• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : مقالات .
                    • الموضوع : الإنسان سرّ الخليقة .

الإنسان سرّ الخليقة

 الإنسان سرّ الخليقة

الإنسان ـ كما وصفه القرآن ـ صفوة الخليقة وفلذتها ، وسرّها الكامن في سلسلة الوجود .

لا تجد وصفاً عن الإنسان وافياً ببيان حقيقته الذاتيّة الّتي جَبَله الله عليها ـ في جميع مناحيها وأبعادها المترامية ـ في سوى القرآن ، يصفه بأجمل صفات وأفضل نُعوت ، لم يَنعم بها أيّ مخلوق سواه ، ومِن ثَمّ فقد حَظي بعناية الله الخاصّة ، وحُبي بكرامته منذ بدء الوجود .

ولنُشِر إلى فهرسة تلكمُ الصفات والميزات ، التي أهّلته لمثل هذه العناية والحِبَاء :

1 ـ خلقه الله بيديه : ( مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ). ص : 75 .     

2 ـ نفخ فيه من روحه : ( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) الحجر  : 29 ، وص : 72

3 ـ أودعه أمانته : ( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ ) الأحزاب  : 72 . 

4 ـ علّمه الأسماء كلّها : ( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا...) البقرة  : 31 .  

5 ـ أسجد له ملائكته : ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا ... ) البقرة  : 34

6 ـ منحه الخلافة في الأرض : ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) البقرة  : 30 .

7 ـ سخّر له ما في السّماوات والأرض جميعاً : ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ) الجاثية  : 13

ومِن ثَمّ بارك نفسه في هذا الخلق الممتاز : ( ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) المؤمنون: 14  

ميزات سبع حظي بها الإنسان في أصل وجوده ، فكان المخلوق المفضّل الكريم ، وإليك بعض التوضيح :

 مِيزات الإنسان الفطريّة

امتاز الإنسان في ذات وجوده بميزات لم يحظَ بها غيره من سائر الخلق :

فقد شرّفه الله بأن خلقه بيديه : ( مَا مَنَعَكَ ـ خطاباً لإبليس ـ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) (ص  : 75)

والله خالق كلّ شيء ، فلا بدّ أنْ تكون هناك خصوصيّة في خلق هذا الإنسان تستحقّ هذا التّنويه هي : خصوصيّة العناية الربّانيّة بهذا الكائن ، وإبداعه نفخةً ـ من روح الله ـ دلالةً على هذه العناية .

قال العلاّمة الطباطبائي : نسبة خلقه إلى اليد تشريف بالاختصاص كما قال : ( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) (الحجر  : 29)

وتثنية اليد كناية عن الاهتمام البالغ بخلقه وصنعه ؛ ذلك أنّ الإنسان إذا اهتمّ بصُنع شيء استعمل يديه معاً عناية به (تفسير الميزان ، ج 17 ، ص239  ) .

وهكذا نفخة الروح الإلهيّة فيه كناية عن جانب اختصاص هذا الإنسان ـ في أصل فطرته ـ بالملأ الأعلى، حتّى ولو كان متّخذاً ـ في جانب جسده ـ من عناصر تربطه بالأرض ، فهو في ذاته عنصر سماوي قبل أن يكون أرضيّاً .

ولقد خلق الإنسان من عناصر هذه الأرض ، ثُمّ من النفخة العلويّة التي فرّقت بينه

وبين سائر الأحياء ، ومنحته خصائصه الإنسانيّة الكبرى ، وأَوّلها القدرة على الارتقاء في سُلَّم المدارك العُليا الخاصّة بعالم الإنسان .

هذه النفخة هي التي تصله بالملأ الأعلى ، وتجعله أهلاً للاتصال بالله ، وللتلقّي عنه ولتجاوز النطاق المادّي الذي تتعامل فيه العضلات والحواسّ ، إلى النطاق التجريدي الذي تتعامل فيه القلوب والعقول ، والتي تمنحه ذلك السرّ الخفيّ الذي يسرب به وراء الزمان والمكان ، ووراء طاقة العضلات والحواسّ ، إلى ألوان من المدركات وألوان من التصوّرات غير المحدودة في بعض الأحيان (1) .

وبذلك استحقّ إيداعه أمانة الله التي هي ودائع ربّانية لها صبغة ملكوتيّة رفيعة ، أُودعت هذا الإنسان دون غيره من سائر المخلوق ، وتتلخّص هذه الودائع في قدرات هائلة يملكها الإنسان في جبلّته الأُولى ، والتي أهّلته للاستيلاء على طاقات كامنة في طبيعة الوجود وتسخيرها حيث يشاء .

