• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .
              • القسم الفرعي : مقالات .
                    • الموضوع : علماء قدوة ... ومواقف رسالية للعلماء .
                          • رقم العدد : العدد السابع والثلاثون 37 .

علماء قدوة ... ومواقف رسالية للعلماء

 

علماء قدوة ... ومواقف رسالية للعلماء

إعداد هيئة التحرير

تاريخ العلماء حافل بالقصص والمآثر والعبر .. وقصص العلماء زاخرة بالأخلاق والمثل العليا التي تنمّ عن عمق الايمان والثقة بالله والاحساس بالمسؤولية، وهذه المواقف من هؤلاء العظماء في علمهم وعملهم لا بد من الوقوف عندها لأخذ العبر والاقتداء.

طمأنينة الامام الخميني (ره)

فيما كانت مشكلة احتلال السفارة تأخذ ابعادا خطيرة، في داخل إيران، بسبب الرهبة من رد الفعل الأمريكي، قال الإمام والطمأنينة تشع من عينيه: "ان أمريكا لا تستطيع ان ترتكب اية حماقة". هذه الطمأنينة  رافقته ولم تفارقه فيما كانت الطائرات المغيرة تحاول قصف منزله والصواريخ البعيدة المدى تتساقط في العاصمة طهران. وكان الأطباء يندهشون لانتظام دقات قلبه في اشد المنعطفات خطورة.

 وعندما اطلق سراحه بعد اعتقاله على اثر حوادث الفيضية قال: "والله لم اعرف الخوف طوال عمري حتى في تلك الليلة التي أخذوني فيها، فقد كانوا هم خائفين.

 

 

الامام واحساسه بآلام الآخرين

"من المعروف ان درجة الحرارة في مدينة النجف الاشرف شديدة، وتجتاز في بعض الاحيان الـ 50م.. يقول احد معارفه : ذهبت يوما إلى الإمام وبصحبة عدد من الاخوة.. قلنا له: الحر شديد، وانت لا تتحمله لكبر سنك.. الناس يذهبون ليلا إلى الكوفة.. والجو هناك الطف. اجابنا: كيف تريدنني ان اذهب إلى الكوفة من أجل الجو اللطيف في الوقت الذي يقبع فيه اخوتي في سجون إيران؟"

 وعندما يجلس ليشاهد ما يعرض على شاشة التلفاز من صور مؤلمة للفقر والحرمان.. كان يبكي".

وقال امام جمع من الطلبة: إذا كان عملكم من اجلي واذا سجنتم من اجلي، فانا لا املك لكم اجرا، ولا تفعلوا ذلك.. واذا كان عملكم لله فهذا هو تكليفكم الشرعي فلا تتوقعوا مني ان اعمل لكم شيئا".

قال الشيخ توسلي الذي رافق الإمام : جاء الإمام يوما كعادته يلقي درسه، ففوجئ بوجود قطعة فراش وضعت خصيصا له، فرفعها على الفور وجلس على السجادة المفروشة في المسجد كالآخرين".

 

 

 الامام الخميني واجتماع الأضداد في شخصيته

الكل يعلم عدم إمكانية الجمع بين الأضداد المنطقية. وفي حياة الإنسان يحدث أحياناً أن تتغلب العاطفة على العقل، لكن يحدث العكس في أحيان أخرى فيتغلب العقل على العاطفة. أما الإنسان الكامل فيتميز باتصافه بكلا الصفتين العقل والعاطفة، بحيث يستفيد من كلّ صفة في موردها الصحيح وغالباً ما يتصف الأفراد العاطفيين بالضعف وقلة الجرأة والشهامة، في حين يتصف الأفراد الأشداء والقساة بعدم تأثرهم بالأمور العاطفية، ونادراً ما نجد شخصاً يحمل كلا الصفتين في آن واحد.

وأهل العرفان والسلوك عامة ما يهتمون أكثر بأمور ما وراء الطبيعة، لكنهم لا يهتمون بأمر السياسة وإدارة البلاد، في حين نجد السياسيين والمسؤولين يهتمون بأمور السياسة ويهملون أمورا وراء الطبيعة، ونادراً ما نجد شخصاً يتصف بالاثنين معاً.

