• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : فكر .
                    • الموضوع : الصحيفة السجادية .

الصحيفة السجادية

 الصحيفة السجادية

سماحة العلامة المحقق السيد محمد رضا الحسيني الجلالي  (بتصرف)

نتعرّف على الإمام ( عليه السلام ) من خلال كلامه المرسوم على صفحات الصحيفة السجادية ، هذا الأثر العظيم الخالد ،وهو كنز من المعرفة ، طالما اُخُفِيَ! ولم تتمكّن الاُمّة الإسلامية الكريمة من الإستفادة التامّة من لآلئه.

فالفضل في هذا الكنز يعود ـ بعد منشئه و مبدعه الإمام السجّاد زين العابدين ( عليه السلام ) إلى الأئمّة العظام من أولاده الذين نقلوا هذه الصحيفة وراقبوا على تداولها ، وهما : الإمام محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، أبو جعفر ، الباقر ( عليه السلام ) والإمام زيد الشهيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، حيث أودعا ما أملاهُ أبوهما الإمام عليهما ، لدى أولادهما ، مؤكّدين على الحفاظ على النسخ ، مهتّمين بذلك غاية الإهتمام ، حَذَراً من وقوعها في أيدي عِداة العلم و الدين من الحكّام الطغاة الظالمين ، الذين يُحاولون إبقاء الاُمّة في الجهل ، و منعهم من التعرّف على المخلصين من العلماء الواعين ، إلى حدّ المنع من الكتابة و التدوين ، و المنع من نقل الحديث ، حتّى تعطيل مراكز العلم و الثقافة و هجر محاور الفقه و المعرفة ، بل قلبوا المدينة المشرفة المنوّرة من مركز الإشعاع الديني و الفكري ، و منطلق العلم و الجهاد ، لمركز للغناء والمجون والميوعة .

في مثل تلك الظروف الحرجة ، قام رواة هذا الكنز و حملته الاُمناء بحفظه وصيانته و جعله من « المضنون على غير أهله » و تداولته الصدور المطمئنّة و القلوب الآمنة و الأيدي الوثيقة ، حتّى بلغنا ـبأوثق الطرق المتضافرة ، و تواترت نسخه الثمينة النفيسة

إنّ إنشاء نصّ الصحيفة السجّادية في القرن الأوّل الهجري ، السادس الميلادي ، في مثل بيئة الإمام السجّاد ( عليه السلام ) بظروفه الخاصّة ، حيث كان متّهماً من قبل أجهزة الدولة ، لأنّه الوريث الوحيد لكلّ أمجاد أصحاب الرسالة من جدّه الرسول المصطفى ، و علي المرتضى و أبيه الشهيد في كربلاء .

والظروف العامّة : حيث لا تزال الدولة تتولّى كِبْر منع الثقافة والتثقيف ، بمنع الكتابة و التدوين ، و منع الفقاهة و التحديث .

و المطاردة للإمام إلى حدّ المراقبة و الجلب و التقييد إلى عاصمة الحكّام ، و هذه المدينة « دمشق » الشام ، أكثر من مرّة

فظهور هذا النصّ ، و بهذه القوّة في المحتوى و الأداء لهو من الميّزات التي يجعله في صدر قوائم الروائع البشرية الخالدة ، و هو من دواعي فخر المسلمين و إعتزازهم حيث يملكون مثله منذ ذلك التاريخ

ولئن مرّت فتراتٌ مظلمة في تاريخ الاُمّة ، سوّدت صحائف منه ، فكتمت مثل هذه الذخائر ، و عتّمت على مثل هذه الأمجاد و المفاخر ، و تحكّمت الطائفية المقيتة في النفوس باعراضها و أحقادها ، و نشرت المخاوف ، بدل المعارف ، فمنعت من نشر هذا التراث العظيم ، الذي يشهد لعظمة المسلمين و مجدهم و علوّ كعبهم في الثقافة و الفكر قبل أربعة عشر قرناً .

