• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .
              • القسم الفرعي : مقالات .
                    • الموضوع : تحديات تواجه الإنسان وسبل الفلاح .
                          • رقم العدد : العدد السابع والثلاثون 37 .

تحديات تواجه الإنسان وسبل الفلاح

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تحديات تواجه الإنسان وسبل الفلاح

الشيخ إبراهيم نايف السباعي

تحدثنا فيما مضى عن أربعة من تحديات المراحل الصعبة التي ستواجه الإنسان، وذكرنا بالتفصيل كيفية تذليلها، بقي لدينا ثلاثة ليكون المجموع سبعة تحديات، وهي: 1- الشيطان 2- الحواس مع النفس الأمارة بالسوء 3- مخالطة الناس(العِشرة) 4- حسن الخاتمة وسوء الخاتمة 5- ساعة الحساب 6- مرحلة الميزان 7- المشي والثبات على الصراط.

يتبقى من التحديات الصعبة: 1- ساعة الحساب 2- لحظة الميزان 3- جسر  الصراط.

ما زال الحديث عن التحديات، والصعوبات التي تواجه الإنسان من حين بلوغه وتكليفه إلى موته وبعثه وحشره، ووقوفه أمام الخلائق للحساب الإلهي، منتظراً السؤال عما قال وفعل في حياته الدنيا، وهذا أمرٌ حتمي الوقوع، قال تعالى: {وقفوهم إنهم مسؤولون}الصافات/24 نعم، سيسأل ثم يأخذ نتيجة الحساب النهائية، وبعدها يساق إلى الجنة أو إلى النار.

 

5- التحدي الخامس ساعة الحساب:

انتبه يوم القيامة من الحسرة والندامة ساعة الحساب، حيث لا عمل ينجيك ولا صديق ينفعك أو يشفع لك، إلا ما عملت في دنياك من فائدة وقدمته لحياتك الأخروية، حيث كانت الدنيا بالنسبة إليك فرصة، ومزرعة مباحة لك تبذر فيها ما تشاء؛ لتحصده غداً في دار الحيوان فرحاً وسعادة، وإذا ما جاءت لحظة الحساب كانت لك عوناً تنجيك من عذاب أليم.

قال رسول الله(ص): ألا وإنكم في يوم عمل ولا حساب فيه، ويوشك أن تكونوا في يوم حساب ليس فيه عمل. أعلام الدين/345.

إن الآيات الكريمة والاخبار والروايات الشريفة قد دلت على فظاعة يوم الحساب، وكم من حسرة وندامة تنتاب الإنسان، والبكاء على ما قدمت فيه يداه، فيطلب العودة للدنيا لجبر ما كسره وتعويض ما فاته، لكن الجواب: كلا، وتراه يتمنى لو يعود إلى تراب كي لا يحاسب ويعاقب، لأن الحساب عسير والعقاب شديد.

ولقد حفزتنا الآيات الكريمة والروايات الشريفة، على السعي الدؤوب للفوز بحساب سهل يسير وذلك بالعمل الصالح، لأنه يعود علينا يوم القيامة بالثواب الكثير والحسنات الثقال، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

قال تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ}الأنبياء/1، إن أشد التحديات صعوبة هي لحظة الحساب وساعته، حيث يتوقف العمل ولا يبقى للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى، الذنوب التي ارتكبناها ولم نبادر فيها إلى التوبة والاستغفار، ولم نندم على ما اقترفته أيدينا، أو نعالج تعدياتنا وطغياننا على غيرنا من ظلم بطلب العفو والمسامحة، نرى هذه الأشياء وتبعاتها وعواقبها الوخيمة ماثلة أمامنا وملازمة لنا.

قال أمير المؤمنين عليه السلام: "الحساب قبل العقاب، الثواب بعد الحساب". غرر الحكم 380، عنه ميزان الحكمة ج 1 ص 618، لأن العقاب نتيجة التجارة الخاسرة التي كانت مع الشيطان والنفس الأمارة بالسوء، وأما التجارة التي كانت مع الله تعالى فهي تجارة لن تبور وهي المستحقة للثواب الجزيل.