أما الفيلسوف الّذي يقضي معظم عمره في تربية عقله وإدراكه، نجده يبتعد عن الخوض في المسائل العرفية والحياة اليومية للناس، في حين نجد الفقيه يهتم بكلام الرواة وأحاديثهم وبإجابات الإمام بمقدار فهم الراوي، ونجده يأنس بالخوض في المسائل العرفية والعادية، لكنه لا يعتني بالتدقيق في المعارف الأخرى. ويندر أن تجتمع في الفيلسوف الدقة في التفكير مع الاستنباطات العرفية من الروايات.

ويعتبر أمير المؤمنين مصداقاً جلياً على هذا الاصطلاح، ولهذا يقول الشاعر

جمعت في صفاتك الأضداد                       فلهذا عزت لك الأنداد

فكان يقاتل بشدة المئات من الأعداء في ليلة واحدة دون أن يتأثر أو يضعف، لكنه في الوقت ذاته ما أن يرى دموعاَ تجري على خد يتيم، حتّى يتأثر وتعلو آهاته...

فكان الإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه) الابن والخلف الصالح لأمير المؤمنين (عليه السلام) وارثاً لجده في امتلاك مثل هذه الخصيصة من اجتماع الأضداد في شخصيته، فكان مظهراً للعاطفة لكنه في الوقت ذاته كان بطلاً شجاعاً، وكان شديد التأثر بالظروف الإنسانية، ومقاوماً وشديد البأس في مقابل الظلم والطغيان.

إنّه كان شديد التفكر والتأمل، وفي نفس الوقت كان سياسياً عادلاً ومدبراً أيضاً، فتمكن بقوته وصلابته من أخذ زمام أمور البلاد وإيصالها إلى الأمان.

كان فيلسوفاً دقيقاً أدرك بحق الأمور الإلهية بل وتذوقها، لكنه في الوقت ذاته كان إنساناً عرفياً في مجال الفقه، بحيث كان ينزل أفكاره وآراؤه إلى مستوى المسائل الّتي يمكن أن يطرحها الشخص العادي على الإمام.

تعامل الإمام مع مختلف العلوم والفنون حتّى أنّه ترك في كثير منها مؤلفات قيمة، وفي الوقت ذاته، كان مطلعاً على معظم الأحداث السياسية في العالم. والأهم من ذلك، كان يمتلك قلباً يشع بالنور الإلهي بحيث غالباً ما كان قادراً على معرفة ثبات الأفراد بالتدقيق في سيمائهم ولحن كلامهم.(من مقابلة مع سماحة الشيخ السبحاني)

الشهيد آية الله السيد حسن المدرس (ره) : شجاعته وصلابة مواقفه السياسية

دخل معترك العمل السياسي بجدارة وبقي ركناً للشعب والإسلام، يقارع الاستبداد والدكتاتورية التي كان يمثلها "رضا خان" وكان من نوادر وأفذاذ تاريخ إيران السياسي.

وشخصيته جمعت بين التقوى والعلم والبساطة من جهة، والقدرة على قراءة المستقبل والوضع السياسي من جهة ثانية.

وأما شجاعته، فإنه كان لا يخاف شيئاً، ويقول كلمة الحق ويعمل كل ما بوسعه لتحقيقها. يقول السيد محسن الأمين في ترجمة حياته: "كان عالماً، فاضلاً، جريئاً، شجاعاً، مقداماً، حتى إنه لشدة شجاعته نسب إلى التهور"!

 ولقد كان السيد، الرجل المناسب لتلك المرحلة، ولولا هذه الشجاعة والإقدام، لما استطاع الصمود أمام دكتاتورية "رضا خان" التي كان الجميع يخافها.

