• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .
              • القسم الفرعي : فكر .
                    • الموضوع : حق الله أم حقوق الانسان؟ .
                          • رقم العدد : العدد الثامن والثلاثون .

حق الله أم حقوق الانسان؟

حق الله أم حقوق الانسان؟

الشيخ حسن بدران

 

لا ندعي أننا بصدد تقديم إحاطة شاملة لنظرية الحقوق، وإنما نحاول مقاربة نموذج من الرؤية الإسلامية للحقوق في بعدها التأسيسي

وقد بات واضحا أن الإسلام يؤسس رؤاه على بنية منظومية شاملة، وأن هذه المنظومة هي منظومة دينية، ولكن الدين هنا يشكل رؤية بالمعنى العميق الذي يتناغم فيه مع الرؤية الكونية من حيث الأسس والنتائج.

لا شك ان الكلام عن الحقوق في جانبها التشريعي يندرج في إطار من الحكمة العملية، ويتأثر حكما بالمنظومة التي ينطلق منها؛ ربطا لمسار العمل بمسار النظر.

وتتوزع خرائط النظر من الناحية المبدئية، على ثلاث منظومات فاعلة على صعيد البحث الحقوقي:

1- منظومة تقتبس من الربوبية التشريعية، وتربط مسار العمل بمسار النظر. وتمثلها المنظومة الاسلامية.

2- منظومة تفصل مع الربوبية التشريعية، وتفكك مسار العمل عن مسار النظر. وتمثلها المنظومة الغربية بشكل عام.

3- منظومة تنطلق من خارج دائرة الربوبية تماما.

 

[1] المنظومة الاولى تؤمن بالربوبية بكافة ابعادها التكوينية والتشريعية. وتربط مسار العمل بمسار النظر. هذه المنظومة تتمثل في الاسلام؛ باعتبار ان الاسلام من التسليم لله، والتسليم لله يستلزم التسليم بأوامره.

هذا الأصل يستند إلى الاعتقاد بوجود الاله الواحد المتعال، والاعتقاد بالربوبية الالهية؛ فالله تعالى صاحب اختيار ومالك ومدبر للعالم. وهذا يعني ان العلاقة المتبادلة بين الله والانسان تكون بشكل الرب والمربوب، والخالق والمخلوق، والمولى والعبد.

وبالتالي يوجد حق ذاتي وأصيل واحد فقط هو حق الله تعالى، ففي مطلع الحديث المشهور برسالة الحقوق، المروي عن الامام السجاد عليه السلام، قال: "إعْلَــــمْ رَحِـــــمَكَ اللهُ أَنَّ للهِ عَلَيْكَ حُــــقُوقًا مُحِيطَةً بكَ فِي كـُلِّ حَرَكَة تَحَرَّكْتَهَا، أَوْ سَكَـــــنَة سَكَنْتَهَا، أَوْ مَنْزِلَة نَزَلْتَهَا، أَوْ جَارِحَة قَلَّبْتَهَا وَآلَةٍ تَصَرَّفْتَ بهَا، بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْض. وَأَكْبَرُ حُقُوقِ اللهِ عَلَيْكَ مَا أَوْجَبَهُ لِنَفْسِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْ حَقِّهِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْحُقُوقِ وَمِنْهُ تَفَرَّعَ".

وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في نهج البلاغة: "وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى اَلْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ وَ جَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ اَلثَّوَابِ تَفَضُّلاً مِنْهُ وَ تَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ اَلْمَزِيدِ أَهْلُهُ ثُمَّ جَعَلَ سُبْحَانَهُ مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً اِفْتَرَضَهَا لِبَعْضِ اَلنَّاسِ عَلَى بَعْضٍ فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ فِي وُجُوهِهَا وَيُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً وَلاَ يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلاَّ بِبَعْضٍ. وَ أَعْظَمُ مَا اِفْتَرَضَ سُبْحَانَهُ مِنْ تِلْكَ اَلْحُقُوقِ حَقُّ اَلْوَالِي عَلَى اَلرَّعِيَّةِ وَحَقُّ اَلرَّعِيَّةِ عَلَى اَلْوَالِي فَرِيضَةٌ فَرَضَهَا اَللَّهُ سُبْحَانَهُ لِكُلٍّ عَلَى كُلٍّ فَجَعَلَهَا نِظَاماً لِأُلْفَتِهِمْ". (خطبة 209)

