• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : مفاهيم .
                    • الموضوع : دور الإمام زين العابدين عليه السلام في بقاء جذوة ثورة الإمام الحسين عليه السلام .

دور الإمام زين العابدين عليه السلام في بقاء جذوة ثورة الإمام الحسين عليه السلام

دور الإمام زين العابدين عليه السلام في بقاء جذوة ثورة الإمام الحسين عليه السلام

 

ربما كتبت بعض الأقلام الإسلامية أن الإمام زين العابدين عليه السلام مال إلى الخنوع والاستسلام بعد مقتل أبيه الامام الحسين عليه السلام ، ولم يكن ثائرًا مثل أبيه، ولكننا إذا قرأنا الإمام  عليه السلام قراءة صحيحة وجدنا أن الامام  عليه السلام استمر على ثورة أبيه لكنه حولها من ثورة عسكرية إلى ثورة ثقافية وروحية وإعلامية، ولولاه لانطفأت شعلة الحسين عليه السلام ، فالامام (ع) كان وسيلة إعلامية امتدادًا لصوت ولصرخة الحسين عليه السلام. وقد قام  بثلاثة أدوار إعلامية:

الدور الأول: الدور الجماهيري

وقف الإمام زين العابدين عليه السلام في الكوفة وأمام الناس وهو أسير مقيد، لم يمنعه الأسر من أن يقوم بدوره الإعلامي، قال: أيها الناس: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (صلوات الله عليهم)، أنا ابن المذبوح بشط الفرات، من غير ذحل ولا ترات, أنا ابن من انتهك حريمه، وسلب نعيمه، وانتهب ماله، وسبي عياله، أنا ابن من قتل صبراً، وكفى بذلك فخرا.

أيها الناس: ناشدتكم بالله، هل تعلمون إنّكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه، وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة، ثمّ قاتلتموه وخذلتموه، فتباً لكم لما قدّمتم لأنفسكم، وسوأة لرأيكم، بأية عين تنظرون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إذ يقول لكم: قتلتم عترتي، وانتهكتم حرمتي، فلستم من أمّتي.

فارتفعت أصوات الناس بالبكاء من كل ناحية، ويقول بعضهم لبعض: هلكتم وما تعلمون؟ فقال (عليه السلام): (رحم الله امرأ قبل نصيحتي، وحفظ وصيتي في الله، وفي رسوله وأهل بيته، فإن لنا في رسول الله أسوة حسنة)

فقالوا بأجمعهم: نحن كلّنا يا ابن رسول الله سامعون مطيعون، حافظون لذمامك، غير زاهدين فيك، ولا راغبين عنك، فمُرنا بأمرك يرحمك الله، فإنّا حرب لحربك، وسلم لسلمك، لنأخذن يزيد ونبرأ ممّن ظلمك وظلمنا.

فقال (عليه السلام): (هيهات هيهات، أيّها الغدرة المكرة، حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم، أتريدون أن تأتوا إليّ كما أتيتم إلى آبائي من قبل؟ كلاّ ورب الراقصات إلى منى، فإنّ الجرح لمّا يندمل، قتل أبي بالأمس وأهل بيته ومن معه، ولم ينسني ثكل رسول الله، وثكل أبي وبني أبي، ووجده بين لهاتي، ومرارته بين حناجري وحلقي، وغصصه تجري في فراش صدري، ومسألتي أن لا تكونوا لنا ولا علينا.

وأدخلوه مجلس يزيد بن معاوية مقيدًا، لم يمنعه القيد من أن يقوم بدور إعلامي في قلب العاصمة الأموية، وقف وهو يقول  (أيّها الناس، أُعطِينا سِتًّا، وفُضِّلنَا بِسَبع، أعطِينَا العِلم، والحِلم، والسَمَاحَة، والفَصَاحَة، والشَجَاعة، والمَحَبَّة في قلوب المؤمنين، وفضّلنا بأنّ منّا النبي المختار محمّد (صلى الله عليه وآله)، ومنّا الصدّيق، ومنّا الطيّار، ومنّا أسد الله وأسد رسوله، ومنّا سيّدة نساء العالمين فاطمة البتول، ومنّا سبطا هذه الأُمّة، وسيّدا شباب أهل الجنّة، فمن عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي .

