• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .
              • القسم الفرعي : فكر .
                    • الموضوع : وقفة مع أسلمة المعرفة .
                          • رقم العدد : العدد السادس والثلاثون .

وقفة مع أسلمة المعرفة

وقفة مع أسلمة المعرفة

 

 

الشيخ حسن بدران

الإحصاء

في ضوء التأسيس الفلسفي في فكر الفارابي يمكن أن نلحظ نظرات عميقة في معالجة اشكالية الاصيل والوافد، ومعيارية اللغة العربية، وما وراء اللغة، مما يرتبط باشكالية اسلمة المعرفة باكثر من صلة وعلى اكثر من صعيد.

تميز الفارابي بين الفلاسفة بكتابه إحصاء العلوم، الذي وضع فيه معالم وحدود العلوم السائدة في عصره. والإحصاء هو الغاية المعلنة من كتاب الإحصاء. وهذا يفترض أن الفارابي يقوم بعمل وصفي تطبيقي مأخوذا في ذلك بالدوافع العلمية الصرفة. ومع ذلك، يمكننا بشيء من التأمل، أن نحدد المؤثر الفعلي الحاكم على تصنيف الفارابي، وهو ليس مؤثرا دينيا بالمعنى الضيق وإنما هو مؤثر عقلي فلسفي ديني، إذ الحقيقة الفلسفية تتماهى عنده والحقيقة الدينية... فقد آمن الفارابي بالعلوم المنتجة للحقيقة على صعيد العقل الإنساني، ولم ير بأسا في تنظيم العلوم الدينية في سياق عملي بحت، يتعلق بالجانب التنظيمي والمدني.

يثار اليوم مصطلح أسلمة المعرفة، وتطرح الاسلمة لدى البعض في ضمن بيئة لغوية محلية بحيث ينبغي على العلوم أن تتقيد بها، هذا المعنى يبتعد عن روح فلسفة الفارابي؛ فهو أقرب إلى الأسلمة بمعناها العام الذي تتماهى فيه الحقيقة الدينية مع الحقيقة الوجودية.

وبطبيعة الحال، فإن المقارنة بين العلوم الإسلامية والعلوم الغريبة الوافدة، وتسجيل التحفظات، كان أمرا قائما في عصر انتشار العلوم بين المسلمين.

وقد اعتبرت العلوم التي تنتمي إلى اللغة العربية بحسب نشأتها ذات صبغة شرعية كونها علوما خاصة بالملة، فيما اعتبرت العلوم المترجمة عن لغات أخرى علوما بديلة. ولهذا كان التوجه السائد بين أهل العربية آنذاك هو تقديم الأصيل على البديل.

وإذا أخذنا بهذا المعيار، سوف تغدو اللغة العربية نفسها معيارا ثابتا؛ يتحدد من خلال التحول الذي طرأ على اللغة العربية وجعل منها صناعة لها حدودها وقوانينها. فالاسم ما أنبأ عن المسمى... وانحو هذا النحو... (أبي الأسود الدُّؤلي)

لقد تطورت صناعة اللغة بوصفها لغة معيارية ذات تعبير رمزي عن هوية الملة الثقافية، وصار لها أئمة ومدارس كل واحد منها يعبر عن وجهة معينة.

فلسفة اللغة

وبالعودة إلى الفارابي وعصره، فقد أثيرت قضية العلوم الوافدة بشكل واسع، واستحوذت على مجمل الاهتمام الثقافي بامتداداته الاجتماعية والسياسية والعلمية آنذاك. ويمكن ان نتلمس ذلك بوضوح في التراث الماثل بين أيدينا، فقد تعرض التوحيدي في كتابه الامتاع والمؤانسة لذكر مناظرة جرت في مجلس ابن الفرات وزير المقتدر، وبطلب منه، والتي دارت بين أبي بشر متى أستاذ المنطق، وأبي سعيد السيرافي أستاذ العربية.

