• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : شهر رمضان .
                    • الموضوع : ليلة القدر... لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ .

ليلة القدر... لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ

ليلة القدر... لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ

انا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَ ما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2)

وليلة القدر هذه الليلة التي قال اللّه تعالى في شأنها في سورة الدخان: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ. فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ.

وهذه الليلة هي من ليالي شهر رمضان، بدليل قوله- تعالى-: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى‏ وَ الْفُرْقانِ‏.

و القدر الذي أضيفت إليه الليلة، بمعنى الشرف و العظمة، مأخوذ من قولهم: لفلان قدر عند فلان، أى: له منزلة رفيعة، وشرف عظيم

 وقوله- سبحانه- بعد ذلك: وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ يفيد التعظيم و التفخيم.

وتنويه بشرف هذه الليلة، حتى لكأن عظمتها أكبر من أن تحيط بها الكلمات والألفاظ.

أى: وما الذي يدريك بمقدار عظمتها وعلو قدرها، إن الذي يعلم مقدار شرفها هو اللّه‏- تعالى- علام الغيوب.

او أن يكون المراد بالقدر هنا: التقدير لأن اللّه تعالى يقدر فيها ما يشاء تقديره لعباده 

وبين سبحانه مظاهر فضلها

 فقال إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ

أي كثيرة البركات والخيرات. ولا شك أن ليلة هي خير من ألف شهر، إلى آخر الصفات التي وصفت بها، في سورة القدر كثيرة البركات، والخيرات جدا.

هي مباركة، لزيادة خيرها و فضلها، ولما تتابع فيها من نعم دينية و دنيوية ..

وللّه تعالى أن يفصل بعض الأزمنة على بعض و بعض الأمكنة على بعض و بعض الرسل على بعض .. لا راد لفضله، و لا معقب لحكمه ...

وإنها ليلة مباركة بنازلها القرآن ومنزلها قلب نبي القرآن، كما أنه كتاب ذو قدر وهو (صلى اللَّه عليه وآله) نبي ذو قدر.

وليلة مباركة مستمرة في بركتها وقدرها مرّ الأعوام إلى يوم القيام، «تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ» فرقا وتنزّلا مستقبلا منذ نزول القرآن المحكم حتى القيامة الكبرى.

وقوله تعالى: وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ تنويه آخر بشرف هذه الليلة، وتفخيم لشأنها، حتى لكأن عظمتها أكبر من أن تحيط بها الكلمات و الألفاظ.

أى: و ما الذي يدريك بمقدار عظمتها و علو قدرها، إن الذي يعلم مقدار شرفها هو اللّه‏- تعالى- علام الغيوب.

ومن مظاهر فضلها  انها : خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ

وحسبك قوله تعالى- لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ وقوله: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها

أى ليلة القدر أفضل من ألف شهر، بسبب ما أنزل فيها من قرآن كريم يهدى للتي هي أقوم. ويخرج الناس من الظلمات إلى النور، وبسبب أن العبادة فيها أكثر ثوابا، وأعظم فضلا من العبادة في أشهر كثيرة ليس فيها ليلة القدر.

والعمل القليل قد يفضل العمل الكثير، باعتبار الزمان والمكان، وإخلاص النية، وحسن الأداء، وللّه تعالى أن يخص بعض الأزمنة و الأمكنة و الأشخاص بفضائل متميزة.

مزية أخرى لهذه الليلة المباركة: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ.

فالملائكة ينزلون فيها أفواجا إلى الأرض، بأمره- تعالى- وإذنه، وهم جميعا إنما ينزلون من أجل أمر من الأمور التي يريد إبلاغها إلى عباده. وهم ينزلون في ليلة القدر بأمر ربهم من أجل كل أمر قدّره اللَّه و قضاه في تلك السنة إلى قابل.