ساعة الحساب من أصعب المشكلات والتحديات، لسببين:

1- لعدم التهيؤ لها أو الاستعداد للجواب عن سؤالها، من خصها في باله أن أعماله في الحياة الدنيوية سوف يسأل عنها بالتفصيل، أو سوف تتشكل صوراً وأشكالاً؟

وأن كل ما فعل وقال مدون في كتاب، لا يغادر صغيرة وكبيرة إلا أحصاها وحتى الهمسة واللمسة؟ لذا ستكون المفاجأة، قال تعالى: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} ق18، وقال تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} سورة/الزلزلة7ـ8.

 

لماذا نحاسب أنفسنا؟

قال النبي (ص): حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا. وسائل الشيعة ج١٦ ص٩٩، وكان النبي(ص) دائم التذكير لأصحابه ولنا؛ كي نتحضر ونستعد لهذه اللحظة، فمن سمع واستعد فاز بسهولة الحساب، ومن لم يستمع وينصت فهذه لحظة الحسرة والندامة.

إن المحاسبة لأنفسنا هي من باب نقد الذات، أو مراجعة ذاتية سريعة لأنفسنا وأعمالنا، كي نصلح ما أفسدنا أو نزيد في أعمال الخير والصلاح التي فعلنا وأتينا، قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: من حاسب نفسه وقف على عيوبه، وأحاط بذنوبه واستقال الذنوب، وأصلح العيوب. غرر الحكم/8927، 4656

2- للسهو والغفلة عن هذا التحدي العظيم الذي ينتظر الإنسان، حيث لا مال ولا بنون يفتدي به، ولا ولد يساعده أو جاه يغنيه، قال تعالى: {لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد}ق22، وقال تعالى: {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون}الانبياء/1، وقال تعالى: {واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا..}الانبياء/97

 

علاج الغفلة وعدم الاستعداد والتهيؤ له

إذا عُرف السبب بطل العجب، إذا اردنا رفع الغفلة عنا ليوم الحساب، والاستعداد والتهيؤ له علينا الاستماع والانصات للمواعظ المذكرة بالآخرة، وقراءة القصص الحّق المؤثرة في النفوس وأخذ العبر، المحفزة لنا والدافعة لنا للاستعداد ليوم الحساب، قال الإمام الصادق (ع): كان فيما وعظ به لقمان ابنه: اعلم أنك ستسأل غداً إذا وقفت بين يدي الله عزَّ وجلَّ عن أربع: شبابك فيما أبليته، وعمرك فيما أفنيته، ومالك مما اكتسبته وفيما انفقته، فتأهب لذلك وأعد له جواباً. أصول الكافي 2/134

 

 

مع أي صنف أنت يوم الحساب؟

ورد عن أبي الدرداء سمعت رسول الله (ص)، يقول: قال الله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله}فاطر32، فأما الذين سبقوا فأولئك يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك الذين يحاسبون حساباً يسيراً، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك يحبسون في طول المحشر، ثم هم الذين يلقاهم الله برحمة، فهم الذين يقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، إن ربنا لغفور شكور، الذي أحلنا دار المقامة من فضله، لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب. تفسير الميزان للسيد الطباطبائي ج ١٧ ص ٥٠

ورُوِيَ عن أمير المؤمنين(ع)، أنَّه قال:... والناس يومئذٍ على طبقات ومنازل، فمنهم من يحاسب حساباً يسيراً وينقلب إلى أهله مسروراً، ومنهم الَّذين يدخلون الجنَّة بغير حساب، لأنَّهم لم يتلبّسوا من أمر الدنيا بشيء، وإنَّما الحساب هناك على من تلبَّس ها هنا، ومنهم من يحاسب على النقير والقطمير، ويصير إلى عذاب السعير، ومنهم أئمة الكفر وقادة الضلال، فأولئك لا يقيم لهم وزناً، ولا يعبأ بهم، لأنَّهم لم يعبأوا بأمره ونهيه، فهم في جهنَّم خالدون، تلفح وجوههم النَّار، وهم فيها كالحون. تفسير الميزان ج ٢٠ ص ٢٤٧