ومن جملة مواقفه الشجاعة والجريئة أنه طلب اسيتضاح حكومة القائد العام "رضا خان"، وفي اليوم المقرر حضر "رضا خان" إلى المجلس، وقبل انعقاد المجلس وقف لكي يشاهد ويستمع إلى مرتزقته وهم يهتفون وسط الناس: "الموت للمدرس" و"يعيش رضا خان"! وفي هذه الأثناء وصل السيد المدرس، وعند دخوله المجلس استقبله المرتزقة بشعاراتهم، إلا انه ركز عصاه في الأرض واستمر بالمسير أمامهم، ولم يأبه بهم. وعندما صعد الدرجات الأولى أمام المبنى، التفت إلى الناس الواقفين وقال لهم: يجب أن تقولوا "يعيش المدرس" فأحدث بقوة كلامه وهيبته، حالة جعلت الجميع يهتفون "يعيش المدرس"، بعد ذلك توجه إلى الناس ثانية، وقال الآن اهتفوا: "الموت لرضا خان" هنا صار الناس أكثر انجذاباً للسيد، فأخذوا يهتفون بموت عدوه! وبعد هذا الانتصار، أكمل السيد صعود الدرجات الباقية، ووصل إلى الشرفة التي كان فيها "رضا خان" واقفاً يشاهد الواقعة، وأخذ السيد بتلابيب "رضا خان" ثم التفت إلى الناس وصاح بهم: "قولوا الموت لرضا خان مئة مرة" و"يعيش المدرس مئة مرة" فهاج الناس لشجاعته واخذوا يهتفون بذلك. فاغتاض "رضا خان" بشدة وأراد الوقيعة بالسيد المدرس، إلا أن عدداً من أعضاء المجلس تدخلوا لصالح السيد وحالوا دون ذلك.

كان السيد المدرس (رحمه الله) مثالاً للقائد الذي يريد إنقاذ مجتمع يعاني القهر والحرمان، ودولة تعاني من السيطرة الأجنبية، وقد كانت في المدرس ثلاث خصال، لم تكن في السياسيين الذين عاصرهم، هي: الزهد والشجاعة والصراحة.

السيّد الشّهيد حسن المدرّس.. بعين الإمام الخميني (رض)

يقول الامام (ره) : جميعكم مطّلعون على تاريخ المرحوم مدرّس، فهذا السيد الضعيف جسدياً. نعم، أقول هذا السيد الذي كان يرتدي الزهيد من الملابس، حتى إنّ أحد الشعراء هجاه لزهد ملابسه، وقف أمام شخص متجبر مثل رضا شاه، والذي أدرك زمن الأخير، يعلم جيداً أنه غير [ابنه‏] محمد رضا شاه .

لقد كان رضا شاه متجبراً بمكان لم يشهد مثله تاريخنا الكثير من أمثاله، لكن الشهيد مدرّس وقف بوجهه في المجلس (البرلمان) وفي خارجه، حتى وصل الأمر برضا شاه لأن يقول: ماذا تريد مني يا سيّد؟ وردّ عليه مدرّس: أريد أن لا تكون، أن لا تبقى على قيد الحياة!

وقد دخل عليه يوماً الحاكم، وعندما أقول الحاكم، قد لا تتصورون ماذا كان يعني الحاكم حينها، قال له مدرِّس: معالي الحاكم، سوف أضع الماء أنا في النرجيلة، على أن تجمر لي الفحم أنت، أو أن نتبادل العمل. كان يستصغرهم بهذا الأسلوب لكي لا يطمعوا فيه، فعندما يتصرّف مع الحاكم بهذا الشّكل، ويقول له تعال وجمّر الفحم، في حين كان الجميع يعظّمون الحاكم وينحنون أمامه، ويستصغره بهذا النّحو، كان يقطع الطريق أمام أي طلب للحاكم منه أو الطمع في موقفه .

 لأنه كان متّقياً، لم تضلّله أهواؤه (اتخذ إلهه هواه) لقد كان إلهه الله عزّ وجلّ. لم يكن يعمل ويتصرّف ليحصل على الجاه والمنصب أو ما شابه ذلك، كان يعمل في سبيل الله

والذي يعمل من أجل الله، ستكون حياته بهذا الشّكل، فلم يكن يتوقّع أن يواجه ما هو أسوأ من الوضع الذي يعيش فيه. فلماذا لا يقوم بمثل هذه الأعمال، وهو لا يخاف أحداً ؟

وعندما دخل رضا شاه البرلمان، وكان جلاوزته ينادون ويهتفون: يعيش فلان ويعيش فلان، قام مدرِّس ووقف أمامه وقال له: الموت لفلان وأعيش أنا! جيد، هل تدركون ماذا يعني الوقوف أمام ذلك الشخص؟! لكنّه وقف. هذا لأنه كان متحرّراً من أهواء النفس، كان متّقياً، ولم يكن يدين لأحد.( من كتاب "صحيفة الإمام" (ترجمة عربية)، ج‏16، ص: 346 )

وقال عنه الإمام (رض) في ذكرى استشهاده: "رضا خان كان يخاف من المدرس، بريطانيا كانت تخاف من المدرس، الاستعمار كان يخاف من المدرس… المدرس حي مادام التاريخ حيّاً".