أيّها الناس، أنا ابن مكّة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الزكاة بأطراف الرداء، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى، أنا ابن خير من انتعل واحتفى، أنا ابن خير من طاف وسعى، أنا ابن خير من حج ولبّى، أنا ابن من حمل على البراق في الهواء، أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فسبحان من أسرى، أنا ابن من بلغ به جبرائيل إلى سدرة المنتهى، أنا ابن من دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلّى بملائكة السماء، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن محمّد المصطفى، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق، حتّى قالوا لا اله إلا الله، أنا ابن من بايع البيعتين، وصلّى القبلتين، وقاتل ببدر وحنين، ولم يكفر بالله طرفة عين، يعسوب المسلمين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، سمح سخي، بهلول زكي، ليث الحجاز، وكبش العراق، مكّي مدني، أبطحي تهامي، خيفى عقبي، بدري أحدي، شجري مهاجري، أبو السبطين، الحسن والحسين، علي بن أبي طالب، أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيّدة النساء، أنا ابن بضعة الرسول... وابنُ خَديجةِ الكبرى، أنَا ابنُ المُرمَّلِ بالدِماء، أنا ابنُ ذَبيحِ كَربلاء، أنَا ابن مَنْ بَكَى عليهِ الجِنُّ في الظَلماء، وناحَتْ الطير في الهَوَاء .

فحوّل الناس في الكوفة وفي الشام من معارضين شامتين إلى موالين معارضين ليزيد بن معاوية، استطاع بدوره الإعلامي الجماهيري أن يزرع صوت أبيه الحسين عليه السلام في كل قلب.

الدور الثاني: الدور الحواري

كان يحاور الناس، ويعرفهم بأبيه الحسين عليه السلام وبأهل البيت عليهم السلام ، رآه شيخ في الشام، قال: الحمد لله الذي أهلككم ومكّن الأمير منكم، قال: يا شيخ، هل قرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: هل قرأت قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾؟ قال: بلى، قال: نحن القربى يا شيخ، هل قرأت قوله تعالى:﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾؟ قال: بلى، قال: نحن أهل البيت يا شيخ، هل قرأت قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾؟ قال: بلى، قال: نحن هم يا شيخ، قال: أنتم آل رسول الله؟ قال: نعم، قال: آل رسول الله مصفدون مقيدون مشردون؟

بناتُ زيادٍ في القصور مصونة     وآلُ  رسولِ  اللهِ  في  الفلواتِ

وآلُ  رسولِ اللهِ تدمى نحورهمْ    وآلُ    زيادٍ    حُفَّلُ   القَصِراتِ

وكان في مجلس يزيد بن معاوية فسمع المؤذن يؤذن، استغل الفرصة ليقوم بدوره الإعلامي، فبمجرد أن وصل المؤذن إلى الشهادة الثانية: أشهد أن محمدًا رسول الله، التفت الامام زين العابدين عليه السلام إلى يزيد، قال: ”يا يزيد محمد جدي أم جدك؟ فإن قلتَ: جدك، فقد كذبت، وإن قلتَ: جدي، فلماذا أبدت عترته وانتهكت حرمته وسبيت ذريته؟!“ وضع بصماته التأثيرية على النفوس والقلوب من خلال قيامه بدوره الإعلامي.

الدور الثالث

بكى الامام زين العابدين عليه السلام على أبيه الحسين عليه السلام أكثر من عشرين سنة، بكاءً حقيقيًا لكنه كان بكاءً هادفًا، كان فعلاً ولم يكن انفعالاً، وكان يخطط  من خلال البكاء إلى إثارة المظلومية وتأجيج روح الحسين عليه السلام في كل من يسمعه وفي كل من يلقاه.

 ما وُضِعَ له شراب إلا وقال: ”وكيف أشرب وقد ذبح أبي الحسين عطشانًا؟!“

 يذهب إلى السوق فيرى أهل السوق لا يذبحون الشاة حتى يسقوها ماء فيلتفت، يريد أن يثير أهل السوق إثارة إعلامية واضحة، فيلتفت ويقول: ”إلا أنت يا أبا عبد الله، لا يذبح الكبش حتى يروى من ظمأ ويذبح ابن رسول الله عطشانًا.

يقول له أبو حمزة: سيدي إلى متى هذا البكاء؟ إني أخاف عليك أن تكون حرضًا أو تكون من الهالكين، قال: ”يا أبا حمزة لا تلمني، والله ما ذكرتُ مصرع أبي وإخوتي إلا خنقتني العبرة، يا أبا حمزة - أنت لم تر ما رأيته، رأيتُ أهلي مجزرين كالأضاحي - يا أبا حمزة ما ذكرتُ فرار عماتي وأخواتي وهن يصرخن واضيعتاه إلا وخنقتني العبرة“، كربلاء تعيش حرارة في قلب الامام زين العابدين عليه السلام لأنه عاصرها من أولها إلى آخرها ....

 


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=1121
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2022 / 08 / 25
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 09 / 27