• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : مقالات .
                    • الموضوع : بين الامل والغرور .

بين الامل والغرور

 بين الامل والغرور

اعلم: ‌ان‌ الامر المحبوب الذى تتوقعه النفس، ‌و‌ تنتظره ‌فى‌ المستقبل لابد ‌و‌ ‌ان‌ يكون لسبب، فان كان توقعه لاجل حصول اكثر اسبابه فاسم الرجاء ‌و‌ الامل صادق عليه، ‌و‌‌ان‌ كان سببه غير معلوم الوجود ‌و‌ الانتفاء فاسم التمنى اصدق على توقعه، ‌و‌‌ان‌ كان سببه معلوم الانتفاء فاسم الغرور ‌و‌الحمق اصدق على انتظاره .
اذا عرفت ذلك فاعلم: ‌ان‌ ارباب العرفان قد علموا ‌ان‌ الدنيا مزرعة الاخرة، فالنفس هى الارض، ‌و‌ بذرها حب المعارف الالهيه، ‌و‌ سائر انواع الطاعات جارية مجرى اصلاح هذه الارض، ‌من‌ تقليبها ‌و‌ تنقيتها ‌و‌ اعدادها للزراعة، ‌و‌ سياقة الماء اليها. ‌و‌ النفس المستغرقة بحب الدنيا ‌و‌ الميل اليها كالارض السبخة التى ‌لا‌ تقبل الزرع ‌و‌ الانبات، لمخالطة الاجزاء الملحية، ‌و‌ يوم القيامة يوم الحصاد، فلا حصاد الا ‌من‌ زرع، ‌و‌ ‌لا‌ زرع الا ‌من‌ بذر، ‌و‌كما ‌لا‌ ينفع الزرع ‌فى‌ ارض سبخة كذلك ‌لا‌ ينفع عمل مع خبث النفس، ‌و‌ سوء الاخلاق المنافية للايمان، فينبغى ‌ان‌ يقاس عمل العبد ‌و‌ رجاؤه لرضوان الله بأمل صاحب الزرع ‌و‌ رجائه، ‌و‌ الناس ‌فى‌ ذلك على ثلاث درجات، سابق، ‌و‌ ‌لا‌ حق، ‌و‌ مقصر:
فالاول: ‌من‌ طيب ارضا، ‌و‌ بذرها ‌فى‌ وقت الزراعة بذرا غير متعفن ‌و‌ ‌لا‌ متاكل، ثم امده بالماء العذب ‌و‌ سائر ‌ما‌ يحتاج اليه ‌فى‌ اوقاته، ثم نقاه وصانه عما يمنع نباته ‌و‌ يفسده ‌من‌ النباتات الخبيثه، ثم انتظر ‌من‌ فضل الله تعالى منع الافات المفسده له الى تمام زرعه، ‌و‌ بلوغ غايته، فذلك امله ‌و‌ رجاوه ‌فى‌ محله، اذ كان ‌فى‌ مظنه ‌ان‌ يفوز مقصوده ‌من‌ ذلك الزرع. ‌و‌ هكذا حال العبد اذا بذر المعارف الالهيه ‌فى‌ ارض نفسه ‌فى‌ وقته، ‌و‌ ابانه، ‌و‌ ‌هو‌ مقتبل العمر، ‌و‌ مبدء التكليف، ‌و‌ دام على سقيه بالطاعات، ‌و‌ اجتهد ‌فى‌ طهاره نفسه عن شوائب الاخلاق الرديه التى تمنع نماء العلم ‌و‌ زياده الايمان، ‌و‌ توقع ‌من‌ فضل الله تعالى ‌و‌ كرمه ‌ان‌ يثبته على ذلك الى زمان وصوله، ‌و‌ حصاد عمله، فذلك التوقع ‌هو‌ الامل المحمود ‌و‌ الرجاء الممدوح، ‌و‌‌هو‌ درجة السابقين.
‌و‌ الثاني: ‌من‌ بذر ‌فى‌ ارض طيبة كذلك، الا انه بذر ‌فى‌ اخريات الناس، ‌و‌ لم يبادر اليه ‌فى‌ اول وقته، ‌او‌ قصر ‌فى‌ بعض اسبابه، ثم اخذ ينتظر ثمره ذلك الزرع، ‌و‌ يرجو الله ‌فى‌ سلامته له، فهو ‌من‌ جمله المؤملين ‌و‌ الراجين ايضا. ‌و‌ كذلك العبد اذا القى بذر الايمان ‌فى‌ نفسه، لكنه قصر ‌فى‌ بعض اسبابه، اما ببطئه ‌فى‌ البذر ‌او‌ ‌فى‌ السقى، الى غير ذلك مما يوجب ضعفه، ثم اخذ ينتظر وقت الحصاد، ‌و‌ يتوقع ‌من‌ فضل الله تعالى ‌ان‌ يبارك له فيه، ‌و‌ يعتمد على انه ‌هو‌ الرزاق ذو القوة المتين، فيصدق عليه انه ذو امل ‌و‌ رجاء ايضا، اذ اكثر اسباب المطلوب التى ‌من‌ جهته حاصلة، ‌و‌ هذه درجة اللاحقين.
