• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : مقالات .
                    • الموضوع : يوم الغدير والخطبة الشقشقيّة .

يوم الغدير والخطبة الشقشقيّة

يوم الغدير والخطبة الشقشقيّة

 يمرّ علينا ذكر يوم الغدير وترتبط ذكراه بالخطبة الشقشقيّة التي صدرت على لسان أمير المؤمنين (ع)  وهو يتحدّث عن منصبه الذي أعدّه الله له في هذا اليوم وهو يوم الغدير،   هنا سؤالٌ يطرحه كثيرٌ من الباحثين ويطرحه كثيرٌ من الألسن .

هل كان الإمام علي(ع)  يحبّ منصب الخلافة حتى يتأسّف عليه؟!  ويقول كلّ هذه الكلمات التي تكشف عن أسفٍ عميق وحسرةٍ كبيرةٍ  ؟!

وكيف صبر ثلاثين أو خمسًا وعشرين سنة حتى قال: ”فصبرتُ على طول المدّة وشدّة المحنة“؟!»؟! هل هذا كله حبٌ وعشقٌ وغرامٌ بالمنصب والكرسيّ وهو الذي يقول   لابن عبّاس: يا ابن عبّاس ما قيمة هذا النعل؟ قال: لا قيمة لها سيّدي، قال: ”إنّها - هذه النعل - أهمّ عندي من إمرتكم لولا أن أقيم حقًا أو أدفع باطلاً“

 أمير المؤمنين(ع) الذي يقول: ” وما أصنع بفدك وغير فدك والنفس مظانها في غدٍ جدث؟!“

أمير المؤمنين(ع)  الذي قال: ”يا بيضاء يا صفراء إليك يا دنيا غرّي غيري لقد بِنْتُكِ ثلاثًا“ هذا الشخص كيف يتحسّر على منصب الخلافة وكيف يتظلم على فوات منصب الخلافة وكيف يلقي هذه الخطبة الطويلة أمام الأشهاد وعلى منبر الكوفة يتظلم على فوت منصب الخلافة من عنده: ”لقد تقمصها ابن أبي فلان وهو يعلم أنّ محلي منها محلّ القطب من الرّحى ينحدر عني السيل ولا يرقى إليّ الطير“؟!

هنا ثلاثة أجوبة على هذا السؤال المطروح

الجواب الأوّل

لابدّ لكلّ أمّةٍ رشيدةٍ ولكلّ مجتمع رشيد أن يدوّن تاريخه بسلبيّاته وإيجابيّاته

 أحداث التاريخ لابدّ من تدوينها حتى تقرأها الأجيالُ القادمة بكلّ دقةٍ وبكلّ تأمّل وتعرف مسيرة التاريخ بأبطاله وأقزامه ومنتصريه ومنهزميه، الأمّة الرّشيدة هي التي تكتب التاريخ .

أمير المؤمنين (ع) من هذا المنطلق كان لابدّ أن يتحدّث عن الخلافة،  لم تكن بيده أعباء الخلافة ولا مقاليد الأمور، ولكنّ الناس رضيت بالواقع ومشت معه وسايرته  نسوا خطبة الزهراء، نسوا خطبة فدك، نسوا ما جرى على علي   واعتبروها أشياء مرّت عابرة لا يجب التأمّل فيها ولا يحسن الوقوف عندها .

من هنا رأى الإمامُ عليٌ (ع)  أنّ مسؤوليته الشرعيّة تفرض عليه أن يتحدّث عن التاريخ تاريخ الخلافة منذ بدايتها وحتى ما وصلت إليه،  تخطيطًا للمجتمع وتنويرًا للأجيال القادمة وتوعية لكلّ باحثٍ إذا أراد أن يقرأ صفحة التاريخ . ربّما يأتي أجيالٌ قادمة يقولون: نعم عليٌ رضي بالواقع كما رضي غيره!  عليٌ (ع)  بايع كما بايع غيره ورضي بالواقع كما رضي غيره فمعناه أنّ المسيرة كانت مسيرة قويمة ومسيرة صحيحة ومسيرة عادلة لأنّ عليًا بايع ورضي كما رضي غيره!