فإنّ من مخلّفات تلك الظلمات هي المظالم التي يتولّى كِبْرها فئات مظلّلة ، مغفّلة ، تُثير الشبهة و الشكّ في وجه الحقّ و الحقيقة ، بما أدّى إلى جهل الجيل بهذا النصّ ، و إغفاله من قبل المهتمّين بالأدب و الفكر ، مع توجّههم إلى الأقلّ منه في القِدَم ، و ما لا يبلغ شأوه في العِظم ، من النصوص المرويّة عن مجهولي الهويّة ، و الشخصيّة ، من أصحاب الأهواء فلماذا مثل هذا ؟

أمّا هذه الرائعة ، فهي من لسان عربيّ صميم و أليق من إكتسى الأمجاد ، من خصّه الله بوحيه فبه فاه ، و بالبلاغة حلاّه ، و بمكارم الأخلاق حباه ، باعتباره الصادع بالشريعة الغرّاء ، و الواسطة بين الأرض و السماء ، و المطّلع على أسرار الخليقة ، و الواقف على المجاز و الحقيقة من مقالنا أدب الدعاء في الإسلام ( ص 26

من بني هاشم الذين قال فيهم عليٌّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « و إنّا لاُمراء الكلام ، و فينا تنشبّت عروقه ، و علينا تهدّلت غصونه» نهج البلاغة الخطبة ( 233 .

و من ذريّة الرسول ، أفصح مَن نطق بالضاد حفيد علي بن أبي طالب «مشرع الفصاحة و موردها و منشؤ البلاغة و مولدها . . . لأنّ كلامه عليه مسحة من العلم الإلهي ، و فيه عبقة من الكلام النبويّ » من كلام الرضي الشريف في مقدّمة نهج البلاغة  ص34 .

و قد سمعناه يقول في خطبته من على منبر الجامع بدِمَشْق

« اُعطينا : السماحة و الفصاحة » و ها نحن نجدها بارزة متلالئة هنا

 

شخصيّة الإمام

الإمام السجاد زين العابدين ( عليه السلام ) الذي احتلّ في الإسلام مقاماً عظيماً حتّى قال فيه الشافعيّ إمام المذهب : إنّه أفقه أهل البيت ، بل قال الزُهْريُّ : ما رأيت أحداً كان أفقهَ منه لاحظ جهاد الإمام السجّاد ( عليه السلام ) ( ص114

و بعد إجماع المسلمين ، بكلّ فرقهم و طوائفهم ، على عظمة الإمام ، و إستحقاقه للمقام السامي الذي يحتله ، ليس لأحد المناقشة في ذلك :

فهو عند الإمامية الرابع من أئمّتهم المعصومين المنصوص عليهم ، و كذلك هو عند الشيعة الإسماعيلية ، وعند قدماء الشيعة الزيدية ، و هو عند متأخّريهم من دعاة الأئمّة ، و أمّا عند عامّة أهل السنّة ، فلم يخالف فيه أحدٌ منهم ، بل قال الذهبي ـ أكبر مؤرخّيهم ـ في ترجمة الإمام ما نصّه : السيّد الإمام ، زين العابدين ، و كان له جلالة عجيبة و حقّ له ذلك ، فقد كان أهلا للإمامة العُظمى : لشرفه و سؤدده ، و علمه ، و تألّهه ، و كمال عقله

و قد عبّر الجاحظ عن هذا الإجماع ، إذ قال : علي بن الحسين لم أرَ الخارجيّ في أمره إلاّ كالشيعي ، ولم أرَ الشيعيّ إلاّ كالمعتزلي ، ولم أرَ المعتزليّ إلاّ كالعامي ، ولم أرَ العامي إلاّ كالخاصيّ ، ولم أرَ أحداً يتمارى في تفضيله ، و يشكّ في تقديمه لاحظ جهاد الإمام السجّاد ( عليه السلام ) (ص34 ـ 35

و أمّا التشكيك في سند هذا النصّ

فهو جهد العاجز ، واللجوء إلى مثل هذا السلاح ذي الصدأ لا يمضي في مثل هذا النصّ ، لما يلي:

فأوّلا : إنّه يُروى عند طوائف الشيعة كلّها : الإمامية و الإسماعيلية و الزيدية ، بشكل مستفيض ، بل متواتر الطرق إلى الأئمّة الباقر و الصادق و إلى زيد الشهيد (  عليهم السلام ) بحيث لا يرتاب فيه أحد و تتعدّد الأسانيد ، و تتضخّم كلّما مرّ الزمان و بَعُدَ ، فتتأكّد النسبة و تتكاثف الأسانيد و تتعاضد الطرق ، بحيث قلّ نظيره في النصوص الاُخرى

و قد أسند إليه أصحاب الفهارس و المشيخات و عدّوه من الكتب التي عليها المعوّل و إليها المرجع .