‌و‌ الثالث: ‌من‌ لم يحصل على بذر، ‌او‌ بذر ‌فى‌ ارض سبخه، ‌او‌ ذات شاغل عن الانبات، ثم اخذ يتوقع الحصاد، فتوقعه ‌هو‌ الحمق ‌و‌ الغرور، ‌و‌ مثله حال العبد اذا لم يزرع ‌من‌ قواعد الايمان ‌فى‌ نفسه شيئا اصلا، ‌او‌ زرع ‌و‌ لم يلتفت الى سقيه بماء
الطاعه، ‌و‌ ‌لا‌ صيانته عن موجبات فاسده، ‌من‌ شوك الاخلاق الرديه، بل انهمك ‌فى‌ طلب آفات الدنيا، ثم جعل ينتظر الفضل ‌من‌ الله، ‌و‌ يتوقع نيل الحسنى لديه، فذلك الانتظار ‌و‌ التوقع غرور ‌و‌ حمق، ‌و‌ ليس بامل ‌فى‌ الحقيقه، ‌و‌ هذه درجة المقصرين.
فتبين: ‌ان‌ اسم الامل ‌و‌ الرجاء انما يصدق على توقع ‌ما‌ حصل جميع اسبابه، ‌او‌ اكثرها، الداخلة تحت اختيار العبد، ‌و‌ لم يبق الا ‌ما‌ ‌لا‌ يدخل تحت اختياره، ‌و‌ ‌هو‌ فضل الله، بصرف القواطع ‌و‌ المفسدات.
فاحذر ‌ان‌ يغرك الشيطان، ‌و‌ يثبطك عن العمل، ‌و‌ يريك الحمق ‌و‌ الغرور ‌فى‌ صوره الرجاء ‌و‌ الامل، فان ‌من‌ هذه حاله، ‌لا‌ يامن ‌ان‌ يكون ‌من‌ اهل الحسره ‌و‌ الندامه ، ‌فى‌ يوم القيامة يقول «يا ليتني قدمت لحياتي فيومئذ ‌لا‌ يعذب عذابه احد ‌و‌ ‌لا‌ يوثق وثاقه احد»، ‌و‌ ‌فى‌ المعنى ‌ما‌ قيل:
اذا انت لم تزرع ‌و‌ عاينت حاصدا
ندمت على التفريط ‌فى‌ زمن البذر
‌و‌ عن النبى صلى الله عليه ‌و‌ آله: الاحمق ‌من‌ اتبع نفسه هواها، ‌و‌ تمنى على الله.
‌و‌ عن الصادق عليه السلام انه سئل عن قوم يعملون بالمعاصى ‌و‌ يقولون: نرجو، فقال: هولاء قوم يترجحون ‌فى‌ الامانى، كذبوا، ليسوا براجين، ‌من‌ رجا شيئا طلبه، ‌و‌ ‌من‌ خاف ‌من‌ شى ء هرب منه.
‌و‌ ‌فى‌ روايه اولئك قوم ترجحت بهم الامانى، ‌من‌ رجا شيئا عمل له، ‌و‌ ‌من‌ خاف ‌من‌ شى ء هرب منه.
‌و‌ الى الاقسام الثلاثه المذكوره اشار اميرالمومنين عليه السلام بقوله: ساع سريع   نجا، ‌و‌ طالب بطى ء رجا، ‌و‌ مقصر ‌فى‌ النار.
‌و‌ انما خص عليه السلام القسم الثانى بالرجاء، اذ كان كما علمت، عمدته ضعف عمله، ‌و‌ قله الاسباب ‌من‌ جهته.
‌و‌ اليها الاشاره ايضا بقوله تعالى: «فمنهم ظالم لنفسه ‌و‌ منهم مقتصد ‌و‌ منهم سابق بالخيرات باذن الله ذلك ‌هو‌ الفضل الكبير».


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=432
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2012 / 10 / 20
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 07 / 28