الشهيد السيد مجتبى نواب صفوي(ره): صلابته واخلاصه في خدمة الاسلام

 يقول الشهيد نواب صفوي (ره): "أعتقد أنا واخواني أنّ أرخص شيء عندنا في الحياة هي أرواحنا، ونحن نعتقد أنّنا لا نتمكّن من خدمة الإسلام إلاّ بإعطاء أرواحنا ودماءنا في هذا الطريق المقدّس".  كلام يظهر مدى استعداده لبذل الغالي والنفيس لخدمة دين الله تعالى وابتغاء وجهه الكريم وهو بالفعل بذل جهوداً جبارة في الجهاد والنضال والتضحية لأجل عزة الإسلام والمسلمين. وأسس جمعية أطلق عليها "جمعية فدائيي الإسلام" ونشر أفكاره ذات العلاقة بالحكومة والسياسة في قالب كتاب حمل عنوان "المجتمع والحكومة الإسلامية .

عن ماهية الهدف الرئيسي لمنظمة "فدائيو الإسلام" قال: "إنّنا نعتقد بوجوب نشر العقيدة الإسلامية الصحيحة في كل العالم، ونعتقد بوجوب تطبيق القانون الإسلامي، ونعتقد أنّ التعاليم الإسلامية هي وحدها قادرة على إنقاذ البشرية من الحروب والجرائم، وفي سبيل هذه العقيدة بدأنا العمل لكي نجعل من إيران قدوة للعالم المتحضر".

والشهيد نواب كان من الأشخاص الذين لم يتركوا حب الجاه والجلال والمال والمنال الدنيوي ينفذ إلى وجودهم الطاهر، فقد أخلصوا حبهم لله ولأوليائه الكرام. لذلك لم يتمكن أحد من خداعه بمظاهر الدنيا الخادعة. كان الشهيد نواب المصداق الحقيقي لكلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام الذي وصف فيه الرجال الأتقياء: "عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم"

لم يلوث نواب طبعه المنيع وهو عالم الدين الواقعي، بالحرص على الدنيا والطمع فيها، فكان كالقمة الشاهقة العالية يترفع عن كل حاجة للغير. كان حراً متواضعاً، حافظ على تواضعه وأخلاقه الحسنة وطبعه المتعالي وعزة نفسه.

جاءه إمام الجمعة موفداً من الشاه، وقال له: الشاه يقدم لكم اقتراحات ثلاثة

1 العمل في أحد الدول الإسلامية كسفير لإيران.

2 تقديم منزل لكم، تجلسون فيه ويصلكم شهرياً عشرة آلاف تومان.

3 التعاون مع الشاه لتأسيس حزب إسلامي يدفع الشاه كل تكاليفه.

أما الشهيد نواب الذي تعلم دروس الغيرة والشهامة والتحرر من مولاه أمير المؤمنين عليه السلام أظهر غضبه ورفضه لهذه الاقتراحات وقرأ فيها رسائل التزوير والرياء. لذلك خاطب إمام الجمعة بحزم بالغ: ألا تخجل من أن تدعوني إلى بلاط معاوية؟

حمل إمام الجمعة الهدية وأسرع بالخروج. وقبل ذلك كان الشاه قد اقترح على الشهيد نواب رئاسة الحضرة الرضوية فرفض روضة الأبرار، ج2، ص652

عندما اعتقل  في المرة الأخيرة، جاءوا به مكبل اليدين، كان وجهه متبسماً نورانياً على رغم التعذيب الذي تعرض له.. تحدث مخاطباً ذاك الجندي الذي أحضره مكبل اليدين: لو أردت الصلح مع ذاك الرجيل، محمد رضا، لم يكن مكاني هنا. إلاّ أننا لا نُخدع بمظاهر الدنيا. ثم قضى شهيدا رحمه الله.


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=1036
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 09 / 16
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 12 / 3