• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : مقالات .
                    • الموضوع : القلب السليم .

القلب السليم

القلب السليم

_ القلب السليم هو ذلك القلب الذي لا يحب الحرام، وهو ذلك القلب الذي يحب ما يحبه الله: (اللهم!.. أقطع عني كل قاطع يقطعني عنك)..

(اللهم!.. إنا نسألك حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يوصلنا إلى قربك)..

القلب السليم هو ذلك القلب الذي يلقى الله وليس فيه أحد سواه..

حتى حبه لولده، حب طولي، لا حب عرضي.. أحب الله، فأحب من أمر الله بحبهم، وهكذا كان النبي (ص) وأئمة أهل البيت (ع)

الناس ثلاثة

_ وظاهر الإنسان هو: قلبه، وعواطفه.. أما الجذور، فهي عبارة عن ذلك الرسول الباطني.. والحجة الباطنة: هو ذلك العقل الذي أودع في الإنسان..

_ إن عليا (ع) قال: (يا كميل، إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها.. فأحفظ عني ما أقوله لك: الناس ثلاثة: فعالم رباني.. ومتعلم على سبيل نجاة.. وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لا يستضيئون بنور العلم؛ فيهتدوا، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق؛ فينجو

والإنسان بسلوكه يحدد أنه من أي صنف من هذه الأصناف الثلاثة

1_ عالم رباني: هو ذلك الإنسان العالم الذي يربي العباد، أو يربي العلم.... والعالم المثالي، هو العالم الذي له قدرة نقل نوره الباطني إلى ساحة الحياة كالأنبياء (ع).. وطبعاً هذا النقل يحتاج إلى عنصرين أساسين

العنصر الأول: وجود نور العلم.. ليس العلم بكثرة التعلم، وإنما هو نور يقذفه الله في قلب من يشاء  فإن العلم ليس جمع المعلومات.. يجب أن يقترن العلم بنور..

فالعلم عندما يقترن بالعمل يساوي إلقاء ذلك النور {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} والعالم الرباني هو ذلك الذي يستحصل على هذا النور..

ومن موجبات اكتساب هذا النور جوف الليل، والنهار هو لإشعاع هذا النور..

الإمام العسكري (ع) يقول: (إن الوصول إلى الله -عزّ وجلّ- سفر، لا يدرك إلاّ بامتطاء الليل).. {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا }

فالعالم الرباني، هو العلم زائداً هذا النور ولكن بما أن الإنسان هو من الرعية، فعليه بشيء من العلم، وشيء من هذا النور؛ ليكون متميزاً .

ويقال: العالم الرباني له معنى آخر: أنه يربي العلم، ويوسع العلم؛ لأن العالم إذا اتصل بعالم الغيب، صار هنالك قناة اتصال بينه وبين عالم الغيب.. وهذا المعنى من لا يستوعبه، على الأقل لا يستنكره.

 

العنصر الثاني: الإشرافية اللدنية..

هنالك سبيل آخر للمعرفة، هذا السبيل لا يتوقف على القرطاس، ولا يتوقف على الكلمات، ولا على الخطب.. ومثاله في القرآن الكريم أم موسى : تجعله في المهد وترمي به في البحر على بركة الله، مفوضة أمرها إلى الله عز وجل.. من أين جاءت بهذا اليقين، وبهذا النور؟.. {وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}... وصلت إلى هذه الدرجة، لأنها تلقت المعرفة التسديدية.. وهكذا الأمر في مريم (ع)، رب العالمين يطهرها ويصطفيها على نساء العالمين.

إن هذا الطريق من المعرفة الإشرافية اللدنية التوحيدية الغيبية، طريق مفتوح؛ ولكن هذا الطريق يحتاج إلى قابلية.. في مضمون الرواية: (ترى الرجل فصيحاً مصقعاً، لا يخطئ بلام ولا ميم، وقلبه كالليل المظلم.. وترى الرجل عكس هذا، لا يكاد يبين ما في نفسه، ولكن قلبه يزهر كالمصباح).. ميثم التمار، أشرق هذا النور في قلبه، إلى درجة أنه كان لا يفتر عن ذكر محاسن علي (ع)، وهو مصلوب على الخشبة.

2 ومتعلم على سبيل نجاة: إن أغلب الناس من الممكن أن يكونوا من هذا القسم..

وما عدا هؤلاء هم همج رعاع.. وعلي (ع) إذ يشبههم بالبهائم التي ترعى في الأرض، كما ذكر القرآن الكريم {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا}..

