• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .
              • القسم الفرعي : فكر .
                    • الموضوع : عالم السياسة .
                          • رقم العدد : العدد الواحد والثلاثون .

عالم السياسة

 عالم السياسة

الشيخ علي سليم سليم

منذ فجر التاريخ امتهن الإنسان العمل السياسي في تنظيم شؤونه الحياتية التي تخدم مصالحه وتطلعاته وتوسيع نفوذه للسيطرة على مصادر الطبيعة وثرواتها وتوظيفها بما يعود عليه بالنفع والرفاه.

كان هذا التوجه النابع من حاجته كعامل ناظم في معاشه بدائياً لم يصبح متبلوراً بشكله الحاضر، حيث أصبح أساساً في علاقات الدول فيما بينها، وصار لها مدارس واتجاهات متعددة بعد أن كانت خالية من القواعد التي تطورت من خلال مراكمة التجارب في إدارة الشأن العام ومواجهة التحديات ومجريات الأحداث. حتى أصبحت اليوم بوسائلها وطرائقها وتوخي نتائجها من أهم الأهداف لدى ساسة العالم.

أعتمدت الامبراطوريات عبر التاريخ الغابر سياسة المعارك والحروب بهدف السيطرة وبسط النفوذ على أوسع الرقع الجغرافية الغنية بمصادر الطاقة ومقومات العيش.

والتجارب والأحداث التي مرت بها البشرية كانت محط اهتمام الحكام بغية الاستفادة منها وأخذ العبر، فقد كان معاوية ابن أبي سفيان صاحب الملك العضوض ـ العسف والظلم ـ يقرأ تاريخ الماضين بقصد الإفادة منه في سبيل توطيد سلطانه.

كيف تدار السياسات؟

في العالم مراكز أبحاث للدراسات الاستراتيجية وتخطيط تصب في مصلحة المشاريع المنوي تنفيذها من قبل مراكز القرار في الدول المهيمنة في العالم. وعلى رأسها الرأسمالية المتوحشة القائمة سياساتها على شن الحروب والقتل وتدمير بلدان بأكملها.

ولا تجد حرجاً في ذلك ما دام هذا يحقق لها التفوق اقتصادياً من خلال السيطرة على الثروات الطبيعية، من منابع النفط والغاز والماء ومواد الخام ما يمنحها الهيمنة المطلقة على بلدان العالم التي يجب أن تبقى تابعة في كل شيء.

تجار السياسة:

لا يقتصر المتاجرون بالسياسة على مجال دون آخر، ولا يقف الأمر عند حد، إلا إذا ما تجاوز الحدود المرسومة، كما أن هذا الصنف من التجار، لا يقتصر وجوده على البعد المحلي، بل يتعداه إلى المستوى الأقليمي والدولي، فهو عابر للحدود.. وأكثر بيئة خصبة لهم، حيث تكون الأنظمة الفاسدة رائجة ومقبلة، عندما تؤخذ مطالب الناس الحياتية وحاجياتهم ذريعة للتلطي بها، حيث هي عدة الشغل وقاعدة انطلاق للأهداف المرسومة.

في ألف باء السياسة يعني فهم الناس لمن يتصدى للشأن العام هذا، الانتهازية والاستغلال واللعب بمصائر الشعوب والكذب عليها وسرقة أموالها تحت عناوين كثيرة.. إلا أنه لا يعني أن كل من اشتغل بالسياسة ودخل عالمها هو بالضرورة من هذا الصنف، هناك الكثيرون ممن خدموا أوطانهم وشعوبهم بصدق، خصوصاً في البلدان التي يحترم فيها الانسان وحقه في الحياة الكريمة، ولكنهم بالطبع قليلون.

كما أن سياسات الدول الباحثة عن إنفاذ مصالحها المتعددة وأهمها: فرض الإرادات من خلال ميزان القوة المتمثل في مشاريع الاحتكار لكل أسباب الرفاه الاقتصادي للشعوب الأخرى، وعدم السماح بالإخلال به حفاظاً على هيمنتها وسؤددها. ففي أي خطوة تطمح الدول للنهوض تواجه بالقمع تارة وممارسة الضغوط المتنوعة تارة أخرى أو بما يتعارف عليه بـ سياسة العصا والجزرة، أي الترغيب والترهيب، وما يمارس في الخفاء أعظم، وهنا يأتي دور أجهزة الاستخبارات العالمية وهو عامل أساسي في استكشاف مكامن الضعف والقوة، بأنشطة لا تخطر على بال البشر، ليس فيها مراعاة لأية حرمات إنسانية، ولا يكشف النقاب عنها، وتبقى سرية لفداحة وفضائحية أنشطتها التي يسرب بعض تقاريرها إلى العلن لسبب أو لآخر تقتضيه السياسة أيضاً، وليكتشف الناس فيما بعد زيف الشعارات العلنية الداعية للحريات وحقوق الإنسان وما إلى ذلك من شعارات، والواقع هو سحق كل القيم الإنسانية تحت أقدام مصالح المستكبرين.

