• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : مفاهيم .
                    • الموضوع : محطات في حياة الإمام السجاد عليه السلام ودوره المحوري في حفظ الاسلام .

محطات في حياة الإمام السجاد عليه السلام ودوره المحوري في حفظ الاسلام

محطات في حياة الإمام السجاد عليه السلام ودوره المحوري في حفظ الاسلام

 

 ولد الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام في السنة الثامنة والثلاثين للهجرة النبويّة الشريفة في شهر شعبان  استمرت إمامته أربعا وثلاثين سنة ، عاصر فيها مُلك يزيد بن معاوية ، ومروان بن الحكم ، وعبدالملك بن مروان ، وتوفّي مسموماً ـ حسب أكثر الروايات التاريخيّة ـ في عهد الوليد بن عبدالملك بن مروان ، وذلك في النصف الأوّل من شهر محرّم الحرام سنة خمس وتسعين للهجرة عاش حوالي سبعاً وخمسين عاماً ، قضىٰ بضع سنين منها في كنف جدّه علي بن أبي طالب عليه السلام ثمّ  مع عمّه الحسن وأبيه الحسين عليهما السلام سبطي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، واستقىٰ علومه من هذه المصادر الطاهرة.

 

عبادته وأخلاقه :

تكفي القابه للدلالة على مدى علاقته بالله وكثرة عبادته فقد عرف ب : زين العابدين ، والسجّاد ، وذو الثفنات ، والبكّاء ، والعابد ، وأشهرها الأوّل ..

جاء في المرويّات عن محمّد بن شهاب الزهري أنّه كان يقول : « يقوم يوم القيامة منادٍ ينادي : ليقم سيّد العابدين في زمانه ، فيقوم علي ابن الحسين ».

وجاء في تسميته بذي الثفنات ، أنّ الإمام الباقر عليه السلام قال : « كان لأبي في موضع سجوده آثار ثابتة وكان يقطعها في كلِّ سنة من طول سجوده وكثرته .. »

ويروي الرواة عن سبب تسميته « البكّاء » عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنّه قال بكىٰ جدّي علي بن الحسين عليه السلام علىٰ أبيه عشرين سنة ، ما وضع خلالها بين يديه طعام أو ماء إلّا بكىٰ ، فقال له أحد مواليه يوماً : جُعلت فداك يا ابن رسول الله ، إنّي أخاف أن تكون من الهالكين ، فقال : إنّما أشكو بثّي وحزني إلىٰ الله ، وأعلم ما لا تعلمون ... ».

لقد هزّ الإمام السجاد بتلك الدموع عروش الأمويّين وزلزل حكمهم ، ونغّص عليهم دنياهم التي باعوها بدينهم وآخرتهم ، والتي لم يحفظوا فيها لأهل بيت النبي حرمة ، ولا رعوا لهم فيها إلاً ولا ذمّة ..  

وكان إذا حضرته الصلاة اقشعر جلده ، واصفرّ لونه ، وارتعد كالسعفة ، وكان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة  وقد حجّ على ناقته عشرين حجّة لم يضربها بسوط. وكان يحسن إلى من يسيء إليه ، من ذلك أن هشام بن اسماعيل كان أميراً على المدينة ، وكان يتعمّد الإساء‌ة إلى الإمام وأهل بيته ، ولما عزّ له الوليد ، أمر أن يوقف للناس في الطريق العامّ ، ليقتصوا منه ، وكان لا يخاف أحداً كخوفه من الإمام السجّاد ، ولكن الإمام أوصى أهله وأصحابه أن لا يسيئوا إليه ، وذهب إليه بنفسه ، وقال له : لا بأس عليك منّا ، وأية حاجة تعرض لك فعلينا قضاؤها.

وكان للإمام ابن عمّ يؤذيه ، وينال منه ، فكان يأتيه ليلاً ، ويعطيه الدنانير. يقول : لكن علي بن الحسين لا يصلني بشيء فلا جزاه الله خيراً ، فيسمع ويغفر. فلمّا مات انقطعت الدنانير عنه ، فعلم أنّه هو الذي كان يصله. وكان يقول لمن يشتمه : إن كنت كما قلت ، فاسأل الله أن يغفر لي ، وان لم أكن كما قلت فاسأل الله أن يغفر لك.