ثمّ استندوا إلى ما فيها من الأدعية التي تتلى بعنوان التعبّد في المناسبات و الأيّام و حكموا باستحباب تلاوته خصوص أدعيتها مع إطلاق النسبة إلى الإمام ، و هذا أمر لا يقومون به إلاّ بعد التأكّد و الإلتزام بصحّة النسبة لما هو مسلّم عندنا من ورعهم و إحتياطهم و تدقيقهم في مثل ذلك في أبواب الفقه .

و أمّا الطائفة السنّية : فلو لم تقنع بمثل ذلك ، و ليس من مناهجها العلمية رفضه ، بل قد يتذرّع أحد لدعوى عدم الثبوت عندها ، و عدم وصوله إليها بطرقها الخاصّة .

فالجواب : أنّها دعوى مخالفة للمسلّمات ، إذ المفروض ثبوت ذلك عند أهله و أصحابه ، و قطعيته بالنسبة إلى الواقفين عليه ، و من علم حجّة على من لم يعلم ، و من  حفظ حجّة على من لم يحفظ ، خصوصاً فيما صدر في بيئة معيّنة فإنّ الملاك ثبوت الصادر عند أهل بيئته ، كالاُمور الحادثة في بلدة معيّنة ، فإنّ اللازم ثبوت حدوثها عند أهل البلدة ، و علمهم بها ، و شهادتهم عليها و ليس للآخرين إنكارها و نفيها ، بدعوى عدم ثبوتها عندهم و لو بُني على مثل هذه الدعوى ، و التزم بلزوم ثبوت كلّ شيء للإنسان بنفسه حتّى يقتنع به ، لما إستقرّ كثير عن الاُمور ، و لأضطربت المسلّمات ، و تعذّرت الحقائق ، و هذا أمر يدفعه الوجدان ، و ينكره كلّ إنسان ، فالعقلاء يعترفون بثبوت الاُمور المسلّمة عند أهلها ، والمقبولة عند ذوي شأنها ، كاُمور التاريخ وحوادثه ، و البلدان و شؤونها .

و ثانياً : إنّ الحاجة إلى السند ، إنّما هو من أجل جواز نسبة المرويّات إلى الشارع الكريم ، و هذا إنّما يختّص بالاُمور التعبّدية المأخوذة من الشارع ، و ليس كلّ أمر  بحاجة إلى مثل ذلك ، فالإنشائيات ، التي هي طلبات ، و إظهار لمرادات نفسية ليست بحاجة إلى إسناد ، بل أمرها دائر بين الوجود و العدم ، لا الصدق و الكذب اللذين هما ثمرة الإستناد إلى الاسناد .

فالأمر الإنشائيى ، إمّا موجود و حقّ و ثابت ، أو معدوم و باطل و مفقود ، و لو نقل مثله ولم يمنع منه دليل عقلي أو عرفي و عادي ، فهو ممكن و لو وافقه العقل و الوجدان و الواقع ، مثل مضامين الصحيفة ، حيث تحتوي التوقّعات و الرغبات النابعة من نفس الداعي ولم يخل أحدٌ من السامعين و الناظرين من مثلها ، فليس بحاجة إلى الاسناد.

وثالثاً : إنّ نسخ الصحيفة ، هي بالكثرة و الوفرة العظيمة و منها النسخ العريقة في القِدم ، و ينتهي بعضها إلى القرن الخامس و الرابع ، و المزدانة بشارات التعظيم و  القداسة

وإذا اتّفقت النسخ ـ كلّها ، بلا إستثناء ـ و أجمعت على نسبة النصّ إلى الإمام السجّاد زين العابدين ( عليه السلام ) قولا واحداً ، ولم يكن هناك ، و لا مورد واحد ، لا في داخل هذه النسخ كلّها ، و لا في خارجها ، بل و لا وقع في خَلَد أحد من الناس : إحتمال النسبة إلى غير الإمام أفلا يكون في هذا كلّه مقنع بصحّة النسبة إلى الإمام و عدم الريب فيها

بينما الإسناد إنّما يؤثّر وجوده و يحتاج إلى المناقشة فيه ، فيما لو كان هناك ما يُعارض وجود الحديث ، و يخالفه و يدفعه !