ويقول تعالى: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْراً مِنْ عِنْدِنا الدخان

يُفْرَقُ‏ أي في تلك الليلة المباركة يفرق أي يفصل ويبين من قوله فرقت الشي‏ء أفرقه وفرقانا، قال صاحب «الكشاف» وقرئ يفرق بالتشديد ويفرق على إسناد الفعل إلى الفاعل ونصب كل والفارق هو اللّه عزّ وجل.

أما قوله‏ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ‏ فالحكيم معناه ذو الحكمة، وذلك لأن تخصيص اللّه تعالى كل أحد بحالة معينة من العمر والرزق و الأجل والسعادة والشقاوة يدل على حكمة بالغة للّه تعالى، فلما كانت تلك الأفعال والأقضية دالة على حكمة فاعلها وصفت بكونها حكيمة، وهذا من الإسناد المجازي

وما هو الروح؟

قيل هو جبرائيل- عليه السلام حيث قال‏ تعالى في آية اخرى نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ

وقيل هو ملك عظيم يؤيد به أنبياءه فقد روى عن الامام الصادق عليه السلام أنه سئل هل الروح جبرئيل (ع)؟ فقال: جبرئيل من الملائكة، والروح أعظم من الملائكة، أليس أن اللّه عز وجل يقول: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ‏

وقد قال ربنا سبحانه: وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ‏ مما يدل على أن الروح هو ما يؤيد اللّه به أنبياءه.

وقيل ان الروح هي الوحي، فان الملائكة يهبطون‏ في ليلة القدر به قال اللّه تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا الشورى/ 52

 وأصل «تنزل» تتنزل، فحذفت إحدى التاءين تخفيفا، ونزول الملائكة إلى الأرض، من أجل نشر البركات التي تحفهم، فنزولهم في تلك الليلة يدل على شرفها، وعلى رحمة اللّه تعالى بعباده.

وقوله: مِنْ كُلِّ أَمْرٍ يجوز في «من» وجهان:

أحدهما أنها بمعنى اللام، وتتعلق بتنزل، أى: تنزل من أجل كل أمر قضى إلى العام القابل.

والثاني: أنها بمعنى الباء، أى: تنزل بكل أمر قضاه اللّه تعالى فيها من موت وحياة ورزق.

سأل سليمان المروزي الامام الرضا- عليه السلام- وقال: ألا تخبرني عن‏ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ في أي شي‏ء نزلت، قال: «يا سليمان! ليلة القدر يقدر اللّه عز و جل فيها ما يكون من السنة الى السنة، من حياة أو موت، أو خير أو شر أو رزق، فما قدره اللّه في تلك الليلة فهو من المحتوم»

وقد جاء في حديث مأثور عن الامام الصادق عليه السلام قال: «إذا كانت ليلة القدر نزلت الملائكة و الروح و الكتبة الى السماء الدنيا، فيكتبون ما يكون من قضاء اللّه في تلك السنة، فإذا أراد اللّه أن يقدّم شيئا أو يؤخره، أو ينقص أمر الملك أن يمحو ما شاء، ثم أثبت الذي أراد» قلت: و كل شي‏ء هو عنده و مثبت في كتاب؟ قال: «نعم» قلت فأيّ شي‏ء يكون بعده؟ قال: «سبحان اللّه! ثم يحدث اللّه أيضا ما يشاء تبارك و تعالى»[1].

والناس في جهل عن حقيقة المشيئة، فهم بين من ظنّ أنه صاحب القرار، وقد فوض اللّه الأمور إليه تفويضا مطلقا، وبين من زعم أنه مضطرّ تسوقه الأقدار بلا حرية منه ولا اختيار. و لكن الحق هو أمر بين أمرين: فلا جبر ولا تفويض بلى. إن اللّه منح الإنسان قدرا من المشيئة لكي يكون مصيره بيده، إما إلى الجنة و إما إلى النار.

