• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : عاشوراء .
                    • الموضوع : تأملات في الخطاب الحسيني يوم عاشوراء .

تأملات في الخطاب الحسيني يوم عاشوراء

تأملات في الخطاب الحسيني يوم عاشوراء

ورد عن الرسول محمد صلى الله عليه وآله  أنه قال: ”حسينٌ مني وأنا من حسين

وقف الامام الحسين عليه السلام  يوم عاشوراء، وألقى خطابه التاريخي، الذي تضمّن مجموعةً وافرةً من المداليل التربوية والعقائدية والتاريخية. ونقسّم خطابه التاريخي إلى عدة مقاطع

المقطع الأول: أهمية التروي والتأني

أيها الناس، اسمعوا قولي ولا تعجلوا“

 هذا المقطع يتضمّن مضمونًا تربويًا أنَّ على المسلم أن يتروى وأن يتأنى قبل أن يتخذ القرار. عليكم إذا أردتم أن تتخذوا قرارًا أو حكمًا، أن تدرسوا هذا القرار بحكمةٍ ورويةٍ وتدبّرٍ. قال أبو ذر الغفاري لرسول الله (ص) : يا رسول الله، أوصني. قال: ”أوصيك إذا هممت بأمرٍ فتدبّر عاقبتَه، فإن يك خيرًا فامضِ فيه، وإن يك غيًا فانتهِ عنه.

المقطع الثاني: حق الأمة في الموعظة

حتى أعظكم بما هو حقٌّ لكم عليَّ“

 فالإمام يقول لهم: إنَّ لكم حقًا عليَّ، وهو أن أعظكم وأنصحكم، كما ورد عن الإمام أمير المؤمنين  : ”لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كذبة ظالم، ولا على سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم عندي أهون من ورقة في فم جرادة تقضمها.

المقطع الثالث: فلسفة الاعتذار

وحتى أعتذر عليكم من مقدمي عليكم، فإن قبلتم عذري وصدّقتم قولي، وأعطيتموني النصف من أنفسكم، كنتم بذلك أسعد“.

 هل ارتكب الحسين خطأ حتى يعتذر منه؟!

 ان الاعتذار يطلق على معنيين: تارة يراد بالاعتذار هو التراجع عن الذنب، وتارة يراد بالاعتذار وضع المبرّر للعمل. الاعتذار هنا بمعنى إبداء المبرِّر للعمل

 أي ما هي مبرّرات قدوم  الامام الحسين (ع) على مدينة الكوفة.

المقطع الرابع: ربط الحركة بالأنبياء

وإن لم تقبلوا عذري، ولم تصدّقوا قولي، فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون“.

هذه آية من آيات القرآن، فلماذا قرأ الامام الحسين (ع)هذه الآية هنا؟

الامام الحسين (ع) يريد أن يربط حركته بحركة الأنبياء؛ لأن هذه الآية قالها نوح لقومه عندما وصل إلى درجة أنَّ قومه لا يستجيبون له، ولا يفيد فيهم نصح ولا وعظ ولا إرشاد. الحسين يريد أن يقول: أنا امتدادٌ للأنبياء، وحركتي امتدادٌ لحركة الأنبياء، ورسالتي امتدادٌ لرسالة الأنبياء، فالموقف الذي وقفه نوحٌ من قومه أنا أقفه معكم .

 

المقطع الخامس: ذم الدنيا

أيها الناس، الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال، متصرفة بأهلها حالًا بعد حال، فالمغرور من غرّته، والشقي من فتنته، فلا تغرنكم هذه الدنيا الدنية، فإنها تقطع رجاء من ركن إليها، وتخيّب طمع من طمع فيها“.

 الامام الحسين (ع) يذم الدنيا  ليقول لهم: أنا ما خرجت لطلب دنيا، الدنيا عندي لا قيمة لها.

قال  الامام (ع) في حديث آخر: ”ألا وإن الدنيا قد تنكرت، وأدبر معروفها، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيشٍ كالمرعى الوبيل، ألا وإني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برمًا“.