و لو جمعنا هذه الاُمور بعضها إلى بعض ، و قنعنا بثبوتها ، طول القرون الأربعة عشر الماضية ، أفلا يكون وازعاً للخضوع لهذه الحقيقة

وأخيرا

فلو ركّزنا على النصّ ، ونقده داخلياً ، فلم نجد فيه بعد قوّة الأداء و جماله الفنّي في مجال الأدب العربي ، و بعد رصانة المتن و المدلول و كماله المعنوي في مجال الفكر الإسلامي ، فلم نقف على ما يتطرّق إليه بخدشة في اللفظ أو المعنى

أفهل تبقى حاجة إلى إثبات آخر ، بينما يكتفي في الإثبات بالأقل القليل من هذه الأدلّة.

و نحن في هذا المجال نستعرض أهميّة هذا النصّ العظيم من حيث الاُسلوب و الأداء ، و من الأهداف و المضمون ، حتّى تتبيّن مكانته الفنيّة و الفكرية ، و يثبُت بذلك إمتيازه الذي يفرض علينا تقديسه ، ثمّ نستعرض شهادات الخبراء في الأدب العربي الذين أذعنوا لهذا النصّ بالعظمة ، و تواضعوا أمامه بالخضوع و الإكبار ، و التمجيد .

و أخيراً : نستقصي الجهود المبذولة حول الصحيفة و الإنجازات العلمية ، و التراثيّة ، و الفنية التي قدّمها العلماء و المؤلّفون ، لتخليد هذه الرائعة الخالدة

أوّلا ـ الأساليب

1ـ اسلوب الإنشاء

لم تكن الصحيفة بصيغة الروايات والأحاديث المنقولة ، حتّى تعترضه مداخلاتها و مضاعفاتها ، أو تخترقه مصنوعات أهل الحديث و السنّة من مصطلحات الإرسال و الإنقطاع ، و مفاعلات التحريف و التصحيف ، والنقل بالمعنى ، و ما إلى ذلك من إشكاليات أصبحت ذريعة في أيدي من يُحاول طمس الحقائق اليقينية ، و العقائد الحقّة ، بمثل تلك ، ولا زالت حقائق تُطمس على أيدي أهل الجرح و التعديل ، والمتصنّعين من المتشدّدين في هذه الاُمور .

فقد جعل الإمام السجّاد ( عليه السلام ) هذا النصّ بعيداً عن متناول ذلك كلّه ، لأنّه ليس إخباراً عن أحد ، و إنّما هو إنشاء ينبع من النفس ، و إخبار عن ما في قراراتها من تصوّرات و تطلّعات و رغبات و آمال ، و توقّعات و مخاوف و أطماع ، و مشاعر و أحاسيس ، صدرت عن الإمام باُسلوب المناشدة و المناجاة ، و الإستعطاء و الإستعطاف ، بحيث يستوقف السامعين و يستعبرهم ، ويحدوهم على التأمّل و التكرار و الإستعادة و الإصرار ، لأنّه إذا عرف صدور هذا من أفضل أهل العصر ، فلابد أنّ ذلك سيبعثه على التأمّل في القول و الكلام ، و لابدّ أن ينفتح أمامه و لو منفذ صغير من رَوح الله ، و تشعّ عليه خيوط من أشعّة الحقّ النافذة .

2ـ اُسلوب الإستدراج

أن يبدأ الإنسان بنفسه في أيّ عمل يريد تحقيقه ، شيء مُثير في نفوس الآخرين و موح للواقعية و الجدّية و الإخلاص و الصدق

فمن أساليب الإمام انّه يخاطب نفسه و يُحاسبها في دعائه ، و يحرّك الضمير و الوجدان فيجد الآخرون حديثاً خاصّاً بين الإمام ، و بين ربّه يناجيه و يخاطبه و يستدعيه و يستوهبه ، و تارةً اُخرى يكون الحديث بين الإمام و بين نفسه يعاتبها و يلومها و ينصحها ويستحثّها و يستبطؤها و يَعِدُها و يُوعِدُها ، و يتفنّن في توجيهها بالوعظ و الإرشاد و الترغيب و الترهيب .

و مثل هذا الكلام ليس للآخرين حقّ الإعتراض عليه ، بل و لا الإعراض عنه ، فضلا عن التدخّل فيه ، بل ـ كما قلنا ـ باعث على التأمّل و العبرة ، لأنّه صادر من شخصيّة هو القمّة في المعرفة والإيمان ، وعلى أعلى المستويات في البلاغة والفصاحة ، وبلغة الحقيقة و الواقع ، الذي ينطبق على الجميع ، و يحسّه كلّ أحد من نفسه ووجدانه فلا يمكن إنكاره ، و المباهنة فيه ، فلا يجد السامع و القارىء من نفسه إلاّ الوفاق مع الإمام ، والقبول بما في الكلام بشكل تامٍّ

 .