لما انعقد المجلس سنة ستّ وعشرين وثلاثمائة، قال الوزير ابن الفرات للجماعة: ألا ينتدب منكم إنسان لمناظرة متّى في حديث المنطق، فإنه يقول: لا سبيل إلى معرفة الحقّ من الباطل والصدق من الكذب والخير من الشرّ والحجّة من الشبهة والشك من اليقين إلا بما حويناه من المنطق وملكناه من القيام به، واستفدناه من واضعه على مراتبه وحدوده، فاطلعنا عليه من جهة اسمه على حقائقه. فأحجم القوم وأطرقوا. قال ابن الفرات: والله إن فيكم لمن يفي بكلامه ومناظرته وكسر ما يذهب إليه وإني لأعدّكم في العلم بحارا، وللدّين وأهله أنصارا، وللحق وطلّابه منارا، فما هذا الترامز والتغامز اللّذان تجلّون عنهما؟ فرفع أبو سعيد السيرافيّ رأسه فقال...

لم تكن مقارنة بين مصداقية علم المنطق وعلم اللغة العربية في ذاتهما، بمقدار ما كانت بين مصداقيتهما بصفتهما علما إسلاميا أصيلا وعلما غريبا وافدا. وكان النصر الإعلامي فيها بطبيعة الحال من نصيب السيرافي.

وبصرف النظر عن الشكوك التي تنتابنا عند مطالعة تلك المناظرة، يبدو أن المقارنة قد استحوذت على اهتمام الفارابي، الذي يصادف أنه كان تلميذا لمتى في المنطق، ولابن السراج (أستاذ السيرافي) في النحو معا.

وبحسب ابن خلكان في الوفيات فقد وصل الفارابي إلى بغداد وهو يعرف اللسان التركي وعدة لغات غير العربي، فتعلمه وأتقنه غاية الإتقان ثم اشتغل بعلوم الحكمة. وذكر ابن ابي اصيبعة في العيون ان الفارابي كان يجتمع بعد ذلك بأبي بكر ابن السراج (تلميذ المبرد إمام نحاة البصرة) فيقرأ عليه صناعة النحو، وابن السراج يقرأ عليه صناعة المنطق.

كان لقراءة ابن السراج المنطق على الفارابي، أثرها في اتساع أفقه وتحرره من المذهب البصري.. تأثير الفارابي على ابن السراج جعله يعدل آراءه باتجاه قبول بعض آراء الكوفيين بتأثير من المنطق والموسيقى.

من تلامذة ابن السراج أبو سعيد عبد الله السيرافي صاحب المناظرة. تقوم فكرته على أن علم المعقول كالمنطق علم عام يشمل الملل كافة، بينما علم اللغة يختص بالملة دون غيرها. والعام يوجد في الخاص بخلاف العكس. لذلك فالمنطق حشو وتطويل بلا طائل واللغة هي الأصل.

عمد الفارابي في مشروعه الذي اعتبر أهم ما كتب، وهو كتاب الحروف، ليثبت أن لعلم المنطق من الأهمية ما لا يقل عن علم النحو؛ بل إن اللغة منطقية نسقية خالصة وليست عرفية محلية. بمعنى أن علم اللسان يستند إلى منطق اللغة وليس إلى اللغة نفسها.

وهذا الإطار من الفهم لم يقم على أساس الحس المباشر لجسد اللغة وإنما على أساس روح القوانين التي تحكم اللغة وتجعل منها صناعة.

يذكر أن كتاب الحروف هو شرح لكتاب أرسطو ما بعد الطبيعة، وقد بحث الفارابي فيه عن أصل اللغة ونشوئها وعلاقتها بالفلسفة والملة.

تمحورت فكرة الفارابي على فلسفة اللغة، لا اللغة... وسوف ينظر البعض إلى فلسفته اللغوية على أنها المدخل الأساسي لتصحيح مسار الفكر الإسلامي.

فقد انعكس اهتمام الفارابي باللغة على جملة كتبه، ككتاب الألفاظ المستعملة في المنطق، وكتاب التنبيه على السعادة، وكتاب أيساغوجي أي المدخل، وكتاب القياس الصغير، ثم كتاب الحروف الذي يعد موسوعة لغوية فلسفية.

يفرق الفارابي بين القول والنطق: «القول مركب من ألفاظ، والنطق والتكلم هو استعماله تلك الألفاظ والأقـاويـل وإظهـارها باللسان والتصويـت بها ملتمساً الدلالـة بها على ما في ضميره»[1].

