، من مصرع جده في محراب صلاته، وهو لم يتجاوز الثالثة من عمره، وبعد سنتين شهد ما وقع على عمه الحسن عليه السلام من محن ومصائب، وما رآه من تخاذل أصحابه، حتى آل الأمر إلى الصلح الذي نقضه معاوية ومن ثم قضى شهيداً مسموماً.

وعاين ما ابتليت به الأمة براع مثل يزيد وما رافقه من ظلم وقتل وحضر فاجعة الطف بكل مآسيها ووحشيتها. عاصر الإمام عليه السلام زمن امامته خمسة من الحكام الأمويين: يزيد بن معاوية، معاوية بن يزيد، مروان بن الحكم، عبد الملك بن مروان، الوليد بن عبد الملك.

يروي ابن أبي الحديد المعتزلي الظروف القاسية التي عاشها الإمام عليه السلام، والتي صرح بها عليه السلام: ما بمكة والمدينة عشرون رجلاً يحبنا.

وهذا ما أضطر الامام عليه السلام إلى اللجوء للعمل سراً لحفظ خط الإمامة والتشيع الذي عملت على اقصائه كل السلطات المتعاقبة من لدن الأمويين حتى زمن العثمانيين! وقد اعتمد الإمام عليه السلام مضافاً إلى تأسيس المركز العلمي في المسجد النبوي لبث العلوم الدينية لحفظها من التحريف إذ لم تتورع السلطات تلك عن تطويع الدين خدمة لمصالحها وتثبيت سلطانها. كذلك الجانب الاجتماعي والسياسي من خلال الأدعية المليئة بالمضامين الروحية والارتباط بالله تعالى، وتثبيت المفاهيم الإسلامية الأصيلة بين أطباق الأمة ونخبها المتمثل بالعشرات من التابعين الذين تتلمذوا على يد الإمام زين العابدين عليه السلام بشتى علوم الشريعة ومعارفها، والتي تعنى بالشؤون الحياتية عقائدياً واخلاقياً وحقوقياً وسياسياً، وإن أظهرها بلبوس خاص بسبب الواقع السلطوي الدموي الذي ميز النظام الأموي! إن مثل هذا النشاط الدؤوب والمتميز، ما كان ليصدر ممن يعتزل الحياة الاجتماعية كما يصور لنا التاريخ.

فالإقصاء القصري عن ممارسة الدور المنوط بالإمام المعصوم عليه السلام عموماً، لا يلقي عن كاهله المسؤولية، فهناك أشكال متنوعة لممارسة دور التثقيف والتعبئة للناس ورفدهم بما يمكنهم من القيام بتكاليفهم ومسؤولياتهم الشرعية.

هناك شبهة تاريخية في أن الأئمة عليهم السلام ابتعدوا عن السياسة ولم يتدخلوا في شؤون المجتمع.

صحيح أنهم عليهم السلام أعرضوا ـ وإن قهراً ـ عن السلطة وتفرغوا للدعوة والتوعية ونشر الثقافة الدينية لحفظ دين الناس من الزيغ والانحراف، إلا أنهم لم يتركوا الناس، ولم يعدموا اجتراح الوسائل في سبيل مواكبة شؤون الناس وتعاهدها ولم يدخروا جهداً في هذا السبيل.

وقد كانت "قاعدة الحركة الشيعية وقيادتها، ترفضان أية زعامة غير علوية، وشكلت هذه المسألة إحدى الثوابت المتلازمة مع التحرك السياسي والثوري حتى ما بعد سقوط الدولة الأموية، إذ بقيت الزعامة معقودة من دون جدال للبيت العلوي.

ولعل هذه النظرية انبثقت عن المفهوم العام للسلطة عند الشيعة، كما تبلورت في وقت لاحق، جاعلاً من الإمام، الخليفة ـ الظل والمؤهل دائماً لاستلام الحكم والجامع في يديه، كما الخليفة بين دوره الديني وبين مهامه السياسية؟ ابراهيم بيضون: من دولة عمر إلى دولة عبد الملك ص 209

فعلاقة الإمام عليه السلام بالناس بنيت على أسس تربوية تهدف إلى إعداد أجيال واعية عقائدياً بالدرجة الأولى، وهو الذي يحقق الأرضية لتغيير مسار الأمة نحو الأهداف الكبيرة ومواجهة الضلال والانحراف ولم يكن هذا الالتفاف حوله لمجرد الانتساب إلى الرسول صلى الله عليه آله، بل على أساس الدور الذي يقوم به، بالرغم من إقصائه عن مركز الحكم، والناس لا تمنح الزعامة مجاناً إلا لمن يحتل قلوبها ويضحي من أجلها.

والسياسة والعمل فيها يعني العمل في الشأن العام كما نعبر اليوم، وطرقه كثيرة وليست محصورة بشكل معين، فاختلاف صيغ العمل السياسي تحددها الظروف الموضوعية التي يعيشها الإمام وقد كانت قاسية جداً لدرجة كان يشكو منها الإمام عليه السلام لعدم وجود تلك القاعدة الشعبية المساندة له بوعي واخلاص، يقول عليه السلام:

فنظرت يا إلهي إلى ضعفي عن احتمال الفوادح وعجزي عن الانتصار من قصدني بمحاربة ووحدتي في كثير عدد من ناواني.

ورغم كل ذلك كان الأئمة عليهم السلام يتحملون باستمرار مسؤوليتهم في الحفاظ على الرسالة وتحصينها ضد التردي إلى هاوية الانحراف والانسلاخ من مبادئها وقيمها انسلاخاً تاماً. فكلما كان الانحراف يطغى ويشتد وينذر بخطر التردي إلى الهاوية، كان الأئمة عليهم السلام يتخذون التدابير اللازمة ضد ذلك. عادل الأديب، الأئمة الاثنا عشر عليهم السلام، ص 150

كما أن السلطة ليست إلا وسيلة وليست غاية بحد ذاتها ـ لأسالمن ما سلمت أمور المسلمين.. ـ بل وسيلة لهذه الأهداف السامية عند أهل الرسالة والتي ضحوا من أجلها بكل ما يملكون من هذه الدنيا، وموكب الحسين عليه السلام من المدينة إلى مكة ومن ثم إلى كربلاء يجسد صور التضحية بأجلها...


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=976
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 03 / 15
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 04 / 11