هذا الحق الالهي هو أساس جميع الحقوق الأخرى، وسائر الحقوق يعود أصلها الى حق الله تعالى، ولو لم يكن هذا الحق موجودا لما وجدت تلك الحقوق؛ فإذا كان منشأ حق الحياة هو الله تعالى؛ فذلك لأن وجودنا منه. وإذا كان منشأ حق الملكية وحق الاستفادة من النعم التي يتعلق بقاء الانسان بها، هو الله تعالى؛ فذلك لأنه هو الخالق لهذه النعم، والمانح لحق التنعم بها. وإذا كان الله تعالى قد خلق في الانسان ارادة وشعورا، وجعل لنفسه حقا بالطاعة والعبادة، فذلك لأن الله تعالى أراد للانسان أن يصل إلى الكمال بارادته واختياره.

يشكل هذا الأصل محورا للرؤية الالهية في فلسفة الحقوق؛ ذلك أن حقوق الانسان تثبت له غائيا، لا ذاتيا، بحيث يُنظر الى الانسان في إطار من القيم التي تتقيد فيها الحقوق بشرط الكمال. من هنا، ينبغي الاشتغال على تشريح الرؤية الحقوقية في الاسلام على ضوء المصالح الواقعية والتي تنسجم مع الغايات الكمالية للوجود البشري. ففي سبيل تهيئة الأسباب اللازمة لكمال الانسان، اقتضى اللطف الالهي ان يبين للانسان المصالح والمفاسد ضمن أحكام الواجب والحرام، وأن يبين له نتائج الاعمال الايجابية والسلبية من خلال الأوامر والنواهي الارشادية. وهذا اللطف هو حق من حقوق الانسان باعتباره من ظروف الاختيار الحر، ومن ظروف التمكن من السير بقدرة اكبر وافضل في طريق تكامله.

إن ملاك تدوين النظام الحقوقي في الاسلام هو ملاحظة تحقق الكمال الأكثر، اي ملاحظة اسباب نمو وتكامل اكبر عدد من الناس؛ وذلك على ضوء المصالح الواقعية. فكل عمل تؤدي نتيجته الى تحقق وجود أكمل، يكون مطابقا للمصلحة، وكل عمل يؤدي مجموع فعله وانفعالاته الى وجود أضعف ويقلل من كمال الوجود يكون مخالفا للمصلحة.

ولا شك في أن العلاقات الانسانية هي علاقات معقدة ومتشابكة، وأن المصالح الواقعية لا تقتصر على هذه الحياة الدنيا ومنافعها المادية، وإنما تتسع لما هو أهم، وهو المصالح المعنوية والأخروية التي يعجز العقل عن ادراكها في العادة.

وبما أن الله تعالى محيط علما بجميع المصالح الدنيوية والاخروية، وهو الخالق والمالك لجميع المخلوقات، فالذي يشرّع الحق لن يكون سوى الله تعالى، وما لم يثبت حق الله هذا، فانه لن يثبت حق لأي موجود آخر.

 

[2] المنظومة الثانية لا تؤمن بالربوبية التشريعية، وتفكك مسار العمل عن مسار النظر.

تؤمن هذه المنظومة – على صعيد فلسفة الحقوق - بنوع من الحقوق الذاتية والتي تثبت بمقتضى طبيعة الانسان. ولا شك أن طبيعة الانسان تمنحه حقا في الطعام، وفي الحياة.. فما يبرر لوجود الانسان وخلقه، هو نفسه ما يمنحه الحق لاستمرار حياته وزيادة نسله. أي إن طبيعة كل موجود تستلزم أن يتمتع بمجموعة من الحقوق التي ترتبط باستمرار تلك الطبيعة.

ولا شك أن الحقوق الطبيعية تثبت للانسان بشكل اجمالي؛ إذ لا معنى لأن تكون الحقوق مطلقة؛ لأن ذلك يلغي طابع التقنين عنها. وعليه، هذه الحقوق أصلها ثابت بمقتضى الطبيعة، أما تفصيلها وشروطها وقيودها فلا بد أن تحدد فيما بعد من قبل المشرّع. وعلى هذا، يمكن للتشريع أن يقيد حق الحياة مثلا بحالة ما لو لم يرتكب هذا الانسان جريمة قتل بحق إنسان آخر: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق) الانعام: 151.