إن لطول وقوف الناس يوم القيامة سبب معين يناط به؛ فليس حساب العالم كحساب الجاهل ولا العامد كالساهي أو الغافي، بل يحتاج هذا دقة كبيرة في الحساب وبالتالي مدة طويلة من الزمن، حدد الإمام محمد الباقر(ع) ذلك بقوله: إنَّما يداقّ الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا. بحار الأنوار ج ١ ص ١٠٦

 

أعمال تفرّج وتيّسر وتسهّل

قال تعالى: {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم..} الرعد/21،

وقال النبي(ص): حسّن خُلقك يخفف الله حسابك.البحار77/194

وقال الإمام الصادق(ع): إن صلة الرحم والبر ليهونان الحساب ويعصمان من الذنوب، فصلوا أرحامكم، وبروا بإخوانكم، ولو بحسن السلام ورد الجواب. ميزان الحكمة  ج ٢ ص ١٠٥٥

لا يخفى، كم لأعمال الخير والصلاح من سحر عجيب على تسهيل عملية الحساب؛ حيث بها تُمحى المعاصي من كتاب السيئات، ويُفرج بها كل عسير ويوسع بها كل ضيق، ولكن شرطها أولاً: التوبة وبعدها الاستغفار، كما ورد في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ...}التحريم/8.

طرق مُساعدة لتذليل الصعوبات ورفع التحديات

ومن الخطوات العملية التي علينا اتباعها في خريطة الطريق للإصلاح وتدارك الأمور مسائل:

  1. المواظبة على قراءة دعاء كميل، فهو مؤثر في عملية رفع ما كتب علينا؛ وحيث يقوم بتذكيرنا بكتاب أعمالنا والصحف التي تنتظرنا، وفقراته تحثنا على لزوم تصحيح ما ورد في الكتاب من معاصي، جاء في دعاء كميل:

اَللّهُمَّ اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تَهْتِكُ الْعِصَمَ، اَللّـهُمَّ اغْفِـرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ النِّقَمَ، اَللّهُمَّ اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُغَيِّـرُ النِّعَمَ، اَللّـهُمَّ اغْفِرْ لي الذُّنُوبَ الَّتي تَحْبِسُ الدُّعاءَ، اَللّـهُمَّ اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ الْبَلاءَ، اَللّهُمَّ اغْفِرْ لي كُلَّ ذَنْب اَذْنَبْتُهُ، وَكُلَّ خَطيئَة اَخْطَأتُها... اَللّهُمَّ لا اَجِدُ لِذُنُوبي غافِراً، وَلا لِقَبائِحي ساتِراً، وَلا لِشَيء مِنْ عَمَلِي الْقَبيحِ بِالْحَسَنِ مُبَدِّلاً غَيْرَكَ لا اِلـهَ إلاّ اَنْتَ سُبْحانَكَ وَبِحَمْدِكَ ظَلَمْتُ نَفْسي، وَتَجَرَّأْتُ بِجَهْلي وَسَكَنْتُ اِلى قَديمِ ذِكْرِكَ لي وَمَنِّكَ عَلَيَّ، اَللّهُمَّ مَوْلاي كَمْ مِنْ قَبيح سَتَرْتَهُ وَكَمْ مِنْ فادِح مِنَ الْبَلاءِ اَقَلْتَهُ (اَمَلْتَهُ) وَكَمْ مِنْ عِثار وَقَيْتَهُ، وَكَمْ مِنْ مَكْرُوه دَفَعْتَهُ، وَكَمْ مِنْ ثَناء جَميل لَسْتُ اَهْلاً لَهُ نَشَرْتَهُ، اَللّهُمَّ عَظُمَ بَلائي وَاَفْرَطَ بي سُوءُ حالي، وَقَصُرَتْ (قَصَّرَتْ) بي اَعْمالي وَقَعَدَتْ بي اَغْلالى، وَحَبَسَني عَنْ نَفْعي بُعْدُ اَمَلي (آمالي)، وَخَدَعَتْنِي الدُّنْيا بِغُرُورِها، وَنَفْسي بِجِنايَتِها (بِخِيانَتِها) وَمِطالي، يا سَيِّدي فَأَسْأَلُكَ بِعِزَّتِكَ اَنْ لا يَحْجُبَ عَنْكَ دُعائي سُوءُ عَمَلي وَفِعالي، وَلا تَفْضَحْني بِخَفِي مَا اطَّلَعْتَ عَلَيْهِ مِنْ سِرّى، وَلا تُعاجِلْني بِالْعُقُوبَةِ عَلى ما عَمِلْتُهُ في خَلَواتي مِنْ سُوءِ فِعْلي وَإساءَتي وَدَوامِ تَفْريطي وَجَهالَتي وَكَثْرَةِ شَهَواتي وَغَفْلَتي، وَكُنِ اللّهُمَّ بِعِزَّتِكَ لي في كُلِّ الْاَحْوالِ (فِي الْاَحْوالِ كُلِّها) رَؤوفاً وَعَلَي في جَميعِ الْاُمُورِ عَطُوفاً... مفاتيح الجنان