عبارة للإمام الحسن (ع) يقول: (ما أعرف أحدا، إلا وهو أحمق فيما بينه وبين ربه)..

الناس في الدنيا أذكى الأذكياء!.. أما في التعامل مع رب العالمين، فإنهم حمقى!.. والأحمق ليس مجنونا، الأحمق إنسان عاقل، ولكن لا يعلم كيف يتصرف!..

وهناك شرطان لهذا المتعلم، هما:

أولاً: ألم الفراغ الباطني.. مهم جداً أن يعيش الإنسان ألم الفراغ الباطني، بعض الناس همه في الحياة أشياء فانية!..وهذا كله يودعه ليخلو بعمله!.

لابد للإنسان أن يعيش هذا الهاجس الباطني، الذي يسمى في علم الأخلاق والعرفان: مرحلة اليقظة؛ أي يستيقظ الإنسان على واقعه...

كان‌ بشـر الحافي‌ أوّل‌ أمـره‌ يتعاطى‌ الخمـر، ومشـغولاً بصـحبة‌ الغواني،‌ واستماع‌ الأغاني‌ والطرب‌ والمجون‌، حتى اتّفق‌ يوماً  كان‌ الإمام‌ الكاظم‌ عليه السلام‌ يجتاز علی‌ داره‌ ببغداد، فسمع‌ الملاهي‌ وأصوات‌ الغناء والرقص‌ والناي‌ تعلو من‌ داره‌، وخرجت‌ أثناء ذلك‌ جارية‌ بالقُمامة‌ تريد إلقاءها خارج‌ الدار، فسألها الإمام‌

يَا جَارِيَةٌ!.. صَاحِبُ هَذَا الدَّارِ حُرٌّ أَمْ عَبْدٌ؟!..

فَقَالَتْ: بَلْ حُرٌّ

فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: صَدَقْتِ لَوْ كَانَ عَبْداً، خَافَ مِنْ مَوْلاَهُ

فدخلت‌ الجارية‌ الدار، وكان‌ مولاها علی‌ مائدة‌ السُّكْر، فقال‌ لها: ما أبطأك‌؟

فقالت‌: حدّثني‌ رجل‌ بكذا وكذا . فخرج‌ بشر مُسـرعاً حافياً حتى لحـق‌ بمولانا الإمـام‌ الكاظـم‌ علیه‌ السلام‌، فاعتذر منه‌ وبكي‌ وتاب‌ علی‌ يده.‌

_ وذلك السارق الذي كان يذهب من بيت إلى بيت، وإذا به يسمع صوت القرآن يتلو: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ}.. فما كان من هذا اللص إلا أن يقول: بلى قد آن!.. وإذا بهذا يتحول إلى أعبد العابدين.

فإذن، إن الخطوة الأولى أن نعيش ألم الفراغ الباطني.. الذين لا يعيشون في ليلة القدر الرقة الروحية، فهذا مرض!.. لأن ليلة القدر هي ليلة التعالي، وليلة التصافي، وليلة الهجرة إلى الله عز وجل..

ثانياً: العلم المنجي.. ليس كل علم ينجي الإنسان؛ إنما هو ذلك العلم الذي يوصل بالمبدأ والمعاد..

فالجاهل: إما مفرِط، أو مفرّط.. إذا أراد الإنسان أن يبني نفسه سلوكياً وروحياً.. المهم أن نبدأ بداية صحيحة، والبداية أن نبدأ من هذه النقطة: ترك المعاصي بكل صورها.. فالذي يريد الكمال الأخلاقي، لا يمكنه أن يرتكب معصية من المعاصي..

صحيح أن المعصية الصغيرة لا تدخل نار جهنم، (إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا) هذا وعد إلهي.. ولكن القرب من المولى، لا يمكن مع وجود معصية صغيرة..

في الشعر المنسوب إلى الإمام علي (ع)

إلهي حليف الحب في الليل ساهر *** يناجي ويدعو والمغفّل يهجع

إلهي وهذا الخلـق مـا بين نائـم *** ومنتبه في ليلــه يتضرع

وهمج رعاع.. هذا أيضاً مخيف، أن يتحول الإنسان إلى بهيمة تمشي على وجه الأرض، كما يقول علي (ع): (كالبهيمة المربوطة همها علفها، أو المرسلة شغلها تقممها).. إذا أنت لست من العالم الرباني، ولم تكن الثاني.. فالأمر منحصر بالثالث

 


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=1095
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2022 / 05 / 26
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 06 / 27