ولما طرد أهل المدينة بني أميّة في وقعة الحرّة أراد مروان بن الحكم أن يستودع أهله ، فلم يأوهم أحد ، وتنكر الناس له إلّا الإمام زين العابدين رحب بهم ، وجعلهم من جملة عياله ، وقد عال الإمام في هذه الوقعة أربعمئة امرأة.

كما كان يعول بيوتاً كثيرة في المدينة لا يعرفون منهم أين يأتيهم رزقهم ، حتّى مات الإمام ، فعرفوا أنه كان المعيل. قال محمّد بن اسحق : كان ناس بالمدينة يعيشون لا يدرون من أين يعيشون ، ومن يعطيهم ، فلمّا مات علي بن الحسين فقدوا ذلك ، فعرفوا أنّه هو الذي كان يأتيهم بالليل بما يأتيهم به. وكان يخرج في الليلة الظلماء ، فيحمل الجراب على ظهره ، وفيه الصرر من الدنانير والدراهم ، وربّما حمل على ظهره الطعام والحطب ، حتّى يأتي باباً باباً ، فيقرعه ، ثمّ يناول من يخرج إليه ، وهو متستر ، ولما وضع على المغتسل نظروا إلى ظهره ، وعليه مثل ركب الإبل ممّا كان يحمل إلى منازل الفقراء والمساكين.

وكانت صدقاته كلّها ليلاً ، وكان يقول : صدقة الليل تطفئ غضب الربّ ، وتنير القلب والقبر ، وتكشف عن العبد ظلمه يوم القيامة.

ولم تكن رحمة الامام زين العابدين بالناس ، عطاء يعطى ، بل كانت مع ذلك سماحة وعفوا ، يعفو عن القريب وعن القعيد ، وعمّن ظلمه وأساء إليه.

وكان يشتري العبيد ، وما به إليهم حاجة ، وكان يأتي بهم إلى عرفات ، فإذا انتهى من مناسكه أعتقهم ، وأعطاهم الأموال ، وكان إذا ملك عبداً في أوّل السنة أو في أثنائها أعتقه ليلة الفطر ، وما استخدم خادماً أكثر من حول.

فلم يكتف الامام عليه السلام بالصوم والصلاة ، والحجّ والصدقات ، والإرشاد إلى الخيرات ، والعفو عمن أساء إليه ، بل تقرب إليه سبحانه بالإحسان إلى المستضعفين ، وأعطاء الحريّة للمستعبدين.

كان إذا أذنب عبد من عبيده أو أمة من امائه ، يكتب اسم المذنب ونوع الذنب ، والوقت الذي حصل فيه ، ولم يعاقب المذنب أو يعاتبه ، حتّى إذا انتهى شهر رمضان المبارك جمعهم حوله ، ونشر الكتاب ، وسأل كلّ واحد منهم عن ذنبه ، فيقرّ ويعترف ، فإذا انتهى من عمليّه الحساب وقف في وسطهم ، وقال لهم قولوا معي :

يا علي بن الحسين انّ ربّك قد أحصى عليك كما أحصيت علينا ، وان لديه كتاباً ينطق بالحقّ ، كما نطق كتابك هذا ، فاعف واصفح ، كما تحبّ ان يعفو عنك المليك ويصفح ، واذكر وقوفك بين يدي الله ذليلاً ، كما نحن وقوف بين يديك.

فينوح الامام ويبكي ، ثمّ يعفو عنهم ويقول : اللهم إنّك أمرتنا بالعفو عمّن ظلمنا ، وقد عفونا كما أمرت ، فاعف عنّا ، ثمّ يقبل على عبيده ، ويقول : أنتم أحرار لوجه الله ، ويناجي ربّه قائلاً : اللهم انّي عفوت عنهم واعتقت رقابهم كما أمرت ، فاعف عنّي واعتق رقبتي من النار ، ويأمر العبيد أن يقولوا : اللهم آمين ربّ العالمين ، فيرفعون أصواتهم بالابتهال والدعاء لسيّدهم المحسن ، ثمّ يذهبون إلى سبيلهم بعد أن يجيزهم بما يغنيهم عمّا في أيدي الناس.