السياسة والصراع على السلطة:

في أحد مستويات الصراع على السلطة ما يكون بين طبقات تسعى كل منها لإحراز السيطرة السياسية واستخدامها كأداة لتحقيق منافعها على حساب منافع الطبقات والجماعات الأخرى، كما أنه يحصل كذلك بين بعض المواطنين القابضين على زمام السلطة وبين مواطنين آخرين يخضعون لهذه السلطة ويعملون على معارضتها أو مقاومتها.

كما أن للعناصر الاجتماعية والاقتصادية دوراً مهم في الصراعات السياسية، فمنذ أقدم العصور حتى أيامنا هذه تميزت جميع المجتمعات الانسانية بالعوز أو الندرة، أي بكون الخبرات المتوافرة أقل من الحاجات التي تجب تلبيتها، كان العوز يولد التفاوت، فبعض الطبقات أو الفئات تستطيع أن تنال كل ما ترغب فيه ويتمتعون بامتيازات، بينما تعاني طبقات أخرى أو فئات أخرى حرماناً ما يقل أو يزداد وبين هؤلاء يولد التفاوت.

كما أن التقدم التكنولوجي لا يزيل الصراعات، وإنما هو يقلل الاحساس بها حيث يعمل على انقاص الصراعات السياسية بوجه عام. وأن المقارنة بين المجتمعات المتقدمة والمجتمعات النامية خير دليل على ما نقول، ففي المجتمعات المتقدمة تخف المشاعر الثورية حتى تكاد تختفي إرادة تدمير النظام القائم تدميراً كاملاً وتنمو التعارضات في إطار هذا النظام القائم لا ضده.

أما المجتمعات النامية، فإنها في حالة انفجارية تولد فيها الصراعات المتوترة أنواعاً من العنف، كما أن للمؤسسات الثقافية وللعقائد دوراً في الصراعات السياسية([1]).

إلى هنا يكون اتضح الأمر في تشكل الارهاصات الأولية، في نظرة المجتمع المدني، للنظم الحاكمة، التي تتمظهر في سلوكيات وأداء الدور والموجبات اتجاه المواطنين، فإما أن تفي السياسات بوعودها في تقديم ما يطمح إليه المواطنون من الآمال والعيش الكريم اللائق والأمن والرفاهية، فيصح اطلاق وصف "المكلف" عليه، لأنه يشعر حينذاك بأن السياسات القائمة قد قامت بمسؤولياتها تجاه مواطنيها، وإما يشعر بالغبن والاستخفاف بالحقوق، كما في بلادنا وفي سائر البلدان التي تحكمها طبقات سياسية، لا تعير اهتماماً للحقوق، وليس لها من هم سوى نهب المال العام عبر الصفقات والسمسرات.

ومن أبشع أنواع السياسات في العالم اليوم هي السياسة الرأسمالية بزعامة الولايات المتحدة الاميركية وهي قائمة من خلال مناوراتها على الخداع وتزييف الحقائق والتزوير وامتصاص دماء الشعوب ونهب خيراتهم على قاعدة: "الغاية تبرر الوسيلة"، وهي الأساس الذي تبنى عليه المناورات السياسية عندهم.. فقصد غايات غير الغايات التي تظهر من القيام بالعمل، فتعمل على اخفاء الأهداف الحقيقية، فالولايات المتحدة تناور عملياً في أفكار الديمقراطية والحرية والمساواة وفصل الدين عن الحياة، وسائر الأفكار الرأسمالية البحتة، وهي أفكار حقوق الإنسان، والارهاب، والمعارضة، والتعددية، والحوار، والتحرير، والنظام العالمي الجديد، وغيرها من الأفكار..

والأفكار الرأسمالية وغيرها، من زاوية فكرية، لها مدلولات وغايات محددة إلا أن المبدأ الرأسمالي أباح التضليل الفكري والثقافي لشعوب العالم، والقوة المؤثرة فيها بهدف تسخيرها لمصلحته ومصلحة من يقوم عليه، عن طريق التلاعب بمدلولات وأهداف الافكار عملياً.