3ـ اُسلوب التعميم و الكتابة

لم يركّز الإمام في دعائه ـ إطلاقاً ـ على ذكر أسماء محدّدة ، ولم يتعرّض للأفراد و الأشخاص ، و لا للأقوام ، بمشخّصاتهم ، فلم يطرح عناوين خاصّة ،ما يجعل لكلامه مضموناً عامّاً ومطلقاً شاملا ، يعطيه قابلية التطبيق على أكبر من مساحة ضيّقة ، وقابلية الخلود و الإستمرارية وهو اُسلوب مهمّ لتخليد التأثير والإستفادة من النصّ ، وعدم تحجيمه و تطويقه ، كما يُبعده عن الهجوم و الرفض والمعارضة من قبل المعنيّين بالكلام حكّاماً ومحكومين

فهو يذكر الظالمين ، بكلّ صفة و عمل ، ينطبق على ظلمة التاريخ كلّه ، من عاصره ، و من تقدّم أو تأخّر عن عصره ، من دون أن يُمكّن أحداً من محاسبته و اتّهامه ، بل قد يبعث الظالمَ على أن يتبرّأ من حساب الخطاب متوجّهاً إليه ، أو محاولته الإبتعاد عن توجيهه إليه بترك جرائمه .

كما يصف أئمّة العدل ، فيعمّ بما يشمله هو و من سبق أو لحقه من المعصومين         ( عليهم السلام ) ، بكلّ وضوح ، و ينطبق عليهم الكلام بحذافيره ، من دون أن يُثير في الحكّام وحشةً أو تحسّساً ، بل قد يستشرف لدعوى أنّه المقصود أو يتطلّع إلى أن يكون هو المعنيّ بالذكر .

إنّ وضع الخطاب على أن يقف سامعه على كلّ الحقائق و بكلّ أبعادها ، و أن لا يمكن مؤاخذته من قبل أهل الباطل ، و أن يُفلتَ من اتّهامه بشيء ، أمر ملحوظ في أساليب الإمام بوضوح تامٍّ .

4ـ نشر الأمل و الرجاء

يواجه القارىء و السامع لكلام الصحيفة ، محاولةً جادّة في نشر الأمل و الرجاء في الروح ، فبينما يؤكّد على المسؤولية ، يبعث الحياة لروح الأمل و الرغبة ، في سياق إحياء روح المراجعة و المراقبة و الرهبة ولا يدع لليأس من روح الله منفذاً ، و هو اُسلوب قرآني ناجع

5ـ التكرار بعبارات متعدّدة

ومن الأساليب الفعّالة ، إستعمال التكرار للمعنى الواحد ، بأكثر من عبارة ، فيقلبه في صيغ متعاقبة ، على التوالي ، بمقياس معيّن و نسق موحّد ، محافظاً على الجرس و الوزن الواردين في الجملة الأصلية ، و هذا يركّز في الذهن صورةً ذات أبعاد ، لا يمكن أن يُفلت العقل من جميعها في فترة قصيرة ، و لا يتجاوزها الضمير و الوجدان بسهولة ، فلابدّ أن يبقى في اللا شعور منها ما يؤذي هدف الوصول إلى المنشود.

6ـ الإلتفات

تنويع أساليب الكلام ، من الخطاب ، إلى الغيبة ، إلى الإستفهام ، إلى العتاب ، إلى الترغيب ، إلى الإستنكار ، إلى الرجاء ، و هكذا .

ممّا يرفع الملل ، و يتقلّب معه الفكر ، ممّا يمنع القارىء و السامع عن  السبات ،   ويكون كلّ تقليبة و تحويلة إيعازاً ، يشدّه إلى الدعاء ، و يوجّهه إلى المعاني بشكل أدقّ و أعمق...

7ـ المنطقيّة و التدريج

ترتيب المعاني ، و إيرادها في الخطاب بشكل منطقيّ ، و متدرّج عقليّاً ، و حسب الواقع ، من الصغريات إلى الكبريات ، و من الجزئيات ، إلى المشتركات الكليّة ، ثمّ منها إلى النتائج ، ممّا يجعل له أثراً في تثبيت النتائج في عقل الداعي ، و تركيزها و الوصول بها إلى الأهداف المقرّرة للدعاء .