وهاهنا تتركز أهمية الدعاء و بالذات في ليلة القدر التي هي ربيع الدعاء، و قد تتغير حياة الإنسان في تلك الليلة تماما، فكم يكون الإنسان محروما و شقيا إن مرت عليه هذه الليلة دون أن يستفيد منها شيئا.

مزية ثالثة  وهي قوله تعالى: سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ

وقوله‏ سَلامٌ‏ مصدر بمعنى السلامة، وقد أخبر عن هذه الليلة بالمصدر على سبيل

 المبالغة، أو على سبيل تأويل المصدر باسم الفاعل، أو على تقدير مضاف ...

هذه الليلة المحفوفة بالخير بنزول القرآن وشهود الملائكة، ما هي إلا سلامة وأمن وخير وبركة كلها، لا شرّ فيها، يظلها ويشملها السلام المستمر، والأمان الدائم، لكل مؤمن يحييها في طاعة اللّه تعالى إلى أن يطلع الفجر، أو هي ذات سلامة حتى مطلع الفجر، أو هي سالمة من كل أذى وسوء لكل مؤمن و مؤمنة حتى طلوع الفجر.

وهي ليلة ذات سلامة من أن يؤثر فيها شيطان في مؤمن و مؤمنة. وليلة سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا ولا أذى. و هي خير كلها ليس فيها شر إلى مطلع الفجر.

ولا ريب أن اللّه سبحانه يغفر في تلك الليلة لفئام من المستغفرين، و ينقذهم بذلك من نار جهنم، وأي سلام أعظم من سلامة الإنسان من عواقب ذنوبه في الدنيا والاخرة.

من هنا يجتهد المؤمنون في هذه الليلة لبلوغ هذه الامنية وهي العتق من نار جهنم

كذلك يقدر اللّه للإنسان العافية فيها، وإتمام نعم اللّه عليه، وقد سأل أحدهم النبي- صلّى اللّه عليه وآله-: أي شي‏ء يطلبه من اللّه في هذه الليلة فأجابه- حسب الرواية- «العافية»

وقال البعض: أن معنى السلام في هذه الاية: أن الملائكة يسلمون فيها على المؤمنين والمتهجدين في المساجد، وأن بعضهم يسلم على البعض.

 وقيل: لأنهم يسلمون على إمام العصر- عليه السلام- وهم يهبطون عليه.

ليلة القدر ليست واحدة

أن ليلة القدر لم تكن ليلة واحدة في الدهر، و إنما هي في كل عام مرة واحدة، ولذلك أمرنا النبي- صلّى اللّه عليه و آله- بإحيائها.

وروي عن الامام أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال لابن العباس: «ان ليلة القدر في كلّ سنة وانه ينزل في تلك الليلة أمر السنة، ولذلك الأمر ولاة بعد رسول اللّه» فقال ابن عباس من هم؟ قال (عليه السلام) «أنا وأحد عشر من صلبي»

تعيين ليلة القدر:

الحكمة في إخفائها بين الليالي:

الحكمة في إخفاء ليلة القدر كالحكمة في إخفاء وقت الوفاة، ويوم القيامة، حتى يرغب المكلف في الطاعات، ويزيد في الاجتهاد، ولا يتغافل، ولا يتكاسل، ولا يتكل.

فينبغي أن يكون هدف الانسان في ليلة القدر تحقيق تحوّل جذري في نفسه، يحاسب نفسه ويحاكمها ، ويسجل ثغراتها السابقة، وانحرافاتها الراهنة، ويعقد العزم على تجاوز كل ذلك بالندم من ارتكاب الاخطاء، والعزم على تركها و الالتجاء الى اللّه ليغفر ما مضى ويوفق فيما يأتي.

