• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .
              • القسم الفرعي : مقالات .
                    • الموضوع : وسائل الغزاة وحيلهم .
                          • رقم العدد : العدد الأربعون .

وسائل الغزاة وحيلهم

وسائل الغزاة وحيلهم

استخدم الأعداء الغزاة عدة وسائل لتحقيق أهدافهم

 وتنقسم هذه الوسائل إلى قسمين رئيسين

القسم الأول : وسائل الغزو المسلح

فيجدون مبرراً لتدخلهم السافر , بحجة التأديب والانتقام , أو حجة حماية الأقليات , أو بحجة العمل على فرض الأمن والاستقرار , أو حجة تلبية طلب بعض أهل البلاد لنجدتهم , أو حجة التمدين والمساعدة على التقدم .

وسائل الغزو غير المسلح

وأما وسائل الغزو غير المسلح فكثيرة  نذكر منها ما يلي :

الخداع السياسي

وعناصر الخداع السياسي ترجع إلى مجموعة من الرذائل الخلقية , كالكذب والنفاق والرياء والخيانة ونقض العهد وعدم الوفاء بالوعد ونحو ذلك .

وتاريخ المآسي التي اكتوى المسلمون بنارها على أيدي الأعداء الغزاة والطامعين مشحون بأمثلة الخداع السياسي , ومنها :

أ – الخديعة التي وقعت فيها الأمة العربية

فبينما كانت بنود التحالف مع الفرنسيين والبريطانيين تنص على تأسيس دولة عربية موحدة تضم الجزيرة العربية وفلسطين وشرق الأردن ولبنان وسورية والعراق , كانت تجري مباحثات ((سايكس – بيكو)) بين فريقين من الدول الاستعمارية , بغية تقسيم البلاد العربية وإخضاع دول الهلال الخصيب لسلطة الانتداب , فكانت العراق وفلسطين والأردن من نصيب بريطانيا , وكانت سوريا ولبنان من نصيب فرنسا .

وفي الوقت نفسه كانت الترتيبات تهيأ لإعلان وعد (بلفور) عام (1917م) , ثم بدأت السلطات الاستعمارية تهيئ ما يلزم لتنفيذ الوعد , ثم قامت دولة اليهود .

ب – ومن أمثلة الخداع السياسي الدولي الهدنة التي فرضت على الدول العربية المحيطة بالدولة اليهودية المصطنعة في قلب الأمة العربية عام (1948م) , وقد فرضت هذه الهدنة لتهيئة الفرصة الكافية لهذه الدولة الغاصبة كي تتمكن في الأرض , وتنشأ في جوٍ من الطمأنينة دولتها العدوانية داخل جسم الأمة العربية , ومن حولها سائر الشعوب الإسلامية .

الحصار الاقتصادي

والهدف من ذلك إخضاع الشعوب الإسلامية وإلجاؤها إلى الاستسلام لسلطان الغزاة السافرين أو المقنعين ، والإذعان لتنفيذ مخططاتهم

أما وسائل الحصار الاقتصادي فكثيرة ، منها الوسائل التالية

الوسيلة الأولى : افتعال الأزمات الاقتصادية

الوسيلة الثانية : حمل المسلمين على تطبيق نظم اقتصادية من شأنها أن تهدم اقتصاد المسلمين وتبدد ثرواتهم ، وتلقي بهم في أزمات اقتصادية خانقة.

الوسيلة الثالثة : حرمان الشعوب الإسلامية من وسائل تقدمها وتطورها في العلوم العلمية  الوسيلة الرابعة : شَغْل الشعوب الإسلامية في معارك داخلية لا تمس مصالح الطامعين.

الوسيلة الخامسة : ربط الشعوب الإسلامية بالقروض الكثيرة

 التضليل الفكري

 ببث المفاهيم الفاسدة عن الدين والحياة والوجود وعن الاجتماع والأخلاق والسلوك ، وعن شروط التقدم ووسائله ، وعن النفس والوجدان والضمير ، وغير ذلك .