ولو مثلت هذه الرواية ، كما هي ، على مسرح عام لاحدثت ثورة في العقول ، ولفعلت فعل السحر في النفوس ، واتّجهت بها إلى الله وعمل الخير ، وكانت أجدى من ألف كتاب وكتاب في المواعظ والأخلاق. ولو أن الذين يهتمون بالأخلاق ومشكلات المجتمع أطلعوا عليها وعلى أمثالها من سيرة الإمام السجاد ، وتنبهوا إلى ما تحويه من الاسس والقوانين لبلغوا الغابة المنشودة من أقصر الطرق وأيسرها. لقد حدّدت هذه الرواية حبّ الإنسان لله سبحانه بأنّه حبّ البشريّة والحريّة ، وإن حبيب الله هو صديق الإنسان الذي لا يعرف التعصّب ، ولا العنصريّة ، ولا القسوة. وبالتالي ، فإن التراث الذي تركه أهل البيت للانسانيّة لا نجده في جامعة ، ولا في كتاب ، ولا عند أمّة من الاُمم.

محطات رئيسيّة في حياة الإمام السجاد عليه السلام :

 يمكن اعتبار حضوره في كربلاء ومواقفه في الشام ، وتخطيطه في المدينة بعد عودته إليها هي المحطات الثلاثة التي تؤشّر الأبعاد الحقيقيّة التي بلورت شخصيّته الجهاديّة في قابل الأيّام والسنين ، فضلاً عن محطته الرئيسيّة في بيت العصمة والطهارة الذي نشأ وعاش وترعرع فيه.

 

المحطة الاُولىٰ : في كربلاء :

 فالإمام السجاد عليه السلام كان حاضراً في كربلاء  وشهد واقعة الطفّ بجزئيّاتها وتفاصيلها وجميع مشاهدها المروّعة ، وكان شاهداً عليها ومؤرّخاً لها ، ولعلّه يُعتبر أصدق وأهمّ مراجعها علىٰ الإطلاق ..

 كان يوم كربلاء مريضاً أو موعوكاً وللحدّ الذي لا يستطيع الوقوف علىٰ قدميه ، أو لا تحمله قدماه ، كما تقول الروايات.

روي عن علي ابن الحسين عليه السلام أنّه قال : « إنّي لجالسٌ في العشيّة التي قُتل فيها أبي الحسين بن علي ، في صبيحتها وعمّتي زينب تمرّضني ، إذ دخل أبي وهو يقول :

 

 

 

يا دهرُ أفٍّ لك من خليلِ

 

كم لك في الإشراق والأصيلِ

من طالبٍ وصاحبٍ قتيلِ

 

والدهر لا يقنع بالبديلِ

وإنّما الأمر إلىٰ الجليلِ

 

وكلّ حيٍّ سالكُ السبيلِ

ففهمتُ ما قال وعرفتُ ما أراد ، وخنقتني عبرتي ، ورددتُ دمعتي ، وعرفتُ أنّ البلاء قد نزل بنا. فأمّا عمّتي زينب فإنّها لمّا سمعت ما سمعت ، والنساء من شأنهنّ الرقّة والجزع ، لم تملك أن وثبت تجرّ ثوبها حاسرة وهي تقول : واثكلاه ، ليت الموت أعدمني الحياة .. ، فقال لها الحسين  يا أختي اتّقي الله ، فإنّ الموت نازل لا محالة   .. ثمّ قال : إنّي أُقسم عليك ، فأبرّي قسمي ، لا تشقّي عليَّ جيباً ، ولا تخمشي عليَّ وجهاً ، ولا تدعي عليَّ بالويل والثبور. ثمّ جاء حتّىٰ أجلسها عندي ، فإنّي لمريض مدنف ، وخرج إلىٰ أصحابه .. »

