• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : عاشوراء .
                    • الموضوع : ثورة الحسين دروس وعبر عبرالعصور .

ثورة الحسين دروس وعبر عبرالعصور

بسم الله الرحمن الرحيم

ثورة الحسين دروس وعبر عبرالعصور

الشيخ إبراهيم نايف السباعي

نعيش شهري محرم الحرام وصفر وتجيش فيهما عواطفنا وأحاسيسنا ومشاعرنا، نرفع فيهما راية الحداد والحزن، فنرثي ونبكي فيهما سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته وأصحابه الذين ذبحوا في كربلاء وقطعت رؤوسهم ورفعت على رؤوس الرماح، ونلبس السواد ونهجر الفرح والمرح بإرادتنا ولحبنا لهذا الرجل العظيم الذي ضحى في سبيل الله ومن أجل أن يبقى دين الإسلام خالداً ورايته براقة ترفرف عالياً.

نعيش أيام كربلاء بواقعية حيث نستعرض فيها ما حصل على سبط النبي صلى الله عليه وآله ونقرأ مجالس العزاء ونستعرض طريقة قتلهم وذبحهم لنفوسهم الأبية التي رفضت الذل والخنوع، حيث سنحت للإمام عليه السلام أن يهرب ويترك الأمر أو يبايع الطاغية يزيد لكن أبيّ الضيم أبى ورفض وقال كلمته المشهورة: هيهات منا الذلة.

نعيش أيام عشوراء ونسير مع السبايا السيدة زينب عليها السلام وأخواتها والأطفال، ومن حملت معها من نساء وبنات رسول الله صلى الله عليه وآله من كربلاء إلى الكوفة فقصر الطاغية عبيد الله بن زياد عليه لعائن الله ومن ثم إلى الشام هدايا إلى قصر طاغية عصره يزيد بن معاوية بن أبي سفيان.

هل خرج الحسين عليه السلام من أجل سلطة؟

بالطبع لا، لم ينهض بثورته تلك من أجل مال لذات المال ولا جاه من أجل الجاه ولا زعامة من أجل الحكم والزعامة، بل من أجل الوصول لإقامة دولة العدل الإلهي فيحكم بحكم الله تعالى ومن أجل أهداف أخرى سامية ذكرها في خطبه إلى كربلاء..

نحن عند ذكرنا لواقعة الطف الاليمة نستذكر الأهداف التي قام من أجلها الإمام الحسين عليه السلام وضحى بروحه وأولاده واخوانه وأصحابه في سبيل الدين الإسلامي، أراد عليه السلام رفع الظلم عن الأمة، وتثبيت القيم التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله، وتطبيق المبادئ التي من أجلها بعث رسول الله صلى الله عليه وآله، فتحمل(ص) وصبر في جنب الله، حتى أوصل الأمة إلى ما وصلت إليه قال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ..}.آل عمران/110

توافق الأهداف بين النبي(ص) والحسين(ع)

الأهداف التي سعى النبي(ص) إلى تحقيقها، هي: أن يرفع الظلم عن الناس، ويزكيهم ويتكفل بهدايتهم وتعليمهم الكتاب والحكمة، قال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} الجمعة/2، فتزكية الإنسان هدف من الأهداف النبوية، وكي تستمر هذه الأهداف كان لا بد من حمايتها وتحصينها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والإمام الحسين عليه السلام انطلق بنهضته تلك بعد ما رأى الحقيقة التي عبر عنها بصراحة:

الا ترون إلى الحق لا يعمل به، والى الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربه حقاً حقا، فاني لا أرى الموت الا سعادة، والحياة مع الظالمين الا برما. صحيفة الحسين (ع) - جمع الشيخ جواد القيومي - الصفحة ٢٧٨

إذن: تجسدت نهضته عليه السلام بهذه الأسباب:

... وأني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآله أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي.

نحيي كل عام مناسبة عاشوراء وعلى مدى شهري محرم وصفر، حيث نستحضر سيرة الحسين عليه السلام، قراءة وخطابة ومؤتمرات وندوات ومجالس عزاء وإلقاء قصائد ولطميات وتمثيلاً لواقعة الطف، حيث نحاكي ما حدث في كربلاء وما تلاها من أحداث، من أجل أن نستلهم الدروس والعبر، ونجدد طاقاتنا الإيمانية ونشحنها بالوعي والبصيرة، ولكي لا تنحرف البوصلة عن الهدف.

نعم قام من أجل الدين، ولا شيء غير الدين، ونحن نجسد إلتزامنا بأهدافه عليه السلام بالعمل والسير على خطاه.

الدروس المستفادة من عاشوراء:

  1. احياء الدين، قال الإمام الصادق عليه السلام: أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا، وأصدق مثال على الاحياء هو العمل بتعاليم هذا الدين،  والإلتزام بالواجبات الشرعية، من صلاة وزكاة وحج وصوم وجهاد..

فالإمام الحسين وأصحابه إنما جاهدوا من أجل بقاء الدين وقيم الإسلام، وليس من أجل أطماع وأغراض دنيوية، يقول الإمام الحسين في سبب خروجه وحركته، حيث كان عليه السلام يذّكر بذلك كل من سار معه، وكلما حانت منه فرصة، أو نزل في محطة أو استراحة أو وجد مناسبة، كان يقول للناس: ..إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي..

وفي يوم عاشوراء عندما كان العباس بن علي بن أبي طالب في وسط المعركة يقاتل قتال الأبطال فتقطع يده اليمنى فلا يبالي بل يقول:

والله  إن  قطعتمو يميني *** إني أحامي أبدًا عن ديني

وعاشوراء تميز الناس بين محب وباكي فقط، ـ كما كان كثيرون من أهل العراق آنذاك، كما ذكر الفرزدق: قلوب الناس معك وسيوفهم عليك ـ وبين من يخرج من عاشوراء وبيده أجندة فيها كل دروس الجهاد والحياة التي أرادها الله لنا.