وهذه التضليلات الفكرية تبثها الأجهزة الاستعمارية والتبشيرية والاستشراقية والإلحادية

فمن هذه التضليلات ما يكون الغرض منه النفوذ إلى أسس العقائد والتشريعات الإسلامية الربانية الحقة ، بغية اقتلاعها من عقول فريق من أبناء المسلمين وقلوبهم .

وبث الأفكار الدعائية التي توهم المسلمين أن التقدم المادي في شؤون المدنية الحديثة رهنٌ بترك الاستمساك بتعاليم الإسلام ، وأن الإسلام عقبة في طريق التقدم ، ويقدم الذين يبثون التضليلات مزاعم كثيرة خالية من كل سندٍ واقعي ، لدعم الأفكار الدعائية التي يضللون بها .

العبث النفسي وله صورتان

الصورة الأولى : وتكون بالتلاعب بالانفعالات الآنية والعواطف الثابتة

كبث الدعايات الملفقة لشحن نفوس الجماهير بعواطف الميل نحو أمرٍ ما ، أو لشحن نفوس الجماهير بعواطف النفور من أمرٍ ما فالكراهية له ، فالبغض الشديد ، فإعلان العداوة ، وهكذا حتى درجة التصميم على الفتك وإثارة الفتن والحروب والتضحية في سبيل ذلك بالأموال والأنفس والثمرات . وحينما تصل درجة حرارة الانفعالات إلى نسبة معينة يأتي دور تنفيذ المؤامرة المدبرة فمعركة خاسرة ، أو فتنة مهلكة .

ومن وسائل تبريد حرارة الانفعالات غمس معظم أفراد الأمة بالأموال والمتع والشهوات والملذات وأنواع اللهب واللعب ، ومختلف مرضيات وممتعات الأنفس والحواس.

ومن وسائل تبريد حرارة الانفعالات الجماعة تفتيت الأمة إلى وحدات لا يثق أحدٌ منها بالآخر

الصورة الثانية : التلاعب بأهواء النفوس ، واصطيادها بشباك الشهوات واللذات والمغريات ، وتحويل ميلها عن الخير ، إلى مرضيات شهواتها من الشر . ذلك لأن أصول الشر في الحياة تعتمد على تحرير النفس من الضوابط ، أما أصول الخير فتعتمد على تكليف النفس جهد الصعود واجتياز العقبات

حبائل التلاعب

ولا تكاد تحصى أشكالها وألوانها وصورها ، إلا أنها قد لا تعدو الأنواع الرئيسة التالية

النوع الأول : الأموال على اختلاف أصنافها ، وتباين طرق تحصيلها

النوع الثاني : النساء وزينتهن وما يتصل بشهوات الجنس

النوع الثالث : الجاه والسلطان وسائر أشكال الأحكام

النوع الرابع : المآكل والمشارب وما يتصل بشهوات البطون

النوع الخامس : متع السمع والبصر

النوع السادس : السياحات والرحلات والنزهات والتنقل في أرجاء الأرض

النوع السابع : اللهو واللعب والدعة والمضحكات والمسليات

ومن البدهي أن ميل النفوس إلى هذه الأنواع أمر فطري لا يحتاج إلى تعليم أو إقناع بالحجج والبراهين ، ولا يتطلب معاكسة أو مخالفة لهوى أو غريزة

حيل السلب المالي

فمن ذلك الحيل المالية التي تمارسها البنوك الدولية ، كعقد صفقات القروض الربوية التي تستنزف ثروات البلاد وطاقات شعوبها بشكل تدريجي..

ومن حيلهم لسلب الأموال التلاعب بالنقد ، وذلك عن طريق تخفيض أسعاره ، أو إلغاء أوراقه المعتمدة ، أو تجمعيها وإخفائها ، أو عن طريق التهريب أو عن طريق التزوير ، أو المضاربات الدولية المشحونة بمؤامرات الغش والكذب والخداع .