  1. بسط اليد في الصدقة، وهي من أهم الأمور وأشدها في تصحيح مسار الإنسان إلى عالم الآخرة، أما في الدنيا ففيها يدفع الله عنا البلاء، ويشفي المرضى ويندفع عنا الكثير من الأمراض، وتقضي بها الحوائج وتدفع عنا ميتات السوء.. وأما عند سكرات الموت، فإنها مخففة للمحتضر الآلام وأوجاع النزع وداعمة له، وأما في القبر فحدث ولا حرج فهي توسع في القبر وتؤنس وحشة القبر، وتكفيه سؤال الملكين وتنير قبره وتؤنسه إلى يوم القيامة، وأما في البرزخ فإنها تأتيك بالثواب والحسنات يومياً.

وهذا ما يردده النبي(ص) على أصحابه: إذا مات الإنسان أنقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية.. روضة الواعظين، ويوم البعث وعند النشر والحشر؛ فإنها ملازمة لكم حتى تصل بكم إلى ساعة الحساب، وما يهمنا في هذا المقام؛ هو أنها معالجة للسيئات برفعها، ولتنظيف كتاب الأعمال بمسحها الذنوب؛ ليعود الكتاب نظيفاً نقياً من كل ذنب ومعصية؛ فلا فضيحة ولا كشف سريرة أمام الأشهاد؛ لأن الصدقة ترفع كل تبعات المعاصي، والصدقة التي يدفعها المؤمن تقع بيد الله تعالى، قال تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}التوبة: 104.

قال تعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}البقرة: 271.

قال تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}البقرة: 265

ورد عن رسول الله(ص): الصدقة... تدفع القضاء وقد أُبرم إبرامًا. المجلسي، كتاب بحار الأنوار، ج 96، ص 137.

وورد عن رسول الله (ص) أيضاً: تصدّقوا، وداووا مرضاكم بالصدقة، فإنّ الصدقة تدفع عن الأعراض والأمراض، وهي زيادة في أعماركم وحسناتكم. ميزان الحكمة، ج 2، ص 1595

ورد عن الإمام الصادق (ع): أرض القيامة نار ما خلا ظلِّ المؤمن، فإنَّ صدقته تظلّه. كتاب الكافي، ج 4، ص 3.

وقد تعودنا أن نداوي مرضانا بالصدقة بعد المرض، أو ندفع الصدقة لرفع البلاء بعد نزوله، لكن لما لا ندفع الصدقة قبل وقوع البلاء؟ أو نعطي الصدقة قبل أن نتمرض؟ أليس هذا أفضل وأحسن؟ وعن النبي (ص): إن الله لا إله إلا هو ليدفع بالصدقة الداء، والدبيلة، والحرق، والغرق، والهدم، والجنون فعد (ص) سبعين بابا من الشر. البحار: ٦٢ / ٢٦٩ / ٦١.