الألفاظ تدل على المعقولات، والمعقولات تدل على الألفاظ، فهناك علاقة وثيقة بين اللفظ ومحتواه المعقول، أي بين الفكر واللغة.

إذن، الفارابي يسعى لقلب نظام العلاقة: المعنى قبل اللفظ. ولكنه المعنى الذي يشير الى مقولات خارجية، لا المعنى في نفسه فحسب.

ثم إن علم النحو يعطي قوانين تخص ألفاظ أمة ما، وعلم المنطق إنما يعطي قوانين مشتركة تعم ألفاظ الأمم كلها. فالنحو يعنى بالتعبير اللغوي، أما المنطق فإنه يعنى بمعاني الأفكار والأقوال.

وبذلك يكون الفارابي قد أسس للدراسة المنطقية للغة؛ فالمنطقَ ميزانُ الفكر، واللغة هي القالبُ الذي يصُبُّ فيه هذا الفكر.

وقد عدّل من الانطباع السائد الذي دعّم فكرة تصادم علمي المنطق واللسان، ليس المنطق بديلا عن اللغة وإنما هو علم آخر له موضوعه ومسائله الخاصة به، والعلاقة بينهما هي علاقة تناغم وتكامل وليس علاقة تنابذ وصدام:

"وهذه الصناعة تناسب صناعة النحو: وذلك أن نسبة صناعة المنطق إلى العقل والمعقولات كنسبة صناعة النحو إلى اللسان والألفاظ. فكل ما يعطيناه علم النحو من القوانين في الألفاظ، فإن علم المنطق يعطينا نظائرها في المعقولات. وتناسب أيضا علم العروض...".

والفارابى يتجاوز اللغات ويتحدث عن علم اللغة العام كبناء وراء اللغات المتعددة، ويسميه علم اللسان

***

الفلسفة السياسية

وكما أن اللغة ليست بمعزل عن الدين، فهي أيضا ليست بمعزل عن السياسة... فقد احتوت مناظرة التوحيدي، رمزيا، على مجمل العمليات التي كانت تسهم في تشكيل الواقع الفعلي، أي تعبيد اللغة والمفاهيم في سبيل إحكام السيطرة.

وقد بحث الفارابي الفلسفة السياسية في الإسلام في ضمن مطلبين أساسيين:

  1. في أصول الحكم وأشكاله من جهة.
  2. وفي علاقة العلم أو الفلسفة بالشريعة أو النواميس من جهة أخرى.

في الجانب الأول، ولكي لا تنحرف السياسة عن هدفها في تحقيق أهداف الدين، ويؤدي ذلك إلى إخضاع الفلسفة لوصاية الدين، فتجد غايتها في غيرها لا في ذاتها. اشترط الفارابي على الرئيس أن يكون صالحا لتصبح المدينة بدورها صالحة فاضلة. وتجلى ذلك في شخص الإمام الفيلسوف الذي تتطابق لديه الفلسفة مع السياسة فيلتقي التأمل النظري مع الحياة العملية[2].

الفلسفة هي إذن الحياة السياسية الكاملة. والسياسة ليست مجرد عمل تطبيقي، بل هي ترتبط بالأخلاق، وتسعى إلى تمثل تصور عن مجتمع مثالي يعكس نظام الكون وينتج السعادة.

وفي الجانب الثاني، حاول الفارابي أن يوفق بين العلم والدين انطلاقا من العلم ذاته، وايمانا منه بأن أي علم، وأية طريقة في الحياة، هي عوامل ضرورية للسعادة، إذا ما تناغم العلم والدين في إطار معرفة دقيقة بالنظام السياسي الذي يمثل المجال الحيوي لتعايش الأفكار والمعتقدات.

إن علم السياسة عنده أو الفلسفة السياسية تشمل دراسة القوانين الإلهية: الفقه واللاهوت. ويجد الدين مكانته داخل وجهة نظر علمية كونية. (كما يقول د. محسن مهدي). وبذلك يكون الفارابي قد نظر إلى علاقة الدين بالعلم عبر رابطة السياسة ووفق هدف تحصيل السعادة.