النظرية الاخرى الاكثر تداولا في فلسفة الحقوق المعاصرة هي النظرية الوضعية التي تعتبر أن منشأ الحقوق هو عبارة عن اتفاق جماعي، وأن معنى وجود الحق ليس سوى أن يقبل به المجتمع.

طبقا لهذه النظرية، ليس هناك أصل واحد تثبت على أساسه حقوق واحدة لجميع المجتمعات. وبالتالي، يمكن أن يتغير النظام الحقوقي من مجتمع الى آخر ومن زمان الى آخر. إلا أنه يلزم على هذه النظرية أنه لا يحق لأي مجتمع أن يفرض نظامه الحقوقي الخاص على مجتمع آخر، فلا يحق لمجتمع ما أن يعترض على مجتمع آخر بدعوى مخالفة حقوق الانسان طالما أن المجتمع الآخر - بقبوله لعقوبة الاعدام مثلا – قد أنشأ حقا بمقتضى القانون الوضعي نفسه.

وفي الواقع فإن استدلال فلاسفة الحقوق في هذا المجال هو استدلال جدلي؛ إذ الاستناد الى توافق الناس، يُخرج المسألة من كونها برهانية، ويجعلها في عداد المشهورات والمسلمات والمقبولات. وبالتالي يفكك مسار العمل عن مسار النظر.

انطلاقا من الأسس التي يستند اليها هذا المنحى، يمكن تسجيل بعض الملاحظات المنطقية بالشكل التالي:

1- بناء على أن اثبات حق التصرف في شيء ما يستند الى وجود شكل من أشكال الملكية عليه([2])، وحيث إن المالك الحقيقي هو الله تعالى، سوف لن يكون لأي انسان حق في أي شيء ما لم يمنحه المالك الحقيقي ذلك الحق.

2- بناء على اتفاق العقلاء على استحقاق العامل لقيمة عمله، المبذول على المادة الاولية التي لا مالك لها([3])، وحيث إن الله تعالى هو العامل على ايجاد العالم وعلى نموه وحفظه، سوف لن يكون لأي عامل حق بمقدار تأثيره في ايجاد شيء أو حفظه أو نموه إلا بإذن الله تعالى.

3- بناء على أن تصرف الانسان في ممتلكاته يتوقف على ثبوت القدرة القانونية المنتزعة من القدرة التكوينية، وحيث إن الله تعالى هو أصل كل قدرة تكوينية، سوف لن يكون لأحد أي حق في التصرف في أي شيء ما لم يأذن الله تعالى له بذلك.

على ضوء ذلك هذه الملاحظات وغيرها، يُسجّل على مدارس فلسفة الحقوق - في صورتها الطبيعية أو الوضعية – أنها تفتقد الى التبرير المنطقي الذي يفسر أصل ظهور الحق أو اثباته، وأن مصدر الحقوق لا يمكن تفسيره إلا على أساس الرؤية الالهية.

 

[3] المنظومة الثالثة، لا تجد سبيلا الى الايمان بالربوبية أصلا

نجد ارهاصات هذه المنظومة في الدعوة الى فصل الاخلاق عن الله، ثم في فصل مجالات الحياة الانسانية المختلفة عن مجال الدين، وأخيرا من خلال فكرة الدين بدون الله. وقد انتشر هذا النمط من التفكير في عصر النهضة المعروف في تاريخ أوروبا؛ حيث ظهرت بوادر ترك العقائد الكنسية، والأخذ حصرا بما ثبت بالحس والتجربة، وإعطاء الأصالة للإنسان في مقابل أصالة الله.