  1. الإدمان على قراءة القرآن الكريم، والتسبيح والتهليل والصلاة على محمد وآل محمد تعطي من الحسنات الشيء الكثير والقدر الكبير، فعلينا ملازمة ذلك يومياً لمن أراد تبديل السيئات التي في كتاب أعماله بحسنات، أو تبديل المعاصي الكثيرة التي كتبت في صحف أعماله بثواب أكبر وحسنات أكثر.

حقوق الناس ومظالم العباد:

ورد عن الرسول الأكرم(ص)، أنه قال: أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع عنده، فقال الرسول (ص): كلا المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النَّار. بحار الأنوار ج ٦٩ ص ٦

علاج ذلك هو طلب العفو والمسامحة والاستغفار لمن ظلم في ظهر الغيب، والتصدق عنه..

6- التحدي السادس: عند الميزان

 قال تعالى: {والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه} الاعراف/8ـ 9

قال تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة..}الانبياء/47

المشكلة التي تواجهنا يوم القيامة بعد الحساب هي مرحلة الميزان، نعم لقد تم حسابنا لكن لم يبرم الأمر فيه، حيث سيبقى معلقاً مصير الإنسان حتى ينتهي من مرحلة الميزان تماماً.

فالأعمال في مرحلة الميزان توزن، والوزن سيكون من شُعب حساب الأعمال، قال تعالى: {يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره}الزلزلة6ـ8، حيث ذكر سبحانه وتعالى العمل وأضاف الثقل إليه خيراً وشراً.

ولا يخفى أن الوزن يوم القيامة لا يكون للعامل بل للعمل الذي يحمل، فلا معنى لوزنه كجسد وبدن، لأن أجساد الخلائق يوم القيامة واحدة في الطول والوزن، لكن توزن الأعمال التي يحملون، قال تعالى: {أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً} الكهف/105

ولكل عمل وحدة توزن به، فللصلاة مثلاً ميزان توزن به، وهي الصلاة التامة التي هي حق الصلاة المطابقة للمواصفات التي ذكرها النبي(ص)، وللصوم كذلك، وللزكاة والخمس كذلك، وللأنفاق والصدقة كذلك، وللكلام حق القول الذي لا يشتمل على باطل... وهكذا

والأعمال التي تثقل ميزان حسناتنا ـ وترفع المشكلة التي تتحدانا في مرحلة الميزان ـ كثيرة نذكر منها:

  1. شهادة أن لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
  • قال النبي(ص): إن نبي الله نوحا لما حضرته الوفاة، قال لابنه : إني قاص عليك الوصية، آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين، آمرك بـ لا إله إلا الله، فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة، ووضعت لا إله إلا الله في كفة، رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله، وسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق الخلق، وأنهاك عن الشرك والكبر. مجمع الزاوئد ومنبع الفوائد، كتاب الوصايا، وصية نوح لابنه
  • قال أمير المؤمنين (ع): وتشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، شهادتين تصعدان(تسعدان) القول، وترفعان العمل، لا يخف ميزان توضعان فيه، ولا يثقل ميزان ترفعان عنه. نهج البلاغة، خطبة/114
  1. ذكر الله مطلقاً بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير.

قال رسول الله (ص): كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده. حديث متفق عليه، تحفة الأحوذي

وفي خبر آخر عنه (ص) أنه قال: التسبيح نصف الميزان، والحمد لله يملؤه، والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض. دعوات الراوندي

  1. ذكر الصلاة على محمد وآل محمد.