إنّها القدرة على الإرادة والتصميم ، القدرة على التفكير والتدبير ، القدرة على الإبداع والتكوين ، القدرة على الاكتشاف والتسخير ، إنّها الجرأة على حمل هذا العبء الخطير

إنّها أمانة ضخمة حملها هذا المخلوق الصغير الحجم ، الكبير القُوى ، القويّ العزم

ومِن ثَمّ كان ظلوماً لنفسه ؛ حيث لم ينهض بأداء هذه الأمانة كما حملها ، جهولاً لطاقاته هذه الهائلة المودعة في وجوده وهو بعد لا يعرفها . ـ

وهكذا علّمه الأسماء : القدرة على معرفة الأشياء بذواتها وخاصيّاتها وآثارها الطبيعيّة العاملة في تطوير الحياة ، والتي وقعت رهن إرادة الإنسان ليُسخّرها في مآربه حيث يشاء ، وبذلك يتقدّم العلم بحشده وجموعه في سبيل عمارة الأرض وازدهار معالمها  حيث أراده الله من هذا الإنسان (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا )(هود: 61  ) .

وبذلك أصبح هذا الإنسان ـ بهذه الميزات ـ خليفة الله في الأرض (البقرة  : 30  ) حيث يتصرّف فيها وِفق إرادته وطاقاته المُودعة فيه ، ويعمل في عمارة الأرض وتطوير الحياة .

وإسجاد الملائكة له في عَرْصَة الوجود ، كناية عن إخضاع القوى النورانيّة برمّتها للإنسان ، تعمل وِفق إرادته الخاصّة من غير ما تخلّف ، في مقابلة القوى الظلمانيّة   ( إبليس وجنوده ) تعمل في معاكسة مصالحه ، إلاّ مَن عَصَمه الله من شرور الشياطين ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً ) (الإسراء  : 65) .

كما وأنّ تسخير ما في السماوات وما في الأرض جميعاً ، (الجاثية  : 13 .) كناية عن إخضاع القوى الطبيعيّة ـ المودعة في أجواء السماوات والأرض ـ لهذا الإنسان ، تعمل فور إرادته بلا فتور ولا قصور ، ومعنى تسخيرها له : أنّ الإنسان فُطر على إمكان تسخيرها .

فسبحانه من خالقٍ عظيم ، إذ خَلَق خَلقاً بهذه العظمة والاقتدار الفائق على كلّ مخلوق !

 

 

خلقتُ الأشياء لأجلك وخلقتك لأجلي !

حديث قدسيّ معروف (1) خطاباً مع بني آدم ، حيث كانوا هم الغاية من الخليقة ، كما كانت الذات المقدّسة هي الغاية من خلقة الإنسان ، فكما وأنّ الأشياء برمّتها ـ علواً وسفلاً ـ سخّرها الله لهذا الإنسان ولتكون في قبضته فتَتَجلّى فيها مقدرته الهائلة ، كذلك خُلق الإنسان ؛ ليكون مظهراً تامّاً لكامل قدرته تعالى في الخلق والإبداع .

ما من مخلوق ـ صغيراً أو كبيرً ـ إلاّ وهو مظهر لتجلّي جانب من سِمات الصانع الحكيم ( وفي كلّ شيء له آية تدلّ على أنّه واحد )  أمّا الإنسان فكان المرآة الصقيلة التي تتجلّى فيها جميع صفات الجمال والجلال .

فإذا سئلت : ما هي الغاية من خلق ما في السماوات وما في الأرض جميعاً ؟

قلت ـ حسب وصف القرآن ـ : هو الإنسان ذاته مُستودَع أمانات الله وليكون خليفته في الأرض !

وإذا سئلت : ما هي الغاية من خلقة الإنسان ذاته ؟

قلت : هو الله الصانع الحكيم ؛ حيث الإنسان بقدرته على الخلق والإبداع أصبح مظهراً تامّاً لكامل الأسماء والصفات ، فكان وجه الله الأكمل وعين الله الأتمّ .

فكان الإنسان غاية الخليقة ، وكان الله الغاية من خلق الإنسان ، فالله هو غاية الغايات وبذلك ورد : ( كنتُ كنزاً مخفيّاً فأحببت أن أُعرف ، فخلقت الخلق لكي أُعرف ) البحار ، ج84 ، ص 199 ) .

حيث الإفاضة ـ وهي تجلّي الذات المقدّسة ـ كانت بالخلق والإبداع ومظهره الأتمّ هو الإنسان .


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=666
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2016 / 07 / 28
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 07 / 30