نتيجة ذلك، ظهرت في القرنين الاخيرين نظرية تزعم أن الانسان عندما لا يجد الاعمال الحسنة والخير والجمال والحقيقة والعدالة في نفسه، ويرى أنه فاقد للعلم والجمال والكمال المطلوب، فإنه ينسب هذه الأمور الى موجود آخر هو "الله"، وهذا ما يؤدي الى غربة الانسان عن ذاته. وهذه الغربة لا سبيل أمام الانسان لانهاءها إلا بأن يحقق هذه الأمور الحسنة في نفسه، وعندئذ سوف يجد في نفسه الاله الذي كان يبحث عنه دائما! وقد عرفت هذه العقيدة باسم عبادة الانسان تارة، وأصالة الانسان تارة أخرى، ومن جملة ما دعت إليه؛ أن عصر "الواجبات" و"الاوامر والنواهي" يتعلق بالقرون المنصرمة، أما أصل التمدن والتحضر فيقتضي أن يقوم الانسان باستيفاء حقوقه وليس باداء واجباته.

ولكن هل حقا يمكن فصل الواجبات عن الحقوق في الموارد المتعلقة بالأمور الاجتماعية؟ لا شك أن الحق والواجب وجهان لعملة واحدة، ولا معنى للحق ما لم يجب في مقابله التزامات محددة تجاه هذا الحق في علاقات الناس بعضهم ببعض، فإذا كان الحق مما يتمخض عنه مسؤوليات وواجبات تتعلق بطرفي العلاقة، فمن السخافة حينئذ القول بأن عصر الواجبات قد ولى، وأن العصر الحاضر هو عصر استيفاء الحقوق، لا عصر واجبات.

ثم إن الدين يهتم بالمسؤوليات والواجبات أكثر مما يهتم بمسألة الحقوق، والسبب في ذلك يعود إلى وظيفة الدين في هداية الانسان ودفعه نحو السعادة والكمال، الأمر الذي يتوقف على اعطاء الواجبات أهمية تفوق ما للحقوق.

ففي مجال الحقوق، لا ينتظر الانسان قانونا يمنحه الحق في تنفس الهواء وشرب الماء وأكل الطعام.. فإن طبيعة الانسان تقتضي تلقائيا أن يتنفس ويأكل ويشرب.. وانما يحتاج إلى ما يرشده إلى الطريق الصحيح في مجال الواجبات؛ أي إلى من يدفعه نحو: "لا تؤذ الآخرين"، "لا تأكل هذا الطعام"، و"لا تتجاوز على حقوق الآخرين".. فما يعمل على نمو انسانية الانسان وسموها هو اهتمامه بالمسؤوليات والواجبات الملقاة على عاتقه.

ولهذا، عندما تذكر حقوق الانسان في النصوص الدينية، فإنما تعني - في الغالب - حقوق الناس الآخرين، وما يجب علينا في مقابل الآخرين. أما الحقوق التي لا تستلزم أية مسؤولية، وإنما تذكر لمجرد فائدتها للنوع البشري، فيحتل بيانها الدرجة الثانية من الأهمية.

من جانب آخر، يوجد نوع من اساءة استخدام المفاهيم بالنحو الذي يرسخها في الاذهان بالطرق الشعرية، من ذلك - على سبيل المثال - ربط مفهوم "الواجب" بمفهوم العبودية في سياق من نظام الاسترقاق؛ ففي نظام الاسترقاق الذي ساد المجتمعات البشرية الاولى كان العبيد يعملون لخدمة السادة؛ ويمكن حينئذ لعالم اجتماع معاصر أن يتخيل كيف أن نظام الاسترقاق الاجتماعي الذي تطبّع عليه الناس آنذاك، قد سرى تدريجيا الى الافكار الدينية؛ باستنتاج ان الانسان قد قام بنقل علاقة "العبد والمولى" الى مجال العلاقة الخاصة بين الانسان والله. ويترتب على ذلك، أنه مع زوال نظام الاسترقاق؛ يجب أن تتغير علاقة الانسان بالله بحيث تكون متلائمة مع عصر التمدن؛ ففي عصرنا لا يسعى الانسان لمعرفة واجباته كما في الماضي، وإنما يسعى لمعرفة حقوقه واستيفائها.

