• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : مقالات .
                    • الموضوع : يوم غدير خم يوم اكمال الدين واتمام النعمة .

يوم غدير خم يوم اكمال الدين واتمام النعمة

 يوم غدير خم يوم اكمال الدين واتمام النعمة

بحث روائي  حول الآية  الثالثة من سورة المائدة

وهي قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً

و قد وردت روايات كثيرة جدا متواترة- نصّا و معنى- عن العامّة و الخاصّة أنّ المراد من هذه الآية الشريفة هو يوم الغدير الّذي نصّب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عليا عليه السّلام بالولاية، و قد ضبط أكثرها مع التحقيق في أسانيدها و كونها ثقات غير واحد من علماء الفريقين، و كتبوا في ذلك كتبا كثيرة جدا.

فعن ابن شهر آشوب في كتاب المناقب قال: «سمعت أبا المعالي الجويني- إمام الحرمين و أستاذ الغزالي- يتعجّب و يقول: شاهدت مجلدا ببغداد في يدي صحاف، فيه روايات هذا الخبر مكتوبا عليه المجلد الثامن و العشرون من طرق قوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه» و يتلوه المجلد التاسع و العشرون»، و قد ذكر الكتب بأسمائها و سرد أحوال مؤلّفيها السيد مير حامد صاحب كتاب عبقات الأنوار، و تبعه الشيخ الأميني في كتابه الغدير و غيرهما (رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين).

و من العجب أنّه لم تنل فريضة من فرائض اللّه تعالى بمثل هذه الأهميّة بالوحي، و الضبط، و التأكيد، و الإشهاد كفريضة الولاية، و لم تجحد و لم تنكر كمثل هذه الفريضة في الشريعة المحمديّة الغراء، و مع ذلك كلّه فالحقّ واضح و الشمس ساطعة، فعن مولانا الصادق عليه السّلام أنّ حقوق الناس تعطى بشهادة شاهدين، و ما اعطي أمير المؤمنين بشهادة عشرة آلاف أنفس، يعني: يوم غدير خم، إن هذا إلّا الضلال عن الحقّ المبين، قال تعالى: فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ* كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ‏.

و في الدرّ المنثور عن أبي سعيد الخدري قال: «لما نصّب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عليا عليه السّلام يوم غدير خم فنادى له بالولاية و هبط جبرئيل عليه بهذه الآية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏.

أقول: بعد ما سبق أنّ الروايات الواردة في تفسير هذه الآية الشريفة متواترة و متّفقة المعنى، لا يجدي رمي الحديث بضعف السند بعد التواتر و صراحة الدلالة.

كما فعله بعض المفسّرين، و لم يذكر وجه الضعف في هذا السند و أمثاله.

بل إنّ الروايات الدالّة على أنّ المراد من اليوم يوم عرفة لم تكن نقية السند؛ لأنّ فيها سمرة و هو معلوم الحال، و معاوية بن أبي سفيان، و على فرض الصحّة، فلا يبعد أن تكون الآية المباركة نزلت في يوم عرفة، و لكنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله أخّر إعلان الولاية الى يوم الغدير بوحي من السماء و لمصالح كثيرة كما يأتي، و أنّه صلّى اللّه عليه و آله تلا الآية الشريفة مقارنة مع التبليغ في يوم الغدير، و يدلّ على ذلك تهنئة الخليفة الثاني لعلي عليه السّلام في يوم غدير خم مع قوله: إنّها نزلت في يوم عرفة كما في بعض الروايات.

فعن المناقب لابن المغازلي يرفعه إلى أبي هريرة قال: «من صام يوم ثمانية عشر من ذي الحجّة كتب اللّه له صيام ستين شهرا، و هو يوم غدير خم، بها أخذ النبي صلّى اللّه عليه    و آله بيعة علي بن أبي طالب، و قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه، و انصر من نصره، فقال له عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يا ابن‏ أبي طالب، أصبحت مولاي و مولى كلّ مؤمن و مؤمنة، فأنزل اللّه تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏».

أقول: هذه الرواية صريحة في ما قلناه و ظاهرة في أنّ الآية الشريفة نزلت في يوم غدير خم و غير قابلة للتأويل.

و في تأريخ بغداد للخطيب البغدادي روى بسنده عن أبي هريرة قال: «من صام يوم ثماني عشرة من ذي الحجّة كتب له صيام ستين شهرا، و هو يوم غدير خم لما أخذ النبي صلّى اللّه عليه و آله بيد علي بن أبي طالب عليه السّلام فقال: أ لست ولي المؤمنين؟! قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه. فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي و مولى كلّ مسلم، فأنزل اللّه تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي‏».

أقول: الرواية ذكرها الخطيب في ترجمة حبشون الّذي نقل الرواية، و روى قريبا منها السّبيعي في تفسيره، و ابن عساكر في تاريخ دمشق في ترجمة أمير المؤمنين علي عليه السّلام.

و في شواهد التنزيل بإسناده عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «بينما نحن مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في الطواف إذ قال: أ فيكم علي بن أبي طالب؟ قلنا: نعم يا رسول اللّه، فقرّبه النبي صلّى اللّه عليه و آله فضرب على منكبيه و قال: طوباك يا علي، أنزلت عليّ في وقتي هذا آية ذكري و إيّاك فيها سواء: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً».

أقول: لا منافاة في أنّ الآية المباركة نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قبل يوم الغدير بأيام و علم بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و جمع آخرون، و لكن أخّر صلّى اللّه عليه و آله إعلانها الى يوم الغدير حتّى نصّب عليا بالولاية كما تقدّم، و يدلّ على ذلك ما رواه فرات بن إبراهيم الكوفي، قال: حدّثني علي بن أحمد بن خلف الشيباني، عن عبد اللّه بن علي ابن المتوكل، عن بشر بن غياث، عن سليمان بن العمر العامري، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «بينما النبي صلّى اللّه عليه و آله بمكّة أيّام الموسم‏

إذ التفت الى علي فقال: هنيئا لك يا أبا الحسن! إنّ اللّه قد أنزل عليّ آية محكمة غير متشابهة، ذكري و إيّاك فيها سواء الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏ الآية».

أقول: الظاهر تعدّد الواقعة، و تدلّ على ما ذكرنا روايات اخرى.

و في شواهد التنزيل للحافظ الحسكاني بإسناده عن أبي سعيد الخدري:

«انّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لما نزلت عليه‏ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً قال: اللّه أكبر على إكمال الدين و إتمام النعمة، و رضا الربّ برسالتي و ولاية علي بن أبي طالب، ثمّ قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله».

أقول: و في رواية اخرى عن أبي سعيد الخدري أيضا: «انّ النبي دعا الناس الى علي فأخذ بضبعيه فرفعهما ثمّ لم يفترقا حتّى نزلت الآية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي‏»، فمن سياقهما يستفاد أنّ الآية المباركة نزلت في يوم غدير خم، و تقدّم في التفسير معنى إكمال الدين و إتمام النعمة عليه.

و في تفسير علي بن إبراهيم بسنده الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «آخر فريضة أنزلها (اللّه) الولاية، ثمّ لم ينزل بعدها فريضة، ثمّ أنزل‏ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏ بكراع الغميم، فأقامها رسول اللّه بالجحفة فلم تنزل بعدها فريضة».

أقول: كراع الغميم واد بالحجاز بينه و بين المدينة نحو من مائة و سبعين ميلا، و بينه و بين مكّة نحو ثلاثين، و هذه الرواية تقرب ما ذكرناه من أنّه لا تنافي بين أن تكون فريضة الولاية نزلت في مكّة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أو في عرفة، و اخّر إعلامها حتّى وصل الى كراع الغميم الّذي هو في طريق الجحفة، فنزلت الآية المباركة عليه و نصّب عليا عليه السّلام في الجحفة لأهمّيّة الأمر؛ لأنّ الإسلام كالمادة للولاية، و لا قوام للمادة إلّا بالصورة، و لا صورة إلّا بالمادة، و قد ورد مضمون ذلك في روايات كثيرة.

و في أمالي الشيخ بإسناده عن محمد بن جعفر بن محمد، عن أبيه أبي عبد اللّه عليه السّلام، عن علي عليه السّلام قال: «سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: بناء الإسلام على خمس‏ خصال: على الشهادتين، و القرينتين، قيل له: أما الشهادتان فقد عرفناهما، فما القرينتان؟ قال: الصلاة، و الزكاة، فإنّه لا تقبل إحداهما إلّا بالأخرى، و الصيام و حجّ بيت اللّه من استطاع إليه سبيلا، و ختم ذلك بالولاية، فأنزل اللّه عزّ و جلّ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً».

أقول: الروايات الواردة بهذا المعنى من أنّ الإسلام بني على الخمس كما في الرواية فوق حدّ التواتر- لو صحّ التعبير- و قد جعل لها صاحب الوسائل بابا في مقدّمة العبادة من كتابه الشريف، و السرّ في هذا الاهتمام من قبل الشرع للولاية فإنّها كالحياة لأصول التكاليف و الشعائر الّتي قوام الدين بها، و هي بدونها مجرّد هيكل و قصب، و لم يتمحض في القلب حتّى تكون بها الحركة و السير الى اللّه تعالى

_ من مواهب الرحمن في تفسير القرآن    ج‏10   337 _ 333

 


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=756
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2017 / 09 / 05
  • تاريخ الطباعة : 2017 / 12 / 15