8ـ إستخدام الفنّ

إنّ البديع اللفظيّ ، بتزويق الكلام المنثور مسجعاً ، موزوناً ، يجعله بمنزلة الشعر في تأثير جرسه و رنينه من جهة صيانته ، حيث تبدو للعيان لمسات التعدّي عليه ، و تتبيّن آثار التحريف و التصحيف على صفحته ، فيتصدّى لها بكلّ يسر ، قبل أن يستفحل الخطر.

ومن جهة ما يترك جمال الفنّ و موسيقاه في النفوس من إيحاء و أثر

و قد ظهرت على صفحات الصحيفة أنواع كثيرة من أساليب البديع العربي الجميل ، مع المحافظة على جميع الأهداف المقصودة ، و الوفاء بجميع الأغراض المنشودة في كلّ مقطع و موضع.

ثانياً : الأهداف و الدلالات

لقد إستهدف الإمام ( عليه السلام ) في الصحيفة اُموراً عديدة مهمّة ، و أغراضاً بعيدة عديدة ، في ما تنوّع من أدعية الصحيفة ، بمناسباتها الزمانية و ظروفها المكانية ، و الحوادث ، و الأشخاص ، و الموجودات المختلفة التي كانت محوراً لكلامه ; بدءاً بالخالق جلّ جلاله ، و مروراً بالملائكة و الإنس ، و الجنّ ، و الشيطان ، و ختاماً بالحشر و المعاد و القيامة و الجنّة و نعيمها الخالد ، و ما يوازي كلا من ذلك ، أو يقارنه أو يسبقه أو يلحقه من شؤون شرح الصحيفة السجّادية للشيخ البلاغي ماضي النجف و حاضرها : 2 / 68

و قد أعددنا في عملنا هذا ، فهرساً جامعاً على المواضيع التي دخلت في الصحيفة ، و كان في كلام الإمام ( عليه السلام ) ذكرٌ أو إشارة إليه ، كما ركّزنا في شرحنا الموضوع على الهوامش ، على إبراز ما توصّلنا إليه من هذه الموضوعات ، وبلورته حسب المستطاع بعون الله تعالى

ونلخّص هنا ، العناوين العامّة للأغراض تلك

إنّ الصحيفة قد أرسلها علماء الإمامية إرسال المسلّمات ، أو بعض ما فيها من الأدعية ، إلى الإمام السجّاد ( عليه السلام ) بلا مناقشة في النسبة أو السند . فذكرها المفيد في الإرشاد وذكرها الطوسي في الفهرست ، و المصباح و ذكرها النجاشي في الرجال و ذكرها الخزاز في كفاية الأثر و ذكرها ابن شهر آشوب في مقدّمة معالم العلماء و في ترجمة رواية عمير بن المتوكّل

البلغاء و الصحيفة / شهادات

قال ابن شهر آشوب : وذكر عند بليغ في البصرة ، فصاحة الصحيفة الكاملة ، فقال : « خذوا عنّي حتّى اُملي عليكم » و أخذ القلم ، و أطرق ، فما رفع رأسه حتّى مات ! مناقب آل أبي طالب ( عليه السلام ) 2 / 241

الصحيفة عند الناقدين

قال الدكتور الشيخ محمّد حسين علي الصغير ـ اُستاذ في الدراسات القرآنية و البلاغية و النقدية في جامعة الكوفة ـ النجف الأشرف : و الحديث إلى القلب ينبع من القلب و دعاء الإمام بإيحاءاته كافّة ينطلق من الأعماق فهو يخترق كلّ الأعماق ليستقرّ بها معلماً شاخصاً هادفاً يهدي سواء السبيل .

ليس في هذا الحديث مبالغة الرواة ، و لا عنت الكتّاب ، و لا مساومة التاريخ ، بل فيه الصورة الناطقة المعبّرة عن حقائق الأشياء دون تزيّد على الواقع الصحيح ، و لا  على الحقيقة الحرّة ، بل هو الروح الخالص المستنبط من واقع الأحداث مجلّة البلاغ الكاظمية السنة الاُولى العدد ( 6 علم الحديث 2 / مقدّمتان

 

 


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=712
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2017 / 04 / 20
  • تاريخ الطباعة : 2024 / 03 / 28