ولهذا تقوم الولايات المتحدة بأعمال الضغط والابتزاز والاستغلال وإشعال الحرائق ونصب الفخاخ تحت ستار هذه الأفكار العفنة، سواء من ناحية فكرية أم عملية، فالفكر الذي يبنى عليه، هو فكر قاتل للإنسان لأنه يراد منه إحكام السيطرة على العالم وعلى شعوبه ليتمكنوا من سحقهم واستغلال طاقاتهم وثرواتهم، وليمعنوا في إذلالهم لجعلهم يتلمسون حقيقة أنهم عبيد لهم.. وهم كما بات معلوماً يستغلون المؤسسات الدولية والإقليمية من أجل تحقيق مصالحهم التي لا تعرف الشبع ولا تفهم منطق القناعة، فهم على استعداد لتبديد وحرق كميات كبيرة من السلع حرصاً على رفع الأسعار، ولو كان الكثير من البشر في حالة حرمان وجوع وفقر..

وتحت العناوين البراقة الخادعة والمناداة بالشعارات الإنسانية، يتلاعبون من خلال السيطرة على الاعلام في صياغة الرأي العام وتشكيله فكرياً وعملياً لخدمة مصالحهم الخبيثة والأنانية..([2])

قلنا إن السياسة هي فن من فنون الإدارة لها قواعدها وأساليبها في إدارة مختلف شؤون الحياة.. ولكن من الصعب جداً أن تدرك مراد الخصوم في عالم السياسة، لأن المعتمد هو قاعدة أساسية في ميادينها وهي لعبة المناورة، التي تستلزم نوعاً من الحنكة بل والخداع في مجالات كثيرة، فالسياسي يعمل على إيجاد المخارج، فلا يطوق نفسه بالقيود، وعلى ابقاء الجسور ولو بحدودها الدنيا، مفتوحة ذلك لأنه في السياسة، لا صداقات دائمة ولا عداوات، بل مصالح دائمة.

عرفت السياسة بأنها "علم فن الحكم، أو هي العلم الذي يهتم بشكل وتنظيم وإدارة دولة ما، فضلاً عن اهتمامه بترتيب علاقات الدولة بالدول الأخرى، ومن ثم فهناك سياسة خاصة بكل دولة من الدول تقريباً، فهذه دولة سياستها امبريالية وهناك سياسة قومية، وتلك سياسة داخلية، وأخرى خارجية وهذه سياسة شيوعية وهكذا"([3])

وللرأي العام تحديد الموقف من سياسة السلطة، والرأي العام هذا يتكون بفعل العوامل الحضارية والاجتماعية والثقافية، ومن أهم العوامل المؤثرة فيه: الدعاية بكل وسائلها ـ الإشاعات بأنواعها ـ السلطة والنفوذ الحكومي ورأس المال ـ التعليم ومستوى الوعي ـ المناقشة والمحادثات الشخصية.

فالصحافة تؤثر في الرأي العام بواسطة الأخبار والرسوم والمقالات والتعليقات التي تنشرها، وللإذاعة كذلك تأثير في الرأي العام يفوق تأثير الصحافة، كما أن الكلمة المرئية والمسموعة في آن هي أكثر وقعاً من الكلمة المسموعة([4])

كما أن لقادة الرأي التأثير في مجتمعاتهم إيجاباً وسلباً في حث الناس على معارضة القوانين غير العادلة، أو على اتخاذ موقف معين، بعضهم صادقون ومبدئيون، هدفهم النهوض بمجتمعاتهم بما يخدم المصلحة الوطنية، وبعضهم الآخر يعملون وفق الارتباط بأجندات خارجية، فهم مجموعة من المأجورين المرتزقة، وهم كثر عندنا وللأسف.

وهؤلاء يعتبرون جنوداً في ركب المشاريع التي يراد التمهيد لها من خلال الترويج عبر الوسائل الاعلامية بكافة أشكالها... وأعطي مثالاً لذلك: التحريض على المقاومة.

ويتقاطع هؤلاء بصورة فاقعة وفاضحة مع أهداف العدو، في العمل على تشتيت المفاهيم والقيم الثقافية والوطنية في محاولة منهم للتأثير على الرأي العام أو استهداف بيئة بعينها.. لكن بمعظمها تفشل نتيجة الالتفاف والاحتضان للمقاومة، حيث إنها غالباً محصنة من طرح الشبهات، والخداع والاكاذيب التي لا تنطلي على الكثيرين المتابعين والمطالعين.. الأمر الذي يمكنهم من التقييم والوعي في ما يطرح. ومع هذا يصر هذا الاتجاه على ممارسة التعمية والتضليل.