كلّ ذلك وغيره كثير يختزنه الإمام السجاد ويطوي عليه قلبه وضلوعه  فيحمل تلك المشاهد والكلمات ليصبح بعد ذلك ناطقاً رسميّاً بما شاهده واطّلع عليه ، ويكون المرجع الرئيس المُنتدب لإتمام المهمّة التي استشهد من أجلها أبوه الإمام الحسين عليه السلام ، والتي لم تنته باستشهاده ، بل إنّها بدأت بعد ذلك مباشرة فعلاً.

 ودور الإمام السجاد عليه السلام يأتي الأكثر تجليّاً في ريادة مشروع هذه الثورة واستكمال فصولها وتجلية مفرداتها وشرح أبعادها ورسم المعالم الحقيقيّة للخط الإسلامي المحمّدي الأصيل.

المحطة الثانية : في الكوفة والشام :

يقف الإمام السجّاد عليه السلام شامخاً في قصر الإمارة بالكوفة مع عمّته زينب وهما يحملان بلاغة علي وعنفوان الحسين وعزّة العبّاس ، ليقولا بكلام عربي فصيح ومواجهة كلاميّة حادّة بينهما وبين الطاغية عبيدالله بن زياد ، قولاً لا يمكن أن يقوله ثائر مغلوب منكسر في مثل موقعهما وموقفهما وأمام هذا الطاغية .

يلتفت ابن زياد إلىٰ عليّ بن الحسين ويقول : « ما اسمك ؟ » قال : « علي بن الحسين » قال : « ألم يقتل الله علي بن الحسين ؟ » فسكت ، فقال : « مالك لا تتكلّم ؟ » قال :

« كان لي أخ يُقال له علي قتله الناس » !!

فقال ابن زياد : « إنّ الله قتله » فسكت الإمام عليه السلام.

قال : « ما لك لا تتكلّم ؟ » فقال الإمام علي بن الحسين عليه السلام : « الله يتوفىٰ الأنفس حين موتها .. وما كان لنفسٍ أن تموت إلّا بإذن الله .. »...

أمّا في الشام يقف الإمام السجاد عليه السلام في مجلس يزيد فينبري بعد أن يحمد الله ويثني عليه مسفّهاً الدعاوىٰ الأمويّة التي حاولت تشويه نهضة أبيه ، وتزييف أهداف ثورته

فذكّر الناس أوّلاً بنسبه الشريف واتّصاله بالإسلام ونبي الإسلام ، وأشار إلىٰ العديد من الحوادث التأريخيّة والجنايات التي ارتكبها جيش الأمويين .

وسأله المنهال بن عمرو الطائي « كيف أمسيتَ يا ابن رسول الله ؟ ».

فيجيب سائله بقولٍ موجز بليغ : « ويحك كيف أمسيت ؟ أمسينا فيكم كهيئة بني إسرائيل في آل فرعون ، يذبّحون أبناءهم ويستحيون نساءهم ، وأمست العرب تفتخر علىٰ العجم بأنّ محمّداً منها ، وأمسىٰ آل محمّد مقهورين مخذولين ، فإلىٰ الله نشكو كثرة عدوّنا ، وتفرّق ذات بيننا ، وتظاهر الأعداء علينا .. »

 

المحطة الثالثة : في المدينة المنوّرة :

١ ـ دوره العلمي.

عاش الإمام زين العابدين عليه السلام في المدينة المنوّرة ، حاضرة الإسلام الاُولىٰ وكان بشهادة أكابر أبناء طبقته والتابعين لهم ، الأعلم والأفقه والأوثق ، بلا ترديد.