عليٌ (ع) أراد أن يقول: لا، هناك موقفٌ وهناك مصالح  ومزاحمات، لابدّ أن أتحدّث لكم عن التاريخ حتى تكتشفوا فلسفة سكوتي، فلسفة مبنيّة على رعاية المصالح العامّة للمجتمع الإسلامي، ”لأسالمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن جورٌ إلا عليّ خاصّة 

ومن هذا المنطلق أميرُ المؤمنين (ع)  تحدّث عن تاريخ الخلافة ولم يكن تظلمًا على شخصه ونفسه وإنّما تظلمٌ على التاريخ الذي صار بهذه المسيرة وتحكّمت فيه هذه العوامل وتظلمٌ على الأمّة المسكينة أمّة محمّدٍ (ص) التي خسرت النهر الفيّاض الذي يمدّها بالعلم والعدالة والتقوى ألا وهو أمير المؤمنين . كما قالت الزهراء (ع) : ”أنى زحزحوها عن رواسي الرّسالة وقواعد النبوّة والدّلالة ومهبط الروح الأمين والطبين بأمور الدّنيا والدّين، ألا ذلك هو الخسران المبين، وماذا نقموا من أبي الحسن ؟ نقموا منه والله نكير سيفه، وقلة مبالاته بحتفه، وشدّة وطأته، ونكال وقعته، وتنمره في ذات الله، أمّا واللهِ لو سلموها أبا الحسن لسار بهم سجحًا لا يكلم خشاشه، ولا يملّ راكبه، ولأصدرهم بطانا، ونصح لهم سرًا وإعلانا.

الزّحزحة: التّنحية والتّبعيد الطّبين ـ هو بالطاء المهملة والباء الموحّدة ـ: الفطن الحاذق.
يقال: نَقَمْتُ على الرّجل: أي عتبت عليه وكرهت شيئا  منه.  والنكير: إنكار سيفه فإنّه عليه السلام كان لا يسلّ سيفه إلاّ لتغيير المنكرات.
الوطأة: الأخذة الشديدة والضغطة. - النكال: العقوبة التي تنكل الناس. - تنمّر فلان: أي تغيّر وتنكّر وأوعد، لأنّ النمر لا تلقاه أبداً إلاّ متنكّراً غضبان.
- التكافّ: تفاعل من الكفّ: وهو الدّفع والصرف.
نبذه: أي طرحه. - اعتلقه: أحبّه  السّجح ـ بضمّتين ـ: اللّين السّهل  والكلم: الجرح.
- الخِشاش ـ بكسر الخاء المعجمة ـ: ما يجعل في أنف البعير من خشب ويشدّ به الزّمام ليكون أسرع لانقياده.

الإجابة الثانية

أساس الخلاف بين المذهب الشيعي وبين المذاهب الأخرى هي كلمة واحدة:

 هل الخلافة بالنص أو بالانتخاب؟ هذا هو أساس الخلاف

من قال أنّ الخلافة بالنص فهو شيعيٌ ومن قال أنّ الخلافة بالانتخاب فليس بشيعي، الخلافات الأخرى خلافات فرعيّة جزئيّة.

كثيرٌ من الباحثين قال: لو كانت الخلافة بالنص لاحتجّ أميرُ المؤمنين به عليٌ لم يحتج، لم يذكر عليٌ نصوصًا، عليٌ قال: أنا أولى من غيري، لكن لم يقل: هناك نصٌ عليّ.

وإذا كان عليٌ نفسه لم يحتج بالنص فهذا دليلٌ على أنّ الخلافة انتخابٌ وليست مسألة نص واختيار من قِبَلِ الله.

أمير المؤمنين (ع) قد احتجّ والاحتجاج الواضح على أنّ خلافته بالنص هو هذه الخطبة الشقشقيّة، وهي لم تصدر عن علي لمجرّد حسرةٍ! أو لمجرّد غليان عاطفي!

الغرض من الخطبة الشقشقيّة أن يحتجّ عليٌ على ما صدر ليبيّن أنّ الخلافة بالنصّ وليست الخلافة بالانتخاب، أين موضع الاحتجاج؟

موضع الاحتجاج في أوّل هذه الخطبة، لاحظوا عبارة أمير المؤمنين(ع) : ”فرأيتُ أنّ الصبر على هاتا أحجى فصبرتُ وفي العين قذى وفي الحلق شجا أرى تراثي نهبًا “

 «تراثي» ما معنى كلمة التراث؟  فالإمام أمير المؤمنين (ع)  يشير إلى مفهوم قرآني

هذا المفهوم القرآني هو  ان هناك جماعة اصطفاهم اللهُ واختارهم للإمامة، (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ- من هم؟ - ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ)

يعني تراث متواصلٌ من إبراهيم لأولاده، من أولاده إلى النبي محمّدٍ (ص) ، من محمّدٍ   إلى أولاده إلى ذرّيته، هذه الشجرة المباركة، الشجرة التي اصطفاها اللهُ واختارها من بين الخلق وقال عنها القرآنُ الكريمُ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ﴾ يعني بعضها يرث بعضًا، هذا هو التراث، ”أرى تراثي نهبًا“ أنا من الشجرة التي اصطفاها الله وأمدّها بالعلم وبالعصمة وبالتقوى وأمدّها بجميع المواصفات واختارها ونصّ عليها، فأنا من هذا التسلسل، أنا من هذا التراث، أنا من هذه الشجرة، ”أرى تراثي نهبًا.