ومن حيلهم لسلب الأموال نشر الخمور والمخدرات وتأسيس نوادي القمار ودور اللهو والدعارة ومباءات قتل الوقت الثمين بسموم الرذيلة الفتاكة  إلى غير ذلك من حيل لا تحصى وأساليب لا تحصر

الإفساد الاجتماعي

ويتضمن هذا الإفساد كل خطة ترمي إلى حل التماسك وفك الترابط الجماعي

وأرادوا أن يضعوا بدل الوحدة الاعتقادية المهيمنة على قلوب المسلمين أشتاتاً أخرى ، من أخلاط اعتقادية فاسدة لا أساس لها من الحق ، أو اتجاهات وجودية إلحادية.

وأرادوا أن يضعوا بدل الوحدة السلوكية النظرية والتطبيقية قطعاً ممزقة بالية ، واهية الخيوط ، تتلاعب بها الرياح الكونية شرقا وغربا.

وأرادوا أن يضعوا بدل الوحدة العاطفية المستندة إلى أساس ديني متين أشتاتاً عاطفية متباينة متناقضة ، فمنها أناني شخصي ، ومنها إقليمي ، ومنها قومي ، ومنها مصلحي مادي ، ومنها طائفي ، ومنها طبقي

الإفساد الخلقي والسلوكي

وقد اكتشف الأعداء الغزاة طريقين للوصول إلى إفساد أخلاق الشعوب ، والهبوط بها من قمة الكمال الإنساني إلى حضيض النقص والرذيلة

الطريق الأول : العبث بالمفاهيم والحقائق الخلقية

أ- العبث بالمفاهيم والحقائق الخلقية والسلوكية

من خلال حشد النظريات الفلسفية الأخلاقية المنحرفة عن الشرائع الربانية المستندة إلى مبادئ الخير والشر ، والنفع والضر ، والمصالح والمفاسد

كتمجيد اللذة الفردية ، وإباحة كل ما يحققها

ومن التضليلات أن الأخلاق أمور اعتبارية وليس لها أصول فكرية ثابتة

ب- الغمس بالمجتمعات ذات الأخلاق الفاسدة والسلوك المنحرف

فمن المعروف المجرَّب في طبائع الناس ، أن الإنسان بطبيعته قابل للتكيف والتأثر بالبيئات الاجتماعية التي ينغمس فيها .فلو وضعنا تقياً نقياً غير معصوم في بيئة اجتماعية ، معظم من فيها فاسدون متحللون ماديون لا يعرفون إلا الانحرافات الخلقية وأنواع السلوك الفاسد فإن الذي يحدث لهذا التقي النقي عملية تحول تدريجي قد تبدأ مراحل التحول بالنفرة الشديدة والمقاومة والصمود ، ثم تنتقل إلى الانكماش والتوجس ، ثم تنتقل إلى حالة من حالات العزلة النفسية ، وفي كل مرحلة من هذه المراحل لون من ألوان التأثر بالبيئة لا محالة ، ثم تنتقل إلى الشعور بعدم المبالاة فراراً من الصراع النفسي والقلق الدائم ، وسأماً من العزلة النفسية القائمة ثم تنتقل إلى إلف هذه البيئة ، وذلك لأن تكرار مشاهدة القبيح من الوسائل التي تجعله مألوفاً لا يثير في النفس نفرة ولا اشمئزازاً وهذا في القبيح النفسي أو القبيح الحسي ، فكيف بالأمور التي لا يدرك قبحها إلا عن طريق الشرع ، أو عن طريق التأمل العقلي العميق والنظر الفكري الدقيق ، وهي جميلة لدى الحواس ، لذيذة في النفوس ، تهفو إليها الغرائز ، وتميل إليها الأهواء والشهوات. وبعد مرحلة الإلف تبدأ مراحل المسايرة ، ثم مراحل الاندماج الكلي ، والتحول التام ، والتلاؤم مع واقع البيئة الجديدة.

فلا عجب أن نجد تقياً نقياً تحول إلى فاسق فاجر من الطراز الأول إذا استطاع شياطين الإنس أن يزجوا به في بيئة اجتماعية ماكرة ، مملوءة بالعناصر الفاسدة الفاسقة ، المنغمسة بالمال واللذة والنساء ، والاستمتاع بأنواع الشهوات المحرمة ، ومرافقات هذه العناصر ، مما يحرك الغرائز ويهيجها ، ويؤثر في النفوس ويستميلها .