كان إماماً في الدين ومناراً في العلم ، ومرجعاً ومثلاً أعلىٰ في الورع والعبادة والتقوىٰ حتّىٰ سلّم المسلمون جميعاً في عصره بأنّه أفقه أهل زمانه وأورعهم وأتقاهم .. فقال الزهري ، وهو من معاصريه : « ما رأيتُ قرشياً أفضل منه » ، وقال سعيد بن المسيّب وهو من معاصريه أيضاً : « ما رأيت قط أفضل من علي بن الحسين » ، وقال الإمام مالك : « سمّي زين العابدين لكثرة عبادته » ، وقال سفيان بن عيينة « ما رأيت هاشميّاً أفضل من زين العابدين ولا أفقه منه » ، وعدّه الشافعي أنّه : « أفقه أهل المدينة ». ووصفه عمر بن عبد العزيز بأنّه : « سراج الدنيا وجمال الإسلام »

إن علم زين العابدين هو علم آل الرسول ، وعلمهم هو علم جدّهم بالذات ، يتلقّاه الابن عن الأب عن الجدّ عن جبرائيل عن الله عزّ وجلّ ، وقد روى الشيعة والسنّة عنه العلوم والأدعية والمواعظ والتفسير والحلال والحرام والمغازي وغيرها. ولم يسند حديثاً ، ولا قولاً إلى صحابي أو تابعي ، لانّ الناس جميعاً تفتقر إلى أهل البيت في العلوم ، ولا يفتقرون إلى أحد.

فلم يختلف اثنان على أنّ لدى السيّد السجّاد العلوم المحمديّة والعلويّة ، ولولا ضغط حكّام الجور لانتشر عنه من العلوم ما تضيق به الكتب والمؤلّفات.

 

وكان له تلاميذ كثر أخذوا عنه عليه السلام علوم الشريعة من تفسير القرآن الكريم  وعلومه والسُنّة النبويّة الشريفة إلىٰ أحكام الشريعة ،كما تأدّبوا علىٰ يديه في مجالسه بآداب الإسلام التي شحنها في أدعيته التي اشتهرت وانتشرت في عهده  والتي حفظ المشهور جدّاً منها في الصحيفة المعروفة بـ « الصحيفة السجاديّة » نسبة إليه حيث عرف عليه السلام بالسجّاد.

وغير ذلك فقد سجّل الإمام عليه السلام سبقاً علميّاً وتاريخيّاً في رسالة تعد من مفاخر الإسلام وتراثه العلمي ، ألا وهي « رسالة الحقوق » التي استوعبت جلّ الحقوق التي لا يستغني الإنسان عن معرفتها ، ولا يستغني المجتمع عن احيائها والعمل بها ، لأجل أن يكون مجتمعاً إسلاميّاً حيّاً بحقّ ، كما أرادت له الشريعة السمحة.

ومن ناحية أُخرىٰ فقد ظهرت في عهده عليه السلام مقولات عقيديّة تبنّتها فرق إسلاميّة كعقيدتي الجبر والارجاء اللتين روّج لهما الامويّون تبريراً لوجودهم في السلطة لمشروعهم السياسي ، وعقيدتي التشبيه والتعطيل في الصفات اللتين اتّخذتهما فرق متناقضة بذرائع مختلفة.

وإزاء هذه الاتّجاهات وقف الإمام عليه السلام موقفه الواضح والمنسجم مع منهجه في التعليم والدفاع عن مبادئ الشريعة ، فضمّن أقواله الحكيمة وأدعيته المشتهرة نصوصاً تجتث تلك المقولات من جذورها .

ولم يدع الإمام عليه السلام مناسبة تمرّ إلّا وأوضح العقيدة الحقّة التي عليها أهل البيت عليهم السلام ، وهي تنزيه الباري جلَّ شأنه وتعظيمه.

 

 

٢ ـ دوره في بلورة المعارضة السياسيّة.

البعض يزعم أنّه اعتزل السياسة والتصدّي بعد فجيعته بوالده وإخوته ، وغدر الغادرين من أهل زمانه ، فاكتفىٰ بالتضرّع والدعاء وبعضهم يحلّل إنّه آثر الدعاء والبكاء علىٰ غيرهما ؛ لأنّهما أيسر مؤونةً وأقلُّ كلفةً من المواجهة والنزال وحزِّ الرؤوس وجزِّ الرقاب.