أنتم تقرؤون في زيارة الحسين (ع)  ”السلام عليكم يا وارث آدم صفوّة الله.. وارث نوح نبي الله.. وارث إبراهيم خليل الله.. وارث موسى كليم الله.. وارث عيسى روح الله.. وارث محمّدٍ حبيب الله.. وارث أمير المؤمنين وليّ الله“

 مسألة شجرة متسلسلة اختارها اللهُ واصطفاها للعلم والعصمة والإمامة، إذن إذا كنتُ أنا من هذه الشجرة من أهل البيت الذين اختارهم الله واصطفاهم للإمامة فهذا تراثي ”أرى تراثي نهبًا“، إذن الإمام أمير المؤمنين من خلال هذه الفقرة يبيّن أنّ الخلافة اختيارٌ من الله، واصطفاءٌ من الله، وليست الخلافة بالانتخاب وليست بالشورى.

عليٌ قد أصرّ على الإعلان، صعد المنبر وتلا هذه الخطبة الشقشقيّة: الخلافة بالنصّ لا بالانتخاب.. إذا كان عليٌ يصرّ على ذلك فكيف نحن لا نسير على مسيرة علي(ع) ؟! وكيف لا نحتفل بعيد يوم الغدير لنؤكّد لجميع أفراد الأمّة أنّنا على خط الخطبة الشقشقيّة، نعلن أنّ الخلافة بالنصّ وليست بالانتخاب، أنّنا نشهد في أذانا، في صلواتنا، في إقامتنا أنّ عليًا ولي الله، أنّ عليًا أمير المؤمنين (ع)  .

الشهادة الثالثة صحيحٌ انها ليست جزءًا من الأذان لكنها مستحبّة، «أصبحت الآن شعار التشيّع في أعصارنا هذه لماذا؟

لأنّ الشهادة الثالثة هي الخطبة الشقشقيّة، وهي يوم الغدير، لأنّ الشهادة الثالثة امتدادٌ لهذا الصّوت وامتدادٌ لهذا الخط ولهذا النهج، الوسيلة الإعلاميّة الوحيدة التي من خلالها نحن نبلغ صوت علي هي الشهادة الثالثة.

 فالشهادة الثالثة مستحبّة وذات أجرٍ وذات ثوابٍ لأنها تُبْرِز صوتَ علي وتؤكّد يوم الغدير بحيث لا يُنْسَى ولا يُتُنَاسَى ولا يُغْفَل عنه

ويوم الدّوح دوح غدير خم  أبان  له الخلافة لو أطيعا

ولكنّ   الرّجال   تدافعوها فلم  أرَ  مثله  حقًا  أضيعا

الجواب الثالث :

كثيرٌ من الباحثين يطرح: ما هي الحاجة للبحث حول الإمامة؟! مسألة الإمامة مسألة تاريخيّة ونحن لا نستطيع أن نغيّر التاريخ، عليٌ كان يرى نفسه أولى بالخلافة وغيره تصدّى للخلافة ورضيت الناسُ بالواقع فلماذا البحث في مسألة عفا عليها الزمن؟!

لماذا نظلّ كلّ عام وكلّ يوم وساعة نقول: لا! لا! لا! الخليفة عليٌ! الخلافة بالنص! الخلافة ليست بالانتخاب!.. لماذا؟! وما الفائدة وما الجدوى؟!

فهل تستطيعون أن تقلبوا وجه التاريخ؟! لا، إذن ما هو الداعي لإثارة مسألةٍ تاريخيّةٍ إثارتها تثير الضغائن والأحقاد وتثير التفرقة بين المسلمين ؟!

لنصبّ جهودنا وطاقاتنا في بناء حاضرنا ونترك مسألة الإمامة ونُسْدِلُ عليها الستار.

