• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : شهر رمضان .
                    • الموضوع : لعلكم تتقون....من آثار التقوى في النشأة الأُخرى‏ .

لعلكم تتقون....من آثار التقوى في النشأة الأُخرى‏

لعلكم تتقون....من آثار التقوى في النشأة الأُخرى‏

بداية فإنّ المتقي هو الذي يتحوّل فعل الخير في حياته إلى سلوك مستمر

وقد أشار القرآن الكريم في آيات كثيرة إلى الآثار المترتّبة على التقوى في النشأة الأخرى

ويبيّن لنا نعيم المتقين وكرامتهم عند اللّه. وتختلف نعم الآخرة عن الأخرى الدنيوية. إنّها خاصة بالمتقين، وهم‏ الذين يحفظون أنفسهم عن المحرّمات، ويؤلمون أنفسهم بترك الهوى، وبالصبر على المصائب و ألوان الأذى في اللّه،  أخيرا بالاستقامة على الحق حتى الموت:

قوله تعالى:  إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55) القمر

وربّنا وعد المتقين وحدهم بالمقام الأمين عند ما قال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ‏ والأمن والسلام من أهمّ الحاجات النفسية للبشر، ولا يبلغ غاية الاطمئنان في الدنيا والآخرة إلّا المتقون، ذلك انه لا يحصل إلّا بذكر اللّه عزّ وجل، وباتباع منهاجه في الحياة ومن يتبع المنهج الربّاني وحده يستطيع العيش مطمئنا وفي مقام أمين من المكاره.

والمقعد: مكان القعود. والقعود هنا بمعنى الإقامة المطمئنة.

ومقعد صدق، أي مقعد كامل في جنسه مرضي للمستقر فيه ، وإضافة مَقْعَدِ إلى‏ صِدْقٍ‏ من إضافة الموصوف إلى صفته للمبالغة في تمكن الصفة منه.

قال العلامة الطباطبائي(ره) : «المراد بالصدق، صدق المتّقين في إيمانهم وعملهم، أضيف إليه المقعد لملابسة ما، ويمكن أن يراد به كون مقامهم وما لهم فيه صدقاً لا يشوبه كذب، فلهم حضور لا غيبة معه، وقرب لا بُعد معه، ونعمة لا نقمة معها، وسرور لا غمّ معه، وبقاء لا فناء معه»[1].

عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ والمليك: فعيل بمعنى المالك مبالغة وهو أبلغ من ملك، ومقتدر: أبلغ من قادر، وتنكيره و تنكير مقتدر للتعظيم. والعندية عندية تشريف و كرامة

 وفي هاتين الصفتين ضمان للمؤمنين بأنّ ما يوعدون واقع حاصل، لأنّ الذي يعدهم يملك ما وعدهم، ويقدر على تحقيقه فهو لا يمنعه مانع .

ويقول تعالى: الْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ الزخرف67

التقوى في الصداقة هي الباقية حقّا يوم القيامة حيث يبحث كلّ واحد عن خليل يشفع له‏ فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ  الشعراء/ 100- 101

فلا ينفع غير الأصدقاء في اللّه فليس المطلوب صداقة كيفما اتفق، بل تلك الصداقة التي تمتدّ من الدنيا الى الآخرة، الى أن يدخلا في الجنة بسلام.

وفي مقابل هذه الصداقة هناك صداقة تنتهي بانتهاء الزمالة أو المصلحة. وهي معرضة للاهتزاز والزوال. والمعنى ان صلة الحب والصداقة التي كانت في الدنيا تنقطع يوم القيامة و تزول إلا إذا كان مصدرها الاخوة في اللّه والتعاون على طاعته، فإنها عندئذ تستمر .

والْأَخِلَّاءُ: جمع خليل، و هو الصاحب الملازم، قيل: إنه مشتق من التخلل لأنه كالمتخلّل لصاحبه و الممتزج به، وتقدم في قوله: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا في سورة النساء [125].


ويقول تعالى:  يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (85) وَ نَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى‏ جَهَنَّمَ وِرْداً (86) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (87) مريم

والحشر: الجمع مطلقا، يكون في الخير كما هنا، وفي الشرّ كقوله: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَ ما كانُوا يَعْبُدُونَ* مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى‏ صِراطِ الْجَحِيمِ‏ [الصافات: 22، 23]، ولذلك أتبع فعل‏ نَحْشُرُ بقيد وَفْداً، أي حشر الوفود إلى الملوك، فإن الوفود يكونون مكرمين.

ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أنّ المتّقين الّذين كانوا يتّقونه في دار الدّنيا بامتثال أمره واجتناب نهيه يحشرون إليه يوم القيامة في حال كونهم وفدا. والوفد على التّحقيق: جمع وافد كصاحب و صحب. والوافد: من يأتي إلى الملك مثلا إلى أمر له شأن.

 

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ الدخان (51)

والمقام بضم الميم: مكان الإقامة. والمقام بفتح الميم: مكان القيام ويتناول المسكن و ما يتبعه.

و الأمين بمعنى الآمن والمراد: الآمن ساكنه، والأمن أكبر شروط حسن المكان لأن الساكن أول ما يتطلب الأمن و هو السلامة من المكاره والمخاوف فإذا كان آمنا في منزله كان مطمئن البال شاعرا بالنعيم الذي يناله..

ومن نعيم الجنة أن يجد أهلها ما يطلبون دون أدنى تعب. يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ‏

بعكس الدنيا تماما حيث لا بد للإنسان فيها من السعي لكي يصل إلى رغباته، و التنازل عن شي‏ء للظفر بشي‏ء آخر، وصدق أمير المؤمنين (ع) حيث قال: «أيها الناس! إنّما أنتم في هذه الدنيا غرض تنتضل فيه المنايا، مع كل جرعة شرق، وفي كلّ أكلة غصص! لا تنالوا منها نعمة إلّا بفراق أخرى، و لا يعمّر معمّر منكم يوما إلّا بهدم آخر من أجله، و لا تجدّد له زيادة في أكله إلّا بنفاد ما قبلها من رزقه،/ 53 و لا يحيا له أثر إلّا مات له أثر، ولا يتجدّد له جديد إلّا بعد أن يخلق له جديد، و لا تقوم له نابتة إلّا و تسقط منه محصودة»

أمّا في الجنة فالمتقون آمنون من كلّ هذه العيوب و النواقص.

لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى‏ التي ذاقوها في الدنيا، اشارة لنعمة الخلود، وهي من أعظم النعم و الغايات التي يتمنّاها البشر.

و إلى جانب هذه المنّة يذكّرنا ربنا بنعمة عظيمة أخرى، وهي الوقاية من النار، ويقول عزّ وجل: «فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ» آل عمران/ 185

وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ‏ تلتقي كلمة «المتقين» مع تعبير «وقاهم» في نقطة هامة، وهي أنّ التقوى التي كانت تحجز هؤلاء عن ارتكاب المعصية في الحياة الدنيا، هي التي تكون واقية لهم من العذاب في الآخرة.

 

 

[1] ( 1) الميزان في تفسير القرآن، ج 19 ص 89.


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=1148
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2023 / 04 / 04
  • تاريخ الطباعة : 2024 / 04 / 18