وفي مقابل ذلك ربما يستطيع المصلحون أن يعملوا على تحويل فاسق فاجر إلى تقي نقي طاهر ، إذا استطاعوا أن يغمسوه في بيئة اجتماعية كريمة ، مملوءة بعناصر الصلاح والتقوى.

وقد عرفت كتائب الأعداء الغزاة هذه الطبيعة النفسية عند الإنسان ، فوضعت في منهاج عملها أن تسلك طريق غمس المسلمين في بيئات فاسدة منحلة خلقياً

ومعلوم أن أهم عناصر هذا الإفساد العناصر التالية : المال – النساء – الخمر – المادية البحتة – أنماط العيش التي تعتمد على الرفاهية والمتعة واللذة وعدم المبالاة إلا بما تمتص طاقات الفكر والجسد من متعة ولذة ولهو.

ومهمة المصلحين في مقابل ذلك أن يعملوا على تهيئة البيئات الصالحة المؤثرة ، التي تتوافر فيها معظم الشروط لتحويل الفاسدين إلى صالحين .

شاهد على الإِفساد باستقدام كثير من أبناء المسلمين إلى بلاد الكفر

جاء في مقدمة كتاب "المنبوذون في الأرض" ل"جان بول سارتر" حامل لواء الوجودية الملحدة ، قوله  كنَّا نُحْضِر رؤساء القبائل ، وأولاد الأشراف والأثرياء والسّادة ، من أفريقية وآسيا ، ونطوف بهم بضعة أيّام ، في أمستردام ، ولندن ، والنرويج ، وبلجيكا ، وباريس ، فتتغيّر ملابسهم ، ويَلْتَقطون بعض أنماط العلاقات الاجتماعيّة الجديدة ، ويرتدون السّترات والسراويل . ويتعلّمون منا طريقةً جديدة في الرَّواح والْغُدُوّ ، والاستقبال والاستدبار ، ويتعلّمون لغاتنا ، وأساليبَ رَقْصِنَا ورُكوب عرباتنا ، وكُنَّا نُدَبِّر لبعضهم أحياناً زواجاً من أوروبيّة ، ثُمَّ نلقِّنُهُمْ أسلوبَ الحياة على أثاث جديد ، وغذاء أوروبيّ ، وكُنَّا نضعُ في أعماق قلوبهم الرغبة في أوروبّة بلادِنا ، ثم نرسِلُهم إلى بلادهم ، وأيّ بلاد؟!

لقد كانت أبوابُ بلادهم مغلقة دائماً في وجوهنا ، لم نكن نجد منفذاً إليها ، كُنَّا بالنسبة إليها رِجْساً ونجساً وخَنَا ، كُنَّا أعداءً يخافون منا ، وكأنّهم همجٌ لم يعرفوا بشراً ، لكنَّا بمجرد أن أرسلنا المفكرين الذين صنعناهم إلى بلادهم ، كُنّا بمجرّدِ أن نصيح من أمستردام ، أو برلين ، أو بلجيكا ، أو باريس ، قائلين : "الإخاء البشري" نرى أنّ أصواتنا يرتَدُّ من أقاصي أفريقية ، أو من فجّ من الشرق ، الأوسط أو الأدنى أو الأقصى  أو شمال أفريقية .

ثمّ إنّنا كنّا واثقين من أنّ هؤلاء المفكرين لا يملكون كلمةً واحدةً يقولونها غير ما وضعنا في أفواههم ، ليس هذا فحسب ، بل إنَّهم سُلِبُوا حق الكلام عن مواطنيهم .

إنّه دور "دليل الطريق" للاستعمار في البلاد

إنَّهُمْ نَخَرُوا من الداخل ثقافة أهليهم ونَخَرُوا مُثُلَهُم وأحاسيسهم وأفكارهم الجميلة ، وأصالتَهُم الأخلاقيّة والإنسانيّة.

 


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=1132
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2023 / 01 / 30
  • تاريخ الطباعة : 2024 / 03 / 2