أراد الامام بذم الدنيا أن يقول لهم: ليست لي أهداف مادية، وليست لي أهداف دنيوية، ”ما خرجت أشرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح

والامام الحسين (ع) يستخدم دائمًا آيات القرآن الكريم، حيث قال: ”فلا تغرنكم هذه الدنيا“، والقرآن يقول: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ

 وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ

يريد أن يُفْهِم القوم أنني أنا الثقل الثاني للقرآن، أنني أنا ترجمان القرآن والكتاب الناطق

المقطع السادس: ذم ازدواجية الشخصية

يركّز الامام الحسين (ع) على مدلول تربوي، وهو ذمّ ازدواجية الشخصية، فيقول: ”وأراكم قد اجتمعتم على أمر أسخطتم الله فيه عليكم، فنعم الرب ربنا، وبئس العبيد أنتم، أقررتم بالطاعة، وآمنتم بالرسول محمد(ص) ، ثم إنكم زحفتم على ذريته وعترته تريدون قتلهم! لقد استحوذ عليكم الشيطان، فأنساكم ذكر الله العظيم، فتبًا لكم ولما تريدون! إنا لله وإنا إليه راجعون، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم، فبعدًا للقوم الظالمين  .

يركّز على ازدواجية الشخصية، فيقول: الذي يقر بالطاعة ويؤمن بالرسول، كيف يزحف على ذرية الرسول لإبادتهم ولسحقهم وللقضاء عليهم؟! كيف يُجْمَع بين الأمرين؟

ونحن مبتلون بمرض ازدواجية الشخصية. الكثير منا يصلي ويصوم، ويحب أهل البيت، ولكنه أول من يطعن في آل بيت رسول الله، من خلال سلوكه، ومن خلال انحرافه، ومن خلال أخطائه وتجاوزاته.

لا يجتمع التدين بحب آل رسول الله (ص)، والصلاة والصوم، مع الإصرار على اختلاس أموال الآخرين، ومع الإصرار على غيبة المؤمنين، وغيرها من المعاصي.

لا يجتمع التدين والصلاة والصوم وحب أهل البيت مع هذه المعاصي والرذائل .

 

 

المقطع السابع: محاسبة النفس

أيها الناس، انسبوني من أنا، ثم ارجعوا لأنفسكم فحاسبوها: هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟!“. هذا المقطع يركّز على مدلول تربوي، وهو مدلول محاسبة النفس.

 من صفات المسلم محاسبة النفس  ”حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا

 وورد عن الإمام الكاظم  : ”ليس منا من لم يحاسب نفسه كل يوم، فإن عمل حسنة استزاد الله، وإن عمل سيئة استغفر الله“.

 

المقطع الثامن: الافتخار بالنسب.

الحسين يستعرض شخصيته، يستعرض نسبه، يستعرض مواهبه، يستعرض عناصره، فيقول: ”ألست ابن بنت نبيكم، وابن وصيه، وأول المؤمنين بالله والمصدق برسوله بما جاء به من عند ربه؟! أو ليس حمزة سيد الشهداء عمي؟! أو ليس جعفر الطيار عمي؟! أو لم يبلغكم قول رسول الله   فيَّ وفي أخي الحسن: هذان سيدا شباب أهل الجنة؟! فإن صدقتموني فوالله ما تعمدتُ الكذب، منذ علمت أن الله يمقت عليه أهله، ويضر به من اختلقه، وإن كذبتموني فإن فيكم من إذا سألتموه أخبركم عن ذلك. سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري، سلوا أبا سعيد الخدري، سلوا سهل بن سعد الساعدي، سلوا زيد بن أرقم، سلوا أنس بن مالك، يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من جدي رسول الله فيَّ وفي أخي الحسن، أما في هذا حاجزٌ لكم عن سفك دمي؟! فإن كنتم في شك من ذلك، أفتشكون أني ابن بنت نبيكم؟! فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري، فيكم ولا في غيركم

فلماذا يفتخر الامام الحسين (ع) بنسبه؟! الله «تبارك وتعالى» يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾، الفضل للأتقى لا لمن هو أفضل نسبًا.