قال النبي(ص): الصلاة عليَّ نور الصراط، ومن كان له على الصراط من النور لم يكن من أهل النار. بحار الأنوار ج ٩١ - الصفحة ٦٤

روي عن علي (ع) أنه قال: الصلاة على النبي وآله أمحق للخطايا من الماء للنار، والسلام على النبي وآله أفضل من عتق رقبات، وحب رسول الله صلى الله عليه وآله أفضل من مهج الأنفس، أو قال: ضرب السيوف في سبيل الله. بحار الأنوار ج ٩١ - الصفحة ٦٥

وورد عن أبي عبد الله(ع) أنه قال: إذا ذكرتم النبي صلى الله عليه وآله فأكثروا الصلاة عليه؛ فإنه من صلى على النبي صلاة واحدة صلى الله عليه ألف صلاة في ألف صف من الملائكة، ولم يبق شيء مما خلق الله إلا صلى على ذلك العبد لصلاة الله وصلاة ملائكته، فمن لا يرغب في هذا؟ إلا جاهل مغرور، قد برئ الله منه ورسوله. جامع الأخبار 70

  1.  الخلق الحسن والمعاشرة الحسنة مع كل الناس.

ورد عن النبي (ص): ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق. عيون أخبار الرضا(ع) ج٢ ص٣٧ ح ٩٨

وعنه (ص): ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء. تحفة الأحوذي والأشياء تعرف بأضدادها، فعلينا الحذر من الأعمال التي تخفف من ثقل الميزان، نذكر بعضها:

  1. الرياء

الرياء: هو طلب المنزلة في قلوب الناس بإراءتهم خصال الخير. كتاب الأخلاق لشبر، ص 188.

قال النبي(ص): إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال الرياء. ميزان الحكمة ج ١ ص ١١١

وقد ورد عن الإمام الصادق (ع): قال النبي (ص): إن الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجاً به فإذا صعد بحسناته يقول الله عزَّ وجلَّ: اجعلوها في سجّين، إنه ليس إياي أراد بها. شرح أصول الكافي -  المازندراني ج ٩ ص ٢٩٤

روي: أنه يأمر الله عزَّ وجلَّ برجال إلى النار فيقول لمالك: قل للنار: لا تحرقي لهم أقداما فقد كانوا يمشون إلى المساجد، ولا تحرقي لهم أيديا، فقد كانوا يرفعونها إلي بالدعاء،... فيقول مالك: يا أشقياء فما كان حالكم؟ فيقولون: كنا نعمل لغير الله، فقيل لنا: خذوا ثوابكم ممن عملتم له. البحار 8 / 325 / 102

ولسان حال يوم القيامة، أن يقول الله عزَّ وجلَّ لأصحاب الشرك الأصغر يوم القيامة إذا حاسب الخلائق: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء!؟

ورد عن عثمان بن عيسى، عن علي بن سالم، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال الله تعالى: أنا أغنى الأغنياء عن الشريك، فمن أشرك معي غيري في عمل لم أقبله إلا ما كان لي خالصا. وسائل الشيعة ج ١ ص ٧٣

2 - انتهاك الحرمات الناس

قال النبي(ص): لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا فيجعلها الله عزَّ وجلَّ هباء منثورا قال ثوبان يا رسول الله صفهم لنا جلهم لنا أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم قال أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها. البحار ج 71 ص197.

 

3- ظلم العباد وسبهم وشتمهم، والغيبة والنميمة..

في خبر أنه جاء رجل، فقعد بين يدي رسول الله (ص)، فقال: يا رسول الله! إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني، وأشتمهم وأضربهم؛ فكيف أنا منهم؟! فقال رسول الله (ص): إذا كان يوم القيامة؛ يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك، وعقابك إياهم؛ فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم؛ كان كفافا لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنبهم، كان فضلا لك وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم؛ اقتص لهم منك الفضل، فتنحى الرجل وجعل يهتف ويبكي، فقال له رسول الله(ص):

أما تقرأ قول الله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ}الأنبياء/47 فقال الرجل: يا رسول الله! ما أجد لي ولهؤلاء شيئاً خيراً من مفارقتهم؛ أشهدك أنهم كلهم أحرار.مر تخريجه

إذن: يتحتم علينا أن نكون حريصين كل الحرص منذ اللحظة وما بعدها على الأعمال التي تثقل موازيننا، ونكون حذرين أشد الحذر من الاعمال التي تخفف موازيننا.

