• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : مقالات .
                    • الموضوع : حال المؤمن في الدنيا .

حال المؤمن في الدنيا

 حال المؤمن في الدنيا

 "إِنمَا مَثَلُ مَنْ خَبَرٍ الدُّنْيَا كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ، نَبَا بِهِمْ مَنْزِلٌ جَدِيبٌ، فأَمُّوا مَنْزِلاً خَصِيباً وَجَنَاباً مَرِيعاً، فَاحْتَمَلُوا وَعْثَاءَ الطَّرِيقِ، وَفِرَاقَ الصَّدِيقِ، وَخُشُونَةَ السَّفَرِ، وَجُشُوبَةَ الْمَطْعَمِ، لِيَأتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ، وَمَنْزِلَ قَرَارِهِمْ، فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْءٍ مِنْ ذلِكَ أَلَماً، وَلاَ يَرَوْنَ نَفَقَةً مَغْرَماً، وَلاَ شَيْءَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِمَّا قَرَّبَهُمْ مِنْ مَنْزِلِهِمْ، وَأَدْنَاهُمْ مِنْ مَحَلِّهِمْ. وَمَثَلُ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا بِمَنْزِلٍ خَصِيبٍ، فَنَبا بِهِمْ إِلَى مَنْزِلٍ جَدِيب، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِمْ وَلاَ أَفْظَعَ عِنْدَهُمْ مِنْ مُفَارَقَةِ مَا كَانُوا فيِهِ، إِلَى مَا يَهْجُمُونَ عَلَيْهِ، وَيَصِيرُونَ إِلَيْهِ".

وتشبيه حال الإنسان في هذه الدنيا بالمسافر، ورد في العديد من الروايات:

فعن الإمام علي عليه السلام: "إن الله سبحانه قد جعل الدنيا لما بعدها، وابتلى فيها أهلها، ليعلم أيهم أحسن عملا، ولسنا للدنيا خلقنا، ولا بالسعي فيها أمرنا".

وعن الإمام علي عليه السلام: "هؤلاء أنبياء الله وأصفياؤه تنزهوا عن الدنيا... ثم اقتص الصالحون آثارهم... وأنزلوا الدنيا من أنفسهم كالميتة التي لا يحل لأحد أن يشبع منها إلا في حال الضرورة إليها، وأكلوا منها بقدر ما أبقى لهم النفس وأمسك الروح، وجعلوها بمنزلة الجيفة التي اشتد نتنها، فكل من مر بها أمسك على فيه، فهم يتبلغون بأدنى البلاغ....

ولذا يصف الإمام حال المؤمن بالتالي:

1- "احتملوا وعثاء الطريق"

الدنيا محفوفة بالمخاطر والمصاعب، وهذه المخاطر ليست هي خصوص المخاطر المادية أو الابتلاءات الجسدية، بل من أعظم هذه المخاطر هو الاغترار بهذه الدنيا، فهي تزين نفسها للناس، وتدعوهم إليها، وترغبهم بها، وأشدهم مقاومة لها هو الذي ينتصر عليها، وأعظم تشبيه ورد في وصف صعوبة هذه الدنيا، هو وصفها بالسجن، ففي رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "الدنيا لا تصفو لمؤمن، كيف وهي سجنه وبلاؤه".

وعن الإمام الكاظم عليه السلام: "مثل الدنيا مثل ماء البحر، كلما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتى يقتله"3.

وعن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: "الجنة محفوفة بالمكاره والصبر، فمن صبر على المكاره في الدنيا دخل الجنة، وجهنم محفوفة باللذات والشهوات، فمن أعطى نفسه لذتها وشهوتها دخل النار".

2- وفراق الصديق.

عن أمير المؤمنين عليه السلام: "أيها الناس لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله، فإن الناس قد اجتمعوا على مائدة شبعها قصير، وجوعها طويل".

3- وخشونة السفر

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "كن في الدنيا كأنك غريب، أو كأنك عابر سبيل، وعد نفسك في أصحاب القبور".

وعن الإمام علي عليه السلام قال: "إن الدنيا دار خبال ووبال، وزوال وانتقال، لا تساوي لذاتها تنغيصها، ولا تفي سعودها بنحوسها، ولا يقوم صعودها بهبوطها"7.

4ـ "وجشوبة المطعم"

الطعام الجشب هو الطعام الغليظ الذي لا تميل إليه النفس ولا ترغب به. ولكن هذه الأمور لا تحتل الأولوية أمام أهدافه الحقيقية، وبالتالي فهو يصبر على تركها إذا وقفت عائقاً أمامه لتحصيل رضا الله

عن الإمام الصادق عليه السلام: "ليس شيء أضر لقلب المؤمن من كثرة الأكل، وهي مورثة لشيئين: قسوة القلب، وهيجان الشهوة"

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إياكم والبطنة، فإنها مفسدة للبدن ومورثة للسقم ومكسلة عن العبادة".

 

5ـ رضا النفس عند المؤمن

فالمؤمن لا يتحمل كل هذه الصعاب والمشقات وهو مكره عليها، بل يؤديها وهو شاكر لله عز وجل وراض بما يقوم به، لأنه لا يشعر بالألم ولا بالخسارة في فعل كل ما يقربه إلى مقصوده الأساسي: "صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة. تجارة مربحة يسرها لهم ربهم. أرادتهم الدنيا فلم يريدوها. وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها".

حال الكافر المغتّر بهذه الدنيا

"ومثل من اغتر بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب فنبا بهم إلى منزل جديب"

إنها صورة معاكسة لحال المؤمن، فالدنيا هي جنة الكافر، فهو يرى نفسه في سفر ولكنه في سفر من النعيم إلى الجحيم. وهذا ما يفسره لنا كراهة الموت لدى هذا الإنسان، وعن لإمام الحسن عليه السلام: "أعظم سرور يرد على المؤمنين إذ نقلوا عن دار النكد إلى نعيم الأبد، وأعظم ثبور يرد على الكافرين إذ نقلوا عن جنتهم إلى نار لا تبيد ولا تنفد".

"فليس شيء أكره إليهم ولا أفظع عندهم من مفارقة ما كانوا فيه إلى ما يهجمون عليه ويصيرون إليه".

يقول عليه السلام: "للمؤمن كنزع ثياب وسخة قملة، وفك قيود وأغلال ثقيلة، والاستبدال بأفخر الثياب وأطيبها روائح، وأوطئ المراكب، وآنس المنازل، وللكافر كخلع ثياب فاخرة، والنقل عن منازل أنيسة، والاستبدال بأوسخ الثياب وأخشنها، وأوحش المنازل، وأعظم العذاب".

 


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=668
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2016 / 07 / 28
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 10 / 16