• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : الامام علي عليه .
                    • الموضوع : عن شهادة امير المؤمنين عليه السلام وبعض وصاياه .

عن شهادة امير المؤمنين عليه السلام وبعض وصاياه

عن شهادة امير المؤمنين عليه السلام وبعض وصاياه

لمّا نزل قوله تعالى : ( الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَ‌كُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ) ، قال عليّ بن أبي طالب عليه السّلام : « علمتُ أنّ الفتنة لا تنزلُ بنا ورسولُ الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بين أظْهُرنا ، فقلت : يا رسول الله ، ما هذه الفتنة التي أخبرك اللهُ تعالى بها ؟ فقال : يا عليّ ، إنّ أُمّتي سيُفتَتنون مِن بعدي. فقلتُ : يا رسول الله ، أوَ ليس قُلتَ لي يومَ أُحد : أبشِرْ ؛ فإنّ الشهادة مِن ورائك ؟ فقال لي : إنّ ذلك لَكذلك ، فكيف صَبرُك إذَاً ؟ فقلت : يا رسول الله ، ليس هذا مِن مَواطِن الصبر ، ولكنْ من مَواطِن البُشرى والشكر.

يروي محمّد بن مسلم ـ كما في تُحفة المحبّين ـ أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال للإمام عليّ عليه السّلام يوماً : « إنّ الأُمة ستغدر بك من بعدي ، وأنت تعيش على مِلّتي ، وتُقتَل على سُنّتي ، وإنّ هذا ـ وأشار إلى وجهه ـ سيُخضَب من هذا ـ وأشار إلى رأسه ـ

يروي لنا الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله خطب مُستقبِلاً شهرَ رمضان , ذاكراً فضائل هذا الشهر ، قائلاً : « أيُّها الناس ، إنّه قد أقبَلَ إليكم شهرُ الله بالبركة والرحمة والمغفرة ... » ، وبعد فقرات وعبارات من خطبته الشريفة قام أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام فقال : « يا رسول الله ، ما أفضلُ الأعمال في هذا الشهر ؟ ». فقال صلّى الله عليه وآله : « يا أبا الحسن ، أفضل الأعمال في هذا الشهر الورَعُ عن محارم الله عزّ وجلّ ».

ثم يبكي النبيّ صلّى الله عليه وآله ، فيسأله الإمام عليّ عليه السّلام : « يا رسول الله , ما يُبكيك ؟! ». فقال صلّى الله عليه وآله: « يا عليّ ، أبكي لِما يُستحَلّ منك في هذا الشهر. كأنّي بك وأنت تصلّي لربّك ... وقد انبَعثَ أشقى الأوّلين والآخِرين ، شقيقُ عاقِرِ ناقةِ ثمود ، فضَربَك ضربةً على قَرنِك ، فخَضَب منها لحيتَك ».

وهنا كان للإمام عليّ عليه السّلام سؤاله الأوحد : « يا رسول الله ، وذلك في سلامة من دِيني ؟ ». فقال صلّى الله عليه وآله يبشّره أيضاً : « في سلامة من دِينك

 

فجاء عليّ ـ والحديث للنبيّ صلّى الله عليه وآله ـ فبشّرتُه ، فقال : يا رسول الله ، أنا عبدُ الله وفي قبضته ، فإن يُعذّبني فبِذَنْبي ، وإن يُتمَّ ليَ الذي بشَرتَني به فالله أولى به ». قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : « قلت : اللهمّ اجْلُ قلبَه ، واجعَلْ ربيعَه الإيمان. فقال الله : قد فَعَلتُ به ذلك. ثمّ إنه رفع إليّ أنّه سيخصّه من البلاء بشيء لم يخصّ به أحداً من أصحابي ، فقلت : يا ربِّ ، أخي وصاحبي ! فقال : إنّ هذا شيء قد سبق ، إنّه مبتلىً ومبتلىً به »

 

وفي تاريخ بغداد للخطيب البغداديّ ، وكنز العمّال للمتّقي الهنديّ ، عن عليٍّ عليه السّلام قال : « بَيْنا رسولُ الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ آخِذٌ بيدي ونحن نمشي في بعض سِكك المدينة ، فمَررنا بحديقةٍ ، فقلت : يا رسول الله ، ما أحسَنَها مِن حديقة ! قال : لك في الجنّة أحسَنُ منها. حتّى مَرَرنا بسبعِ حدائق ، كلُّ ذلك أقول : ما أحسَنَها ! ويقول : لك في الجنّة أحسنُ منها. فلمّا خلا له الطريق اعتنَقَني ثمّ أجهَشَ باكياً ، قلت : يا رسول اللهِ ، ما يُبكيك ؟! قال : ضَغائنُ في صدورِ أقوامٍ لا يُبدونها لك إلّا مِن بعدي. قلت : يا رسول الله ، في سلامةٍ من ديني ؟ قال : في سلامةٍ من دِينك