 

7- التحدي السابع: المشي على الصراط

قال تعالى: {إن ربك لبالمرصاد} الفجر/14.

وقال (ص): إن الصراط بين أظهر جهنم دحض مزلة. كنز العمال/39034

قال أمير المؤمنين علي(ع): وأعلموا أن مجازكم على الصراط ومزالق دحضه.. شرح النهج لابن أبي الحديد 6/263

بعد تمام مراحل يوم القيامة، وتجاوز تحدياتها والخوض في صعابها والخروج بنجاح، يبقى التحدي الأخير وبه كل النجاح؛ وهو التمكن من عبور وسلوك جسر الصراط إلى الجانب الآخر، حيث سلوكه صعب وعسير حيث يجده كل واحد منا حسب إيمانه وأعماله إن خيراً فخير وإن شراً فشر، فالكافر حيث لا إيمان له فلا يكاد يضع قدمه على الصراط حتى تنزلق به إلى جهنم، وأما غيره من الناس فكل  بحسب إيمانه وأعماله.

قال الإمام الصادق(ع): مسير الناس آنذاك على الصراط هو أدقّ من الشَّعرة، وأحدّ من السيف، ... منهم مَن يمرّ عليه مثلَ البرق، ومنهم مَن يمرّ عليه مثلَ عَدْو الفَرَس، ومنهم من يمرّ عليه ماشياً، ومنهم من يمرّ عليه حَبْواً، ومنهم من يمرّ عليه متعلّقاً فتأخذ النار منه شيئاً، وتترك منه شيئاً. الصدوق، الأمالي، ص149، ح4.

ذلل الصعاب بمعرفة الأسباب

 هنا نفهم مغزى دعائنا في الوضوء عند مسح قدمين: "اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل فيه الأقدام، واجعل سعيي فيما يرضيك عني يا أرحم الراحمين". بحار الأنوار ج ٧٧ ص ٣٢٠

نعم، لن تزل قدم أو تنزلق إلى جهنم، وقلب صاحبها مليء بالإيمان وبحب علي بن أبي طالب عليه السلام، وهذا ليس نابع من عواطف جياشة في قلوب أتباعه عليه السلام، بل هذه عقيدة علمنا إياها رسول الله (ص)، ونتدين بها إلى يوم القيامة، يوم اللقاء عند جسر الصراط.

  1. ولاية علي بن أبي طالب(ع)، وقال النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: يا علي إذا كان يوم القيامة أقعد أنا وأنت وجبرئيل على الصراط فلا يجوز على الصراط إلا من كانت معه براءة بولايتك. بحار الأنوار ج ٨ ص ٧٠. من هنا نفهم معنى أن الصراط أدق من الشعرة وأحد من السيف، المراد بذلك أنه لا يثبت لكافر قدم على الصراط يوم القيامة من شدة ما يلحقهم من أهوال القيامة ومخاوفها، فهم يمشون عليه كالذي يمشي على الشيء الذي هو أدق الشعرة وأحد من السيف.
  2. حب أهل بيت النبي (ص)، وهذا ما يوجب ثبات القدم على الصراط، قال  رسول الله(ص): أثبتكم قدما على الصراط أشدكم حبا لأهل بيتي. ميزان الحكمة، ج٢ ص١٦١٠
  3. حب علي بن أبي طالب(ع)، قال رسول الله(ص) لعلي(ع): ما ثبت حبك في قلب امرئ مؤمن، فزلت به قدمه على الصراط، إلا ثبتت له قدم حتى أدخله الله بحبك الجنة. المصدر السابق
  4. النظر إلى المعاصي وتبعاتها والسيئات التي تورث انزلاق القدم على الصراط، فنتوقف عنها بل ونعالجها بضدها من صالح الأعمال وخير الأفعال وخصوصاً أعمال الخير، من صدقة ودعاء وقراءة قرآن وغير ذلك.

 


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=1040
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 09 / 16
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 10 / 16