الرسول الأعظم محمد (ص)  يقول: ”خلق الله الجنة لمن أطاعه ولو كان عبدًا حبشيًا، وخلق النار لمن عصاه ولو كان سيدًا قرشيًا“

الامام الحسين (ع) يريد أن يركّز على مدلول عقائدي يريد أن يقول: أنتم مسلمون، وجميع المسلمين سمع من رسول الله هذا الحديث: ”إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي“

 إذن حديث الثقلين يأمركم كمسلمين بالتمسك بالعترة، من هم العترة؟! الامام الحسين (ع) يريد أن يبيّن لهم من هم العترة: أبي أمير المؤمنين، وعمي حمزة، وعمي جعفر، وأخي الحسن، والرسول قال فينا: سيدا شباب أهل الجنة، فأنا المصداق الوحيد للعترة، كل هذه تأكيداتٌ يريد أن يصل بها الامام الحسين (ع) إلى نتيجة: أن الثقل الموجود على الأرض الآن هو أنا وليس غيري، الثقل الموازي للقرآن هو أنا وليس غيري.

 أنا الثقل الذي عليكم التمسك به، ولا يجوز لكم قتاله. ألا يكفي في كوني ثقلًا موازيًا للقرآن أني ابن بنت نبيكم؟

 

المقطع التاسع: التركيز على المظلومية.

ويحكم! أتطلبونني بدم قتيلٍ لكم قتلته، أو بمال لكم استهلكته، أو بقصاص جراحة؟! ألم تكتبوا لي أن أقبل علينا، فلقد اخضر الجناب، وأينعت الثمار، وإنما تقبل على جند لك مجندة؟!“.

لماذا يركز الحسين على المظلومية؟! هل هو ضعيف؟! هل هو خائف؟!

المظلومية رمزٌ للانتصار، الامام الحسين (ع) يظهر رمزًا لجذب العواطف، لجذب المشاعر، لجذب أحاسيس الجماهير، نحو قضيته ونحو مشروعه.

المقطع العاشر: إعلان الهدف من الحركة

قال له قيس بن الأشعث: ”انزل على حكم بني عمك؛ فإنهم لن يروك إلا ما تحب، ولن يصل إليك منهم مكروهٌ

حينئذ أعلن الحسينُ عليه السلام  الهدف من الثورة، قال: ”يا بن الأشعث، أنت أخو أخيك“ أي: أخوك ارتكب جريمة، وأنت ارتكبت جريمة أخرى، أخوك اشترك في دم مسلم بن عقيل، وأنت تشترك في دمي، ”أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل؟! لا والله، لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفر فرار العبيد“.

هدفه واضح، هو رفض الذلة، رفض إذلال الأمة الإسلامية ، وصيانتها عن الإذلال.

المقطع الحادي عشر: الانقلاب التاريخي

تبًا لكم أيتها الجماعة وترحًا! أحين استصرختمونا والهين، فأصرخناكم موجفين، سللتم علينا سيفًا لنا في أيمانكم، وحششتم علينا نارًا اقتدحناها على عدونا وعدوكم، فأصبحتم إلبًا لأعدائكم على أوليائكم، من غير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم؟!“.

 الحسين يشير إلى مدلول مهم، وهو الانقلاب التاريخي

انقلبتم انقلابًا تاريخيًا مريرًا، من جيش علوي إلى جيش أموي، ”فأصبحتم إلبًا على أعدائكم على أوليائكم“وليت الذين تنصرونهم الآن عدلوا معكم وأعطوكم حقوقكم حتى تناصروهم! ”من غير عدلٍ أفشوه فيكم، ولا أمل“ ...