التضليل السياسي:

سياسة التضليل طريقة متبعة بطرق ممنهجة ومدروسة ومحددة الغايات، الهدف منها صرف الناس بل حرفهم عن الحقائق من خلال بث الشائعات وإلقاء الشبهات حول ما يحدث.

ففي معركة صفين عندما استشهد الصحابي عمار بن ياسر في المعركة، حصل هرج ومرج في صفوف فريق معاوية المحارب للإمام علي عليه السلام، ذلك أن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حقه مشهور ومعروف لدى الناس فقام الداهية عمرو بن العاص وقال عن قوله(ص): "يا عمار ستقتلك الفئة الباغية" أن علياً هو من قتله، لأنه هو من جاء به، فهو الفئة الباغية!! مثل هذه المغالطات التي تنطلي على بعض الفئات، لا تزال تستخدم وتترك أثرها في النفوس وتالياً تستقطب تحشيد المتأثرين بفعل الشائعات والمغالطات في خدمة مشاريع هذه السياسات.. وبالتالي يكون هؤلاء وقوداً لها.

ومن هذه النماذج في عصرنا أن الدمار الذي أحدثه العدوان الإسرائيلي على لبنان سببه المقاومة، لأنها هي التي استفزت العدو فقرر الحرب!! وأن الحرب المدمرة يتحمل مسؤوليتها "حزب الله".

حتى أن الصحافة العربية السائدة مصرة على أن حزب الله هزم في حرب تموز، أي أن العدو الذي شكل لجان تحقيق وعقد المؤتمرات لبحث أسباب هزيمته وإذلاله في حرب تموز لا يعلم بمصلحته وواقعه كما يعلم أعوانه في الإعلام العربي.. والإصرار على أن المقاومة تُهزم هي من باب دعوات الصلح مع العدو في إعلام الخليج، صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية تقرر أن الحرب بين حزب الله و"النصرة" في جرود عرسال لم تكن في صالح حزب الله أبداً.

في السابع من كانون الثاني من عام 1967، أي قبل خمسة أشهر من الهزيمة عقد وصفي التل رئيس وزراء الأردن مؤتمراً صحافياً كان جل ما ورد فيه أن عبد الناصر هو خائن، لأنه لا يخوض الحرب ضد إسرائيل "وهكذا نرى أن الحرب مع إسرائيل بالنسبة إلى عبد الناصر قد انتهت برغم كل الشعارات والتهجمات.. إن عبد الناصر ألقى سلاحه إلى سلاح الكلام..."!!

لا خلاص للمقاومة بنظر أعدائها، لو هزمت فهي مهزومة، ولو انتصرت فهي مسؤولة عن دمار الحرب.. والذي يعيرون حزب الله اليوم لأنه بنظرهم لا يحارب إسرائيل (مع أنه يردعها كما لم ترتدع منذ عام 1948، وهذا إنجاز عظيم بحد ذاته، ولا يعود لطائرات ال "سيسنا" لرش المبيدات) سيعيرون حزب الله لو أنه اختار أن يشن الحرب اليوم على إسرائيل، وسيعيرون الحزب لو انتصر كما لو أنه انهزم، فعند هؤلاء الحل الوحيد هو الاستسلام الساداتي الشامل والكامل.([5])

التوظيف السياسي:

أغلب السياسات في العالم تعمل على استثمار الأحداث والمواقف من أجل تجييرها في ما يخدم توجهاتها ومصالحها.. صحيح أنه ليس كل عمل سياسي كذلك، لكنه هو الغالب.. فلا يتورع أرباب السياسة عن الاستغلال والتوظيف لأي حدث حتى لو كان مستوى الاستفادة منه عملاً دنيئاً ويسيء للقيم الإنسانية، فلا ضير عندهم ما دام يخدم المشروع! ولا مكان للأخلاق، ولا للعواطف ولا للمبادئ في الأداء السياسي، فالكذب ونقض العهود والالتزام والانقلاب على الذات سيد الموقف، والتآمر والارتهان للخارج ومشاريعه الواضحة الأهداف، القاضية على الحس الوطني السيادي، حتى لو أدعي خلاف ذلك، وما أكثر الأمثلة عليه.

من يقول إن التكفيريين صناعة أميركية فهو غير مصيب، إلا أن يقصد توظيف هذه الجماعات مخابراتياً. ذلك لأن هذا الفكر له جذوره في التاريخ من تراث منطقتنا وعالمنا الإسلامي، وهو أمر لا ينكره من بحث في أحداث التاريخ وبحث عمن حