• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : مقالات .
                    • الموضوع : الرفق واللين كظاهرة عامة في الحياة وفي التقنين .

الرفق واللين كظاهرة عامة في الحياة وفي التقنين

 الرفق واللين كظاهرة عامة في الحياة وفي التقنين

قال الله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) آل عمران: آية 159

اللين مغاير للضعف:

إذ اللين منشؤه الحكمة أما الضعف فمنشؤه العجز، واللين مدعاة للإكبار والإعجاب من القادر القوي العزيز لكن الضعف مدعاة للرثاء إن لم يكن مجلبة للاستحقار

 اللين يقابل الفظاظة، وله حكمه

 وقد تكون الفظاظة محرمة لجهة ذاتية أو عرضية ككونها موجبة لانفضاض الناس عن الدين واقتحامهم في المحرمات نتيجة الشدة في التعامل معهم والقسوة والغلظة

وفي المقابل قد يكن اللين واجباً وقد يكون محبذا مستحباً ممدوحاً فانه على درجات ومراتب وله أنواع وأصناف إضافة إلى أنه قد يقع طريقاً ومقدمة للواجب.

اللين والشدة ضدان لهما ثالث

وذلك نظير الاحترام والإهانة وقد يتعامل معه بشكل عادي تماماً بلا احترام وبدون إهانة

وربما عدّ اللين مرادفاً للرفق، والرفق يقابله الخُرق، والخرق فُسِّر بالحمق والجهل، ونضيف: أن الخرق هو الطيش والدخول في الأمور من غير روّية وحكمة وبدون لطف في التعامل بل بشدة وقسوة وخشونة وعنف.

والمطلوب في كل الحقول وكافة المستويات هو اللين لا عدم العنف فقط

 

لكل شيء قفل وقفل الإيمان الرفق

عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) "إِنَّ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ قُفْلًا وَ قُفْلُ الْإِيمَانِ الرِّفْقُ"

كما أن الجواهر الثمينة تحفظ في صناديق عليها أقفال تحفظها من عبث الأطفال أو أيدي السراق، كذلك الإيمان وهو أثمن شيء فانه يحفظ ويصان بقفلٍ هو الرفق

والسبب واضح فان العنف والشدة والخرق والقسوة إن لم تكن بأنفسها مصاديق للمحرمات، كالضرب والجرح بغير وجه حق، فانها تستدعي، في سلسلة حلقاتها المتتالية، سلسلة من ردود الفعل العنيفة  و تستبطن سيلاً من أنواع الغيبة والتهمة والنميمة والعدوان والافتراء بل وكثيراً ما البطش والعنف بأنواعه المختلفة، عكس الرفق الذي يحافظ على الأعصاب من الانفلات وعلى القوة الغضبية من الانفجار والذي تكون نتيجته الطبيعية تكريس أواصر المحبة والإخاء والتي هي بدورها تلغي، جوهرياً، مبررات التهمة والغيبة والقسوة أو الضرب والجرح وغير ذلك

 

ماذا يعني الرفق يُمن وبركة؟

عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "الرِّفْقُ يُمْنٌ وَالْخُرْقُ شُؤْمٌ

واليُمن يعني البركة والبركة لها معاني أو تجليات ثلاثة

الأولى: الاستمرار والديمومة والامتداد في عمق الزمن والمراد: الكم المتصل غير القار

الثانية: التجذر والترسخ والعمق كالشجرة التي أصلها ثابت عكس النباتات التي لا جذور عميقة لها فتقلع بكل سهولة

الثالثة: الكثرة الكمية

والرفق يستبطن البركة بمعانيها الثلاثة فان الإنسان إذا ربّى أولاده أو طلابه بكل رفق وحب ومودة على الصلاة والصيام وعلى العدل والإحسان وعلى الخدمة والبذل والعطاء  

فإن حب الصلاة والصيام والعدل والإحسان والخدمة والعطاء سيتجذر فيهم ويتحول إلى ملكة راسخة لا يمكن اقتلاعها عنهم بسهولة، عكس ما إذا ساقهم إلى ذلك بالعنف والشدة فان تلك الصفات لا تتعدى أن تكون فيهم حالة (لا ملكة) طارئة  

وكذلك الديمومة في الأعمال الصالحة والصفات، والاستمرارية       

 من تربى بلطف ورفق وقناعة على تلك الملكات  فانه سينطلق بقوة أكبر للإنتاج أكثر فأكثر عكس من انبعث عن ضغط فانه سينتج بمقدار ارتفاع منسوب الضغط لا غير.

ولذلك  قال تعالى: (كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) إبراهيم: آية 24-25  دون الكلمة الخشنة القاسية العنيفة

 

الرفق أجمل خلائق الله

ورد في الكافي: "عن الإمام الباقر (ع) عن رسول الله (ص) قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) لَوْ كَانَ الرِّفْقُ خَلْقاً يُرَى مَا كَانَ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ شَيْ‏ءٌ أَحْسَنَ مِنْهُ"(

 نعم جعل الله تعالى أسبابه بأيدينا لذلك كان اختيارياً باختيارية أسبابه، إضافة إلى أنها ليست عللاً تامة بل هي مقتضيات للأفعال فلا يتوهم الجبر أبدا.

الأحب إلى الله هو الأرفق بصاحبه

 عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): مَا اصْطَحَبَ اثْنَانِ إِلَّا كَانَ أَعْظَمُهُمَا أَجْراً وَأَحَبُّهُمَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَرْفَقَهُمَا بِصَاحِبِهِ"

 ولم يقل أن الأعظم أجراً والأحب إلى الله تعالى هو الأكثر صلاة أو صياماً  

 إن الله رفيق يحب كل رفيق بالناس

  "عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُعْطِي الثَّوَابَ وَيُحِبُّ كُلَّ رَفِيقٍ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ

فأولاً: أنه تعالى رفيق يرفق بالناس ويلطف بهم في الدنيا والآخرة

وثانياً: أن من لطفه ورفقه بهم أنه يعطي الثواب ويهبه ويمنحه؛ إذ اننا لا نستحق عليه تعالى شيئاً من الثواب حتى لو عبدناه أبد الدهر  مع أن كل ما نملك من أدوات الشكر (من قلب وعقل ويد ولسان وغير ذلك)  إنما هو لطف منه تعالى وعطاء  

ثالثاً: أنه تعالى "يُحِبُّ كُلَّ رَفِيقٍ" فإذا أحببت أن يحبك الله فكن رفيقاً بالناس ليّناً هشاً بشاً  رابعاً: كما أنه "يُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ" فلو فرض أن للعنف فوائد  فان اضراره أكثر بكثير من منافعه، وغاية الأمر أن يكون العنف كالخمر والقمار يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا البقرة  219

ثم لو فرض أن العنف بقدرٍ ما كان جائزاً، كما لو اقتضت ضرورات التربية ذلك بأن يصرخ المعلم على الطفل أو يضربه ضرباً خفيفاً لا يُولّد حتى الحمرة وإلا كانت عليه الدية وبشرط أن بكون ذلك بإذن وليه ووالده، لو فرض جواز ذلك فانه ومع ذلك فان الرفق به أولى فإن الله سيعطيه مع الرفق أكثر مما يعطي على العنف

 

 


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=751
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2017 / 09 / 05
  • تاريخ الطباعة : 2017 / 11 / 23