علينا أن نخرج من أجواء عاشوراء بهذه الروحية التي كان أبو الفضل العباس عليها، وبعزم وتصميم على الالتزام بتعاليم الدين، والاجتناب عن المعاصي، والتوبة إلى الله تعالى والمواظبة على أداء الصلوات وجميع الواجبات الأخرى.

وأن نضحي في سبيل هذا الدين حتى لو كانت تلك التضحيات قطع أيدي وسفك دماء وتقطتع أجساد وزهق أرواح وأنفس.

  1.  تحمّل المسؤولية الاجتماعية

أصر الإمام عليه السلام على الخروج إلى العراق، ولم يستمع لكل النصائح التي ألقيت عليه من كل صوب وناح، لأن أهداف الحسين عليه السلام تختلف عن أهدافهم، أراد الإمام عليه السلام السير إلى الله تعالى طالباً رضاه غير مبال بما يجري عليه وعلى أهل بيته طالما هي بعين الله تعالى، وهم أرادوا له السلامة والحياة في الدنيا، وأن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لغيره، لكنه أبى وأصر فالتحق بقافلة الشهداء.

لماذا لم يستمع الإمام الحسين عليه السلام إلى نصائحهم؟ وبقي في المدينة أو كان ليذهب إلى مكة المكرمة.

لماذا خرج بنفسه مع وجود أخرين من أصحاب رسول الله؟ كان للإمام عليه السلام خيارات أخرى وبدائل عن ذهابه واستشهاده، حيث كان بإمكانه البقاء في بيته أو الجلوس في المسجد، ولن يتعرض له أحد بأذى، لكنه رفض وأبى إلا أن يحمل راية التغيير ويتحمل المسؤولية الشرعية كاملة، حيث يقول:   وأنا أحق من غيّر..

أقول: نحن علينا أن نتحمّل المسؤولية تجاه شعبنا ومجتمعنا خصوصاً في هذه الظروف الحالكة الصعبة، فعلى كل واحد منّا أن يقوم بدوره، ولكل واحد منا مسؤوليات جسام، لما لا نكون عنصراً مساعداً في مجتمعاتنا بأن نكون متطوعين  في جمعيات كجمعية الإمداد ومؤسسة الشهيد... أو حتى تكوين مجموعات صغيرة تلتقي على خدمة الناس وقضاء حوائجهم.

لا تقف المسؤولية الاجتماعية عند حد ما بل يتعداه إلى التكافل الاجتماعي والتعاون الاجتماعي والتفاعل مع الآخرين، ما يبعث فينا روح الإحساس والتعاون.

  1. مراعاة حقوق الناس والعباد.

هذا ما كان النبي صلى الله عليه وآله يخاف منه على أمته، لذا كان يذكر بها أصحابه دائماً، ورد عنه صلى الله عليه وآله: أتدرون ما المفلس؟ فقيل: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع له، فقال:

المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فان فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار، بل قد يقال: إن المفلس حقيقة هو هذا. (بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٦٩ - الصفحة ٦)

وهذا ما جعل الإمام الحسين عليه السلام في ليلة العاشر من المحرّم يأمر مناديًا ينادي بين أصحابه: لا يقتل معنا رجل وعليه دين"، فقام إليه رجل من أصحابه فقال له: "إن عَلَيَّ دينًا وقد ضمنته زوجتي"، فقال: "وما ضمان امرأة؟"، والمعنى أن المرأة ليس لديها إمكانات مادية عادة.

ملحقات إحقاق الحق ١٩: ٤٢٩، ترجمة الإمام الحسين (عليه السلام) من الطبقات لابن سعد: 71 ح 291 مختصرا.

وروي عن موسى بن عمير عن أبيه قال: أمرني الحسين بن علي  قال: "نادِ أن لا يقتل معي رجل عليه دين، فإني سمعت رسول الله يقول: من مات وعليه دين أخذ من حسناته يوم القيامة". المصدر السابق

أراد الإمام عليه السلام أن يستشهد معه التقي النقي الورع صاحب الصفاء والنقاء، لأن الاستشهاد معه رحلة إلى رضوان الله تعالى، فلا يصح أن يلتحق بها إلا الصافي وخالي الذمة من حق الله تعالى ومن حق الناس وأموالهم، وأن لا يكون سبباً عليه السلام أو مساعداً في تفويت مصالح الناس أو هدر أموالهم وحقوقهم وتضييعها.

بهذا يكون الإمام عليه السلام قد قدّم أروع مثال يُحتذى به ودرساً متميزاً من دروس العشق الإلهي، وبهذا يكون قد قدم أداءً رائعاً بأن قدّم حق الناس على شرف الجهاد والنصرة له ـ مع شدة حاجته للناصر والمعين ـ وهذا إن جعلناه في ميزان كان في غاية الروعة ودرجة سامية من دروس الأخلاق والنبل. نعم إن أئمتنا عليهم السلام حياتهم دروس عملية وهذا نموذج من دروسهم عليهم السلام العملية الأخلاقية العظيمة لنا ولكل الأجيال التي ستلي في كل الأمكنة والأزمنة.

نعم لنجعل بوصلتنا الإمام الحسين عليه السلام في عاشوراء وتعاليم دينه التي قام من أجلها فلا نؤذي أحداً، ونرفع الظلم عن كل مظلوم، ونؤدي حقوق الله وحقوق الناس، وبهذا نكون قد حفظنا الدين والدنيا.

 


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=1034
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 09 / 14
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 09 / 27