إن وجود الاله الواحد يعني أن كل شيء يكون منه وبارادته، ولهذا لا يملك اي موجود آخر شيئا من ذاته. وعلى ضوء تنقيح مفهوم العبودية يمكن لنا أن نتساءل بتعجب: كيف يمكن مقارنة المالك الحقيقي الذي يمنح الوجود والحياة بالمالك الاعتباري؟! إن المالك الحقيقي يمكنه أن يتصرف في مملوكه بأي شكل من الاشكال؛ بأن يجعل الشاب شيخا والشيخ شابا، ويجعل السالم مريضا والمريض سالما، وأن يطيل العمر القصير ويقصر العمر الطويل. أما المالك الاعتباري فأقصى ما يملكه بواسطة عقد اجتماعي هو عمل العبد، ولا يمكنه القيام بأي تصرف على مستوى وجود مملوكه. ومن ثم كان لا بد من التمييز بدقة بين الملكية الاعتبارية الضعيفة والقابلة للالغاء، وبين الملكية الحقيقية التي لا تقبل الالغاء.

من جانب آخر، إن الواجبات التي جعلها الله على الناس ليست هي من قبيل أوامر ونواهي مالك العبد، فإن مالك العبد يحصل من خلال أوامره على فائدة عمل العبد ومنفعته. أما الواجبات والاوامر الالهية فيعود نفعها الى الناس دون أن يحصل المالك الحقيقي على أي نفع منها. وإذا كان الله قد وهب للانسان نعما لا تحصى، ولم يكن بمقدور الانسان أن يقدم نفعا لله، فهل من المعقول أن يكون للانسان حق على الله؟ وهل من المنطق أن لا يكون لله حق تعيين الواجبات واصدار الأوامر؟

ومن جانب ثالث، إن فرض وجود "انسان لا يكون عبدا لله" هو فرض متناقض؛ لأن انسانية الانسان هي عين العبودية لله، وعين التعلق والفقر والحاجة والارتباط بالله تعالى؛ ولو انقطع هذا الارتباط والتعلق فسوف لن يبقى شيء حتى يصل الدور الى تحرير الانسان من العبودية!

وإذا لم يكن بالإمكان أن نتصور تحرير الانسان من العبودية التكوينية الحقيقية ولو آنا ما، فيترتب على ذلك، أن عبودية الانسان لله لا يمكن أن تتغير بتغير الظروف الاجتماعية او التاريخية أو في أي عالم من العوالم. من هنا يتضح فساد القول بأن الزمان ليس عصر الواجب والعبودية، وأنه يجب على الانسان انتزاع حقه من الله!

يقول دوركيم وفيورباخ وآخرون: ان الانسان المعتقد بالله قد اصبح غريبا عن ذاته. ويقول القرآن الكريم في مقابل ذلك: متى نسيتَ الله اصبحت غريبا عن ذاتك، فحقيقتك هي عبوديتك لله، وإذا انقطعت علاقتك بالله فلا وجود لك، وفي هذه الحالة انت لست شيئا أصلا حتى تصبح غريبا أو لا.

وإنما يجد الانسان هويته الحقيقية عندما يدرك مقام عبوديته، وأعلى مرحلة في الكمال الانساني هي أن لا يرى الانسان نفسه شيئا في مقابل الله، بل يرى أنه عين الفقر والتعلق المطلق بالله. بل إن هذه العبودية تمنح الانسان الشرف والعزة، ففي مناجاة أمير المؤمنين (ع): "إلهي كفى بي عزا أن أكون لك عبدا، وكفى بي فخرا أن تكون لي ربا، أنت كما أحب، فاجعلني كما تحب".

 

[1]  تتخذ هذه المقالة من نصوص الشيخ مصباح اليزدي في كتابه "نظرية الحقوق في الاسلام" مجالها البحثي. وتستند في ذلك إلى الاكتفاء بعينة تشريحية لتفصح عن مجمل فكرته الحقوقية. وتظل مرهونة مع ذلك الى آراءه اللاحقة التي – ان وجدت – لا بد أن تقيد هذا المبحث في آفاقها المعرفية.

[2] وكما يقول جون لوك؛ ان سبب تمتع الفرد بحقوق اساسية ينشأ من فكرة أننا نمتلك انفسنا.

[3] كما لو أنه أخذ حجرا من الطبيعة وقام بنحته وتحويله الى أثر فني جميل، فيثبت له - نتيجة الجهد الذي بذله عليه - حق التصرف بهذا الأثر الفني الجميل.


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=1069
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2022 / 01 / 10
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 01 / 23