وبعضهم يقول إنّه آثر الدعة والراحة طمعاً بهما بعد أن رأىٰ ما رأىٰ من هول المصائب التي حلّت باخوته وأهل بيته في مجزرة كربلاء ..

ويشطح صنف آخر أكثر من هؤلاء جميعاً فيزعم أنّه صالح وساوم السلطة ونأىٰ بنفسه بعيداً عن الثورات الشيعيّة التي تفجّرت في زمانه ؛ بل تبرّأ منها وما إلىٰ ذلك..

انّ مرحلة الإمام السجّاد عليه السلام يمكن أن تسجّل منعطفاً مهماً بين مرحلتين فاصلتين في عمل أئمّة أهل البيت عليهم السلام :

الاُولىٰ : مرحلة التصدّي والصراع السياسي والمواجهة العسكريّة ضدّ المنحرفين والمحرّفين من الفاسقين والمارقين والناكثين ، وقبلهم الكفرة والمنافقين وأعداء الدين الواضحين ..

الثانية : مرحلة المعارضة السياسيّة الصامتة ، أو الرفض المسؤول الواضح للانحراف ، أمام الضبابيّة والزيف الملفّع بالدين ، وبعد ذلك بناء القاعدة الشعبيّة والجماعة الواعية التي تتحمّل عبء الرسالة لمواجهة الانحراف والتحريف ..

 كان أمام الإمام زين العابدين عليه السلام أن يُلفت الأنظار إلىٰ أمور كثيرة ، وأن يجذّر أمورا اُخرىٰ في عقول وضمائر الجماعة المؤمنة التي يُراد لها أن تحفظ الإسلام عقيدةً ونظاماً ، شريعةً ومنهاجاً ، وليس شعاراً وسوقاً ، أو تجارة واستهلاكاً .. ومن هذه الاُمور ما يلي :

١ ـ تركيز ثورة الإمام الحسين عليه السلام في ضمائر الناس باعتباره خرج لطلب الإصلاح في أُمّة جدّه فعلاً ، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر ، داعياً لتحكيم دين الله ، ولم يخرج « أشراً ولا بطراً » . فكان  يريد أن يفضح الشرعيّة المزيفة التي تقنّع بها الحكم الأموي ، وزيف شعاراته الإسلاميّة العريضة وبالتالي يوضح معالم الإسلام المحمّدي الأصيل.

٢ ـ بناء الجماعة الواعية ، أو كما تُسمّىٰ القاعدة الجماهيريّة الشعبيّة ، المؤهّلة لحفظ الرسالة وحدودها  .

٣ ـ تعميق مفهوم الإمامة والولاية في الجماعة الخاصة بعد أن اهتزّت لدىٰ العامّة تحت ضغط الإعلام المزيف وأبواقه المأجورة .

٤ ـ العمل بدقّة في مقطع زمني بالغ الحساسيّة ، يحسب علىٰ الإمام حركاته وسكناته  لكشف المعالم الحقيقيّة للدين ، بعيداً عن عيون السلطة ورقابتها وأزلامها وجواسيسها المنتشرين  .

أوحىٰ الامام  للسلطة بأنّه ابتعد تماماً عن العمل السياسي وانصرف للتعبّد والدعاء ، ومن ناحية اُخرىٰ سعىٰ إلىٰ تركيز المفهوم الإمامي الذي أُولىٰ أولويّاته مواجهة الظالم بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ..

وقد حار المؤرّخون في تشخيص موقف الإمام من حركات المعارضة مثل ثورة التوّابين بقيادة سليمان بن صُرد الخزاعي ، أو ثورة المختار وشعارها المعروف : « يالثارات الحسين » !!

فمن قائلٍ إنّه عليه السلام تبرّأ من ثورة المختار مثلاً ، إلىٰ قائل إنّه حينما جيء له برأس عبيد الله بن زياد ورأس عمر بن سعد وببعض قتلة الحسين عليه السلام ، خرّ ساجداً لله قائلاً : « الحمدُ لله الذي أدرك ثأري من أعدائي ، وجزى الله المختار خيراً »

ومنهم من قال إنّه لم يُجب علىٰ رسالة المختار ورفض دعوته ببيعته له عليه السلام ، لكون المختار لم يَستَشِرْه في تحرّكه أو حركته وإنّه لم يكن الإمام يعرف مكنون توجّهاته ونواياه .