ومن كلمات دعاء أبي حمزة الثمالي المأثور لاسحار شهر رمضان:

«اللهم أعطني السعة في الرزق، و الأمن في الوطن، وقرّة العين في الأهل و المال و الولد، و المقام في نعمك عندي و الصحة في الجسم، والقوة في البدن، و السلامة في الدين، واستعملني بطاعتك و طاعة رسولك محمد- صلّى اللّه عليه وآله- أبدا ما استعمرتني، واجعلني من أوفر عبادك عندك نصيبا في كلّ خير أنزلته وتنزله في شهر رمضان في ليلة القدر»

وقد جاء في بعض الأحاديث: «التمسوها في العشر الأواخر»

وروى عن الامام الباقر- عليه السلام- أنه قال‏ في تفسير إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ قال: «نعم. ليلة القدر وهي في كل سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر، فلم ينزل القرآن إلّا في ليلة القدر»

وجاء في حديث آخر تحديد واحدة من ليلتين: أحدى و عشرين و ثلاث و عشرين،

فقد روى ابو حمزة الثمالي، قال: كنت عند أبي عبد اللّه الامام الصادق- عليه السلام- فقال له أبو بصير: جعلت فداك! الليلة التي يرجى فيها ما يرجى؟ فقال: «في إحدى و عشرين أو ثلاث و عشرين» قال: فإن لم أقو على كلتيهما؟ فقال: «ما أيسر ليلتين فيما تطلب؟» قلت فربما رأينا الهلال عندنا و جاءنا من يخبرنا بخلاف ذلك من أرض أخرى؟ قال: «ما أيسر أربع ليال تطلبها فيها؟» قلت: جعلت فداك! ليلة ثلاث و عشرين ليلة الجهني؟[2] فقال: «ان ذلك ليقال» ثم قال: «فاطلبها في ليلة إحدى و عشرين و ثلاث و عشرين، و صلّ في كلّ واحدة منهما مائة ركعة، و أحيهما- إن استطعت- إلى النور، و اغتسل فيهما» قال قلت: فان لم أقدر على ذلك و أنا قائم، قال: «فصل و أنت جالس» قال: قلت فان لم أستطع، قال: «فعلى فراشك، و لا عليك أن تكحل أول الليل بشي‏ء من النوم، إن أبواب السماء تفتح في رمضان، و تصفد الشياطين، و تقبل أعمال المؤمنين، نعم الشهر رمضان كان يسمى على عهد رسول اللّه: المرزوق»

وقد استفاضت أحاديث النبي وأهل بيته في إحياء هاتين الليلتين، إلا أن حديثا يروي عن رسول اللّه يحددّه في ليلة ثلاث وعشرين، حيث يرجى أن تكون هي ليلة القدر حيث‏ قال عبد اللّه بن أنيس الانصاري المعروف بالجهني لرسول اللّه- صلّى اللّه عليه وآله-: أن منزلي ناء عن المدينة فمرني بليلة أدخل فيها فأمره بليلة ثلاث وعشرين.

ويبدو من بعض الأحاديث: أن ليلة القدر الحقيقة هي ليلة ثلاث وعشرين، بينما ليلة التاسع عشر وواحد و عشرين هما وسيلتان إليها، من وفّق للعبادة فيهما نشط في الثالثة، و كان أقرب الى رحمة اللّه فيها.

روي عن الامام الصادق- عليه السلام- أنه قال‏ لمن سأله عن ليلة القدر: «اطلبها في تسع عشر وإحدى و عشرين، و ثلاث و عشرين»

وجاء في حديث آخر: أن لكل ليلة من هذه الثلاث فضيلة وقدرا

فقد روي عن الامام الصادق- عليه السلام- أنه قال: «التقدير في ليلة القدر تسعة عشر، و الإبرام في ليلة إحدى و عشرين، و الإمضاء في ليلة ثلاث و عشرين»

نسأل اللّه أن يوفقنا لهذه الليلة الكريمة و يقدر لنا السعادة فيها.

 

[1] ( 3) تفسير نور الثقلين/ ج 5 ص 631

[2] ( 3) سوف نذكره إنشاء اللّه.


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=1202
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2024 / 04 / 02
  • تاريخ الطباعة : 2024 / 04 / 13