المقطع الثاني عشر: الذم اللاذع للقوم

فسحقًا لكم! يا عبيد الأمة، وشذّاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، ومحرّفي الكلم، ومطفئي السنن“، لماذا كل هذا الذم؟ أليس الامام الحسين (ع) قال: ”أبكي على هؤلاء؛ يدخلون النار بسبب قتلي“.لماذا يذم أعداءه بهذا الذم اللاذع؟

الامام الحسين (ع) أراد بهذا المقطع الإشارة التاريخية إلى أنَّ من أجمع على قتاله ليسوا من شيعته، ولذلك خاطبهم يوم عاشوراء، قال: ”يا شيعة آل أبي سفيان“ إذ لا يعقل أن يكون الشيعي معتديًا على إمامه وقائده، ”فسحقًا لكم يا عبيد الأمة“

معنى ”وشذّاذ الأحزاب“

لما صار فتح مكة انقسموا إلى قسمين: حزب النبي (ص) ، وحزب الطلقاء

يقول لهم: أنتم انضممتم إلى ذلك الحزب الشاذ، الحزب الذي كان يسمى حزب الطلقاء

ونبذة الكتاب“ لأن الكتاب يقول: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، وأنتم نبذتم الكتاب.

 ”ومحرفي الكلم“، القرآن يأمركم بالأمر بالمعروف، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وأنتم حرّفتم المدلول القرآني، وقلتم: يجب علينا إطاعة ولي الأمر، ألا وهو يزيد بن معاوية، ونترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر! ”

ومطفئي السنن. ويحكم! أهؤلاء تعبدون وعنا تتخاذلون؟!“

الامام الحسين (ع) يريد أن يبيّن أنهم ليسوا شيعته، لأن هذا غدر متأصل فيهم، ”ويحكم! أهؤلاء تعبدون وعنا تتخاذلون؟!

 ”أجل والله غدر فيكم قديم، وجشت عليه أصولكم، وتآزرت عليه فروعكم، فكنتم بذلك أخبث ثمر شجًا للناظر وأكلة للغاصب.

وطبعًا هذا ليس ذمًا لجميع أهل العراق، فالعراق مهد الأئمة الأطهار، أغلب أنصار أهل البيت ، وأغلب علماء المذهب من العراق، حبيب بن مظاهر ورشيد الهجري وكميل بن زياد وميثم التمار وحجر بن عدي، وعلماء المذهب هؤلاء كلهم عراقيون.

 ولكنْ هذا ذمٌ لخصوص من قاتله، ولخصوص من واجهه

المقطع الأخير: بيان النتيجة

الامام الحسين (ع) ذكر عدة مراحل في هذا الخطاب:

 1 المرحلة الأولى: إعلان الهدف، ”لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل“

 2 المرحلة الثانية: فلسفة الهدف، لماذا أتبنى أنا هذا الهدف؟ ما هي الفلسفة؟

 السبب: ”يأبى الله لنا ذلك، ورسوله، والمؤمنون، وجذور طابت، وحجور طهرت، وأنوف حمية، أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام“

لماذا يأبى الحسين الذلة؟! بيّن فلسفة ذلك: يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون.

3 المرحلة الثالثة هي التصميم على تحقيق الهدف،”ألا وإني زاحف بهذه الأسرة، مع قلة العدد، وخذلان الناصر .

4 المرحلة الرابعة: النتيجة ما هي؟

وأيم الله، لا تلبثون بعدها إلا كريثما يُرْكَب الفرس

 حتى تدور بكم دور الرحى، وتقلق بكم قلق المحور“ أي: ستخرج عليكم الثورات والانتفاضات من كل جانب

”عهد عهده إلي أبي عن جدي رسول الله  ، فأجمعوا أمركم وشركاءكم، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة، إن وليي الله الذي نزّل الكتاب، وهو يتولى الصالحين.

 


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=1114
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2022 / 08 / 01
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 08 / 17