إن الاسلمة ذاتها بمفهوم الفارابي - إن جاز هذا التعبير -  ذات اطار علمي فلسفي؛ إنها تحرير الشكل المضموني للغة وعدم الاكتفاء بالشكل الحسي الماثل فحسب.

إن الأطر الضيقة تنتج أطرا ضيقة، وبهذا يمكن أن نفهم اللغة العربية كعلم اسلامي تعبدي له خصوصيته المحلية الفريدة والضيقة، في مقابل المنطق والفلسفة كعلوم مصنفة غريبة ووافدة. وهذا ما يرفضه الفارابي.

أما الأطر الواسعة فتنتج مثيلتها، هكذا فهم الفارابي اللغة العربية في فلسفتها العلمية وقانونها العام، وجرى تعميم هذا الفهم على كافة العلوم المصنفة إسلاميا كعلم الكلام، واتسع هذا الإطار القانوني ليشمل العلوم المصنفة غريبة ووافدة.

وبتأثير من شمولية فكره، يرفض الفارابي أن يكون الكلام مثلا علما يدافع عن العقائد دون الأفعال، أو يكون حكرا على عقائد محلية دون غيرها، أو يختص بمنهج محلي دون غيره[3]. ويوسّع من دائرة علم الكلام للدفاع عن الدين الإسلامي بكامله: علما وعملا أو عقيدة وشريعة[4]. كما ويوسع من دائرة المناهج متتبعا لأساليب الدفاع عن الدين، والتي توزعت آنذاك على فئات، بعضها يؤمن بالعقل نسبيا أو كليا، وبعضها يرفض العقل ويكتفي باللغة[5].

هذا التقنين العلمي للمعارف الإسلامية، والخروج من الأطر المحلية، هو ما يشكل روح كتاب إحصاء العلوم كما يظهر ذلك بوضوح في ضبط موضوعات العلوم وتعريفها.

سعى الفارابي لبناء منظومة عقلية للفكر الاسلامي تراعي سعة الافق في النظر، وتلحظ الابعاد النظرية والعملية كافة، وتسعى الى تحرير الواقع السائد آنذاك من الاطر الضيقة التي تحيط به، وكان الى جانب عقلانيته المنفتحة، اسلامي القلب والهوى والتأسيس والنزوع. 

يذكر ظهير الدين البيهقي نصا مهما للفارابي يقول فيه:

(ينبغي لمن أراد الشروع في علم الحكمة أن يكون شابا، صحيح المزاج متأدبا بآداب الأخيار، قد تعلم القرآن واللغة وعلم الشرع أولا، ويكون صينا عفيفا متحرجا صدوقا، معرضا عن الفسق والفجور والغدر والخيانة، والمكر والحيلة، ويكون فارغ البال عن مصالح معاشه، ويكون مقبلا على أداء الوظائف الشرعية، غير مخل بركن من أركان الشريعة، بل غير مخل بأدب من آداب السنة، ويكون معظما للعلم والعلماء، ولم يكن عنده لشيء قدر إلا العلم وأهله، ولا يتخذ علمه من جملة الحرف والمكاسب)[6].

الاهتمام بدراسة القرآن الكريم واللغة العربية وعلم الشرع قبل الدخول في الفلسفة، يؤكد على الوجهة الإسلامية لفلسفة الفارابي، وأنه لا يقدم الفلسفة كبديل للعلوم الإسلامية، كما لا يقدم الأخلاق الفلسفية كبديل للأخلاق الإسلامية.

 

 

[1] كتاب الحروف، الفارابي، الباب الثالث: حروف السؤال، ص 97.

[2] "الرئيس الأول للمدينة الفاضلة ينبغي أن تكون صناعته صناعة لا يمكن أن يخدم بها أصلا، ولا يمكن فيها أن ترأسها صناعة أخرى أصلا. بل تكون صناعته صناعة تؤم الصناعات كلها، وإياه يقصد بجميع أفعال المدينة الفاضلة. ويكون ذلك الإنسان إنسانا لا يكون يرأسه إنسان أصلا؛ وإنما يكون ذلك الإنسان إنسانا قد استكمل، فصار عقلا ومعقولا بالفعل" (الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها، دار ومكتبة الهلال، 1995، ص119)

[3] "صناعة الكلام ملكة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي صرّح بها واضع الملة وتزييف ما خالفها بالأقاويل".

[4] "وهذه الصناعة تنقسم جزءين أيضا: جزء في الآراء وجزء في الأفعال؛ لأن الفقيه يأخذ الآراء والأفعال التي صرّح بها واضع الملة مسلّمة ويجعلها أصولا فيستنبط منها الأشياء اللازمة عنها. والمتكلم ينصر الأشياء التي يستعملها الفقيه أصولا من غير أن يستنبط منها أشياء أخرى. فإذا اتفق على أن يكون لإنسان ما قدرة على الأمرين جميعا فهو فقيه متكلم. فتكون نصرته لها بما هو متكلم، واستنباطه منها بما هو فقيه".

[5] الفئة الأولى: " إن قوما من المتكلمين يرون أن ينصروا الملل بأن يقولوا إنّ آراء الملل وكل ما فيها من الأوضاع ليس سبيلها أن تمتحن بالآراء بالروية والعقول الإنـسية، لأنها أرفع رتبة منها: إذ كانت مأخوذة عن وحي إلهي، ولأنّ فيها أسرارا إلهية تضعف عن إدراكها العقول الإنسية ولا تبلغها …إنّ الإنسان وإن بلغ نهاية الكمال في الإنسانية فإنّ منزلته عند ذوي العقول الإلهية منزلة الصبي والحدث…".

الفئة الثانية: " وقوم…يرون أن ينصروا [الملة…] أولا جميع ما صرح به واضع الملة بالألفاظ التي بها عبر عنها، ثم يتتبعون المحسوسات والمشهورات والمعقولات: فما وجدوا منها أو من اللوازم عنها، وإن بعد، شاهدا لشيء مما في الملة نصروا بـه ذلك الشيء، وما وجدوا منها مناقضا لشيء مما في الملة وأمكنهم أن يتأولوا اللفظ الذي به عبر عنه واضع الملة على وجه موافق لذلك المناقض ولو تأويلا بعيدا… فإن لم يمكن أن يزيف شيء من المحسوسات ولا من المشهورات ولا من المعقولات… رأوا حينئذ أن ينصر ذلك الشيء بأن يقال إنه حق لأنه أخبر به من لا يجوز أن يكون قد كذب ولا غلط. ".

الفئة الثالثة: "وقوم رأوا أن ينصروا…بأن يتتبعوا سائر الملل فيلتقطوا الأشياء الشنعة التي فيها: فإذا أراد الواحد من أهل تلك الملل تقبيح شيء مما في ملة هؤلاء، تلقاه هؤلاء بما في ملة أولئك من الأشياء الشنعة فدفعوه بذلك عن ملتهم".

الفئة الرابعة: "وآخرون منهم لما رأوا أن الأقاويل التي يأتون بها في نصرة أمثال هذه الأشياء ليست فيها كفاية في أن تصح بها تلك الأشياء صحة تامة، حتى يكون سكوت خصمهم عنهم لصحتها عنده لا لعجزه عن مقاومتهم فيها بالقول، اضطروا عند ذلك إلى أن يستعملوا معه الأشياء التي تثلجه إلى أن يسكت عن مقاومتهم، إمّا خجلا وحصرا أو خوفا من مكروه يناله".

الفئة الخامسة: "ولم يبالوا أن يستعملوا الكذب والمغالطة والبهت والمكابرة، لأنهم رأوا أنّ من يخالف ملتهم أحد رجلين:إمّا عدو، والكذب والمغالطة جائز أن يستعملا في دفعه وفي غلبته، كما يكون ذلك في الجهاد والحرب، وإمّا ليس بعدو، ولكن جهل حظ نفسه من هذه الملة لضعف عقله وتمييزه، وجائز أن يحمل الإنسان على حظ نفسه بالكذب والمغالطة …".

[6] ظهير الدين البيهقي، تاريخ حكماء الإسلام، ص 34 – 35.


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=969
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 02 / 04
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 07 / 28