وروي أنَّ الإمام عليه‌ السلام سهر في تلك الليلة التي قُتل فيها ، وكان يكثر الخروج والنظر إلى السماء ، وهو يقول : « والله ما كذبتُ ولا كُذبت ، وإنَّها الليلة التي وُعدتُ بها » ثُمَّ يعاود مضجعه ، فلمَّا طلع الفجر شدَّ إزاره وخرج وهو يقول

أُشدد حيازيمك للموت   فإنَّ الموت آتيك

ولا تجزع من الموت  إذا حلَّ بواديك

وقد ضربه ابن ملجم أشقى الآخرين لعنه الله ،وهو في الصلاة ليلة تسعة عشر من شهر رمضان ، سنة أربعين من الهجرة ، في المسجد الأعظم بالكوفة ، ضربه بالسيف المسموم على أُمِّ رأسه  ودوى صوت الإمام المظلوم بنداء : « فزت وربِّ الكعبة »

فمكث عليه‌ السلام يوم التاسع عشر وليلة العشرين ويومها ، وليلة الحادي والعشرين إلى نحو الثلث من الليل ثُمَّ قضى نحبه شهيداً محتسباً صابراً

وقيل : كان عمره يوم استشهد ثلاثاً وستِّين سنةً ، وتولَّى غسله وتكفينه ابناه الحسن والحسين عليهما السلام بأمره ، وحملاه إلى الغريَّين من نجف الكوفة ، ودفناه هناك ليلاً ، وعمَّيا موضع قبره بوصيّته إليهما في ذلك ، لما كان يعلم من دولة بني أُميَّة من بعده ، وإنَّهم لا ينتهون عمَّا يقدرون عليه من قبيح الأفعال ولئيم الخلال ، فلم يزل قبره مخفيَّاً حتّى دلَّ عليه الصادق عليه‌ السلام في الدولة العبَّاسية.

وصاياه الخالدة

وأوصى إمام المتّقين عليه السلام أولاده بجملة من الوصايا الذهبيّة قبل وفاته وهذه بعضها:

 للامامين للحسنين عليهما السلام

أوصيكما بتقوى الله ، وألاّ تبغيا (تطلبا) الدّنيا وإن بغتكما ، ولا تأسّفا على شيء منها زوي عنكما ، وقولا بالحقّ ، واعملا للأجر ، وكونا للظّالم خصماً ، وللمظلوم عوناً

أوصيكما ، وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي ، بتقوى الله ، ونظم أمركم ، وصلاح ذات بينكم ، فإنّي سمعت جدّكما ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ يقول : صلاح ذات البيّن أفضل من عامّة الصّلاة والصّيام

الله الله في الأيتام ! فلا تغبّوا أفواههم (صلوا الأيتام باتّصال) ولا يضيعوا بحضرتكم

والله الله في جيرانكم ! فإنّهم وصيّة نبيّكم ؛ ما زال يوصي بهم حتّى ظننّا أنّه سيورّثهم.

والله الله في القرآن ! لا يسبقكم بالعمل به غيركم.

والله الله في الصّلاة ! فإنّها عمود دينكم

والله الله في بيت ربّكم ، لا تخلّوه ما بقيتم ، فإنّه إن ترك لم تناظروا (لا ينظر إليكم)

والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله ! وعليكم بالتّواصل والتّباذل (العطاء) ، وإيّاكم والتّدابر والتّقاطع لا تتركوا الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر فيولّى عليكم شراركم ، ثمّ تدعون فلا يستجاب لكم.

يا بني عبد المطّلب ، لا ألفينّكم تخوضون في دماء المسلمين خوضاً ، تقولون : قتل أمير المؤمنين. ألا لا تقتلنّ بي إلّا قاتلي.

انظروا إذا أنا متّ من ضربته هذه ، فاضربوه ضربة بضربة ، ولا تمثّلوا بالرّجل ، فإنّي سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ يقول : « إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور .

لعموم الناس

أدلى الإمام عليه السلام بهذه الوصيّة لعموم الناس ، ولم يخصّ بها أهل بيته ، وجاء فيها:

أيّها النّاس ، كلّ امرئ لاق ما يفرّ منه في فراره. والأجل مساق النّفس. والهرب منه موافاته. كم أطردت الأيّام أبحثها عن مكنون هذا الأمر ، فأبى الله إلّا إخفاءه. هيهات ! علم مخزون ! أمّا وصيّتي : فالله لا تشركوا به شيئاً ، ومحمّداً صلّى الله عليه وآله ، فلا تضيّعوا سنّته. أقيموا هذين العمودين ، وأوقدوا هذين المصباحين ، وخلاكم ذمّ ما لم تشردوا (تميلوا)

حمّل كلّ امرئ منكم مجهوده ، وخفّف عن الجهلة ربّ رحيم ودين قويم ، وإمام عليم

أنا بالأمس صاحبكم ، وأنا اليوم عبرة لكم ، وغداً مفارقكم ! غفر الله لي ولكم....

غداً ترون أيّامي ، ويكشف لكم عن سرائري ، وتعرفونني بعد خلوّ مكاني وقيام غيري مقامي »

ومن وصيّة له للإمام الحسن المجتبى عليه السلام

أوّل وصيّتي أنّي أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّدا رسوله وخيرته ، اختاره بعلمه ، وارتضاه لخيرته ، وأنّ الله باعث من في القبور ، وسائل النّاس عن أعمالهم عالم بما في الصّدور. ثمّ إنّي اُوصيك يا حسن ، وكفى بك وصيّاً بما أوصاني به رسول الله صلّى الله عليه وآله ، لا تكن الدّنيا أكبر همّك

واُوصيك يا بنيّ ! بالصّلاة عند وقتها ، والزّكاة في أهلها عند محلّها ، والصّمت عند الشّبهة ، والإقتصاد والعدل في الرّضا والغضب ، وحسن الجوار ، وإكرام الضّيف ، ورحمة المجهود وأصحاب البلاء ، وصلة الرّحم ، وحبّ المساكين ومجالستهم ، والتّواضع فإنّه من أفضل العبادة ، وقصر الأمل ، واذكر الموت ، وازهد في الدّنيا فإنّك رهين موت ، وغرض بلاء ، وطريح سقم

واوصيك بخشية الله في سرّ أمرك وعلانيّتك ، وأنهاك عن التّسرّع بالقول والفعل ، وإذا عرض شيء من أمر الآخرة فابدأ به ، وإذا عرض شيء من أمر الدّنيا فتأنّه حتّى تصيب رشدك فيه ، وإيّاك ومواطن التّهمة والمجلس المظنون به السّوء ، فإنّ قرين السّوء يغرّ جليسه.

وكن يا بنيّ ! لله عاملاً ، وعن الخناز جوراً ، وبالمعروف آمراً ، وعن المنكر ناهياً ، وواخ الإخوان في الله ، وأحبّ الصّالح لصلاحه ، ودار الفاسق عن دينك ، وابغضه بقلبك ، وزايله بأعمالك لئلّا تكون مثله ، وإيّاك والجلوس في الطّرقات ، ودع المماراة ومجاراة من لا عقل له ولا علم له.

واقتصد يا بنيّ ! في مشيتك ، واقتصد في عبادتك ، وعليك فيها بالأمر الدّائم الّذي تطيقه ، والزم الصّمت تسلم ، وقدّم لنفسك تغنم ، وتعلّم الخير تعلم ، وكن لله ذاكراً على كلّ حال ، وارحم من أهلك الصّغير ، ووقّر منهم الكبير ، ولا تأكل طعاماً حتّى تتصدّق منه قبل أكله ، وعليك بالصّوم فإنّه زكاة البدن ، وجنّة لأهله ، وجاهد نفسك ، واحذر جليسك ، واجتنب عدوّك ، وعليك بمجالس الذّكر ، وأكثر من الدّعاء فإنّي لم آلك يا بنيّ نصحاً ، وهذا فراق بيني وبينك.

واُوصيك بأخيك محمّد خيراً فإنّه شقيقك ، وابن أبيك ، وقد تعلم حبّي له ، وأمّا أخوك الحسين فهو ابن امّك ، ولا أريد الوصاة بذلك العظم ، والله الخليفة عليكم ، وإيّاه أسأل أن يصلحكم ، وأن يكفّ الطّغاة والبغاة عنكم ، والصّبر الصّبر حتّى ينزل الله الأمر ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم »

 


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=999
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 04 / 29
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 05 / 7