• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : مفاهيم .
                    • الموضوع : شهداء العقيدة .

شهداء العقيدة

شهداء العقيدة

 

 


قال الامام الصادق (ع) : أن المؤمن لو قتل، ثم نشر ثم قتل ثم نشر لم يتغير قلبه... وقال الحر حر في جميع أحواله، وأن نابته نائبة صبر، وأن تداكت عليه المصائب لم تكسره، وان أسر أو قهر، أو استبدل اليسر عسراً...
إن تاريخ الشهداء تاريخ عقيدة، وتمسك بالمبادئ، ولولا دماء الشهداء لم يكن للإسلام عين ولا أثر، وهكذا كل عقيدة كتب لها البقاء. قال غوستاف لوبون في كتاب الثورة الفرنسية: لقد ساعد الاضطهاد على انتشار البروتستان، ونتج عن قتل كل واحد اعتناق للمذهب الجديد، وقد أوجب القتل والحرق بالنار ازدياد عدد البروتستان أكثر من الكتب والخطب.
ويصح هذا القول في مذهب التشيع، فلولا مذبحة كربلاء، واستشهاد حجر بن عدي، ورشيد الهجري، وعمرو بن الحمق، وكميل بن زياد وغيرهم وغيرهم لما كان لأهل البيت هذا الولاء الذي تدين به الملايين، أما دور العلماء والخطباء في تأييد المذهب فإنه كبير، ولا شك، ولكنه يكون أعظم وأبلغ تأثيراً إذا كان تمجيداً لدماء الشهداء، وتذكيراً ببطولاتهم وتضحياتهم.
ضحى شهداء العقيدة بأنفسهم، وقدموا رؤوسهم، ولم يقدموا دينهم، وما ذاك إلا لأنهم أصغوا إلى نداء الحق أكثر من إصغائهم إلى منافعهم الذاتية، وأغراضهم الشخصية. أن المنافع تبلى وتزول، أما الحق فهو ثابت لا يتغير، وكذلك المؤمنون المخلصون لا تتغير قلوبهم، وان قتلوا ثم نشروا، ثم قتلوا، ثم نشروا، لأنهم المظهر الصحيح لعظمة الحق ورسوخه، وتبرز هذه الحقيقة في أكمل معانيها بقول مسلم بن عوسجة للحسين يوم الطف: "أما والله لو علمت أني اقتل، ثم أحيا، ثم اقتل، ثم أحيا، ثم اذرى في الهواء، يفعل بي ذلك سبعين مرة ما فارقتك"
ويقول زهير بن القين: "وددت أني اقتل، ثم أنشر، يفعل بي هكذا ألف مرة، وان يدفع الله عنك القتل بذلك".
والملاحظ أن أصحاب العقيدة والإيمان في كل عصر يلاقون أشد العنت والبلاء من السفهاء الأراذل، ذلك لأنهم لا يدارون ولا يمارون، ويجهرون بالحق، ولا تأخذهم فيه لومة لإثم، ولا شيء أثقل على المبطلين من كلمة الحق وأهل الحق، فما رأوا محقاً إلا أرغوا وأزبدوا، وأبرقوا وأرعدوا، وملأوا الدنيا صياحاً وضجيجاً، لأنه لا يباركهم على ضلالهم، ولا ينسج على منوالهم.
ومن قبل تعرض الأنبياء للنباح والأنياب السامة، ولأقذر الاتهامات، فحزنوا وضاقت صدورهم بخصوم لا دين لهم ولا ضمير، فعزاهم الله سبحانه، وأمرهم بالصبر وعدم المبالاة، قال عز وجل مخاطباً نبيه العظيم: "ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك، وكن من الساجدين" الحجر 98_ 99، أي سر في طريقك ولا تكترث، فشأنك التسبيح والسجود لله، وشأنهم النهش والنباح، وكل يعمل على شاكلته.
وخاطبه مرة أخرى بقوله: "قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون، فإنهم لا يكذبونك، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون" الانعام34.
فهم لا يكذبون الرسول بالذات، وليست لهم أية عداوة مع شخصه، وإنما هم أعداء الحق الذي يؤمن به، ويدعو إليه، وتعبر هذه الآية بجلاء عن واقع نشاهده، ونلمسه كل حين، وتجيب عن تساؤل طالما كررناه بدهشة وحيرة بيننا وبين أنفسنا  لماذا يتعمد "هؤلاء" الإساءة إلينا دون أن نتعرض لهم بسوء؟ ! فكشفت الآية عن السر، وأنه عداء الرذيلة للفضيلة، والجهل للعلم، والأمانة للخيانة...
عرفتُ موظفين يعملان في دائرة واحدة من دوائر الحكومة، أحدهما مرتش خائن، والآخر نزيه أمين، وكان هذا الأمين أثقل على الخائن من قاتل أبيه، لا يدع الدس عليه، والكيد له بحال، لا لشيء إلا لأن وجوده بجانبه يلفت الأنظار إلى مساوئه، ويسبب افتضاحه واحتقاره.
وهكذا يبتلي الطيبون الأخيار بالسفهاء الأشرار، وعلى قدر تمسك أهل الحق بالحق وتشددهم فيه يتهيأ ويتعبأ المبطلون والمحترفون، وبهذا نجد تفسير قول الصادق: "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم الأمثل فالأمثل".

 


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=189
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2008 / 11 / 24
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 07 / 30