 إلىٰ قائل : إنّ المختار لم يتحرّك إلّا تحت إشارته وتلقّي الضوء الأخضر منه ، وهكذا بين مشرّق ومغرّب ويمين ويسار.

لابدّ من القول أن الطريق الأفضل لأن يستكمل الإمام كافّة أهدافه ، كان عليه توزيع الأدوار  والعمل ضمن معادلة صعبة ، فهو لا ينبغي أن يوحي للسلطة أنّه معارض يبغي الحكم والسلطة ، ولكنّه من جهة اُخرىٰ يريد التأكيد علىٰ أنّه وصي ووريث ذلك الإمام العظيم  المقتول ظلما وهو المسؤول عن الثأر له ومواصلة طريقه ، فضلاً عن أنّه حامل رسالته ومؤدّي أماناته وامتداده والإمام المستخلف من بعده علىٰ البلاد والعباد ..

فهو من جهة لا يريد المغامرة بتركةٍ ثقيلة عليه أداؤها في تبليغ الرسالة وحمل الأمانة ، ومن جهة اُخرىٰ يريد تحريك أجواء الصراع ضدّ الظالمين  لتطويق مساعي الحكّام الأمويين في الالتفاف علىٰ جريمتهم في تحريف الدين وخبثهم في احتواء غضب الاُمّة المقدّس ضدّ قتلة الإمام الحسين عليه السلام وأصحاب الحسين عليه السلام.

ومن جهة ثالثة : لا يريد أن يُتّهم أنه اعتزل التصدي تشبثاً بالحياة وحرصاً علىٰ حطامها  

وفوق ذلك كلّه أنّه عليه السلام لم يرد أن يعطي للمتقاعسين والمتخاذلين عذراً آخر لتبرير قعودهم وغدرهم واحتمائهم بعزلته وانطوائه.  

 

 

إنّ خروج الإمام زين العابدين عليه السلام من أزمة الحركات المعارضة للدولة، على اختلاف مواقفها تجاهَ الإمام، من مُواليةٍ، ومُحايدة، ومُعاديةٍ، وبالشكل الذي لا يترك أثراً سلبيّاً عليه، ولا يحمّله مسؤوليّة، ولا تستفيد الأطراف المتنازعة من موقعه كإمام، وككبير أهل البيت عليه السلام، ولا تتضرّر أهدافه وخططه التي رسمها لإحياء الدين . إنّ الخروج من مثل هذا المأزق، وبهذه الصورة، عمل جبّار لابدّ أن يُعدّ من أخطر مواقف الإمام السياسيّة، ويستحقّ دراسة معمّقة لمعرفة أسسه، وأبعاده.

وبعد

إنّ ما بذله الإمام السجّاد عليه السلام من جهود وجهاد في سبيل الله، وما قام به من فرض الإمامة وواجب الولاية تجاه الدين والأمة، مع اقتران المهمّة بظروف صعبة وحرجة للغاية، حيث ملئت الأجواء بالرعب والردّة والانحراف عن القيم والموازين والأعراف، سواء الدينيّة، ام الأخلاقية، بل حتّى الإنسانية, إنّ ما بذله الإمام عليه السلام في سبيل القيام بالمهمة تمَ بأفضل ما يُتصوّر، فقد رسم لمخططاته خطّة عمل ناجحة بحيث مهّد الأرضية لتجديد معالم التشيع، ممثلاً لكلّ ما للإسلام من مجد وعدل وعلم وحكمة، لَهُوَ عمل عظيم، يدعو إلى الإعجاب والفخر والتمجيد، ويجعل من الإمام عليه السلام في طليعة القوّاد السياسيّين الخالدين.

 


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=1120
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2022 / 08 / 25
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 10 / 7