ولكن الاختلاف حول الإمامة ليس اختلافًا تاريخيًا،  بل هو اختلافٌ منهجيٌ لماذا ؟

في هذا العصر عصر الفضاء وعصر العولمة المدّ الإسلاميُ يتنامى  يقولون: نحن نعرف العلمانيّة برنامجها معروفٌ الرأسماليّة برنامجها معروفٌ، المدّ الإسلامي ما هو برنامجه ؟  أسئلة تطرحها وسائلُ الإعلام: ما هو برنامجكم في الحكم؟ ما هو برنامجكم في الاقتصاد؟ ما هو برنامجكم في الحقوق

 المدّ العلماني عندما نهض وطرح نفسه تيّارًا على العالم سألوه عن برنامجه، فطرح برنامجه، التشيّع أيضًا خط، التشيّع أيضًا برنامجٌ وأطروحة، التشيّع هل هو مذهبٌ طقوسيٌ وشعائريٌ أم مذهبٌ له فلسفة، وله جذورٌ، وله فكرٌ، وله أطروحات، وله مباني، وله قواعد معيّنة.. التشيّع ما هي أطروحته؟ ما هو برنامجه؟

ما هو برنامج التشيّع في الاقتصاد وفي القضاء وفي كثير من الحقوق؟

التشيّع ما طرح نفسه كطقوس وشعائر، وإنّما التشيّع طرح نفسه على السّاحة العالميّة كخط، إذن لابدّ أن يكون له برنامجٌ، فما هو برنامجه؟

نحن كشيعةٍ من أين نأخذ برنامجنا

نحن نصرّ: برنامجنا كتشيّع هو برنامج علي بن أبي طالب(ع) ، منهجنا في الاقتصاد، في المرأة، في الحقوق، في القضاء، في جميع المجالات هو منهج علي بن أبي طالب، إذن صارت مسألة الإمامة مسألة ضروريّة، صار الاختلاف اختلافًا منهجيًا وليس اختلافًا تاريخيًا، خلاف علي وغيره خلافٌ منهجيٌ، عليٌ (ع) كان له منهجٌ، وقد ذكر منهجه من خلال كتابه «نهج البلاغة» فراجعوه.

إذن نحن ليس غرضنا من إثارة هذا البحث التفرقة بين المسلمين، فإنّنا أوّل من نادى بالوحدة والتقريب بين المسلمين، وعليٌ (ع)  أوّل من سالم وأوّل من قال: ”لأسالمن ما سلمت أمور المسلمين“،نريد أن نقول: هل المنهج الذي يجب أن يتبّع هو منهج علي أو منهج غيره؟

إذن نحن نريد أن نؤكّد في بحثنا عندما نتعرّض للخطبة الشقشقيّة وغيرها أنّ الخلاف منهجيٌ وليس الخلاف شخصيًا، أنّ الخلاف منهجيٌ وليس الخلاف تاريخيًا وأنّ منهجنا هو منهج علي بن أبي طالب.

والإمام علي (ع) في الخطبة الشقشقيّة يؤكّد أنّ الاختلاف اختلافٌ في المنهج يقول:

 ”أمّا والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجّة بوجود الناصر وما أخذ الله - هذا هو منهج علي، وما أخذ الله على العلماء ألا يقارّوا على كظة ظالم ولا على سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أوّلها“  «يشرح منهجه»: ”وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع إلى أن انتكث فتله وأجهز عليه عمله“ يعني هذا المنهج مرفوضُ عندي، منهجي يختلف عن هذا المنهج.

يقول في نفس الخطبة: ”فمُنِيَ الناسُ“ يعني المنهج هذا أثر على الناس، المنهج الذي لا أرتضيه أثر على الأمّة، ”فمُنِيَ الناسُ لعمر الله بخبطٍ وشماسٍ وتلوّن واعتراض، فصبرتُ على طول المدّة وشدّة المحنة“ هذه ليست محنتي أنا، محنة الناس، محنة الأمّة، ”فصبرتُ على طول المدّة وشدّة المحنة“

إذن عليٌ يشرح من خلال الخطبة الشقشقيّة أنّ الخلاف منهجيٌ وليس الخلاف شخصيًا، لذلك أصرّ على هذه الشقشقة التي هدرت ثم قرّت.

عندما يمرّ علينا يوم الغدير فهو يوم البيعة، يوم المعاهدة الذي نعاهد فيه عليًا بن أبي طالب على أنّ منهجنا منهجه وخطنا خطه وسبيلنا وسبيله وعلى أنّنا على إمامته حتى يقوم مهديّ هذه الأمّة فيملأ الأرض قسطًا وعدلاً كما ملئت ظلمًا جورًا.

والحمد لله ربّ العالمين

_ من محاضرة للسيد منير الخباز _ بتصرف واختصار

 

 

 


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=1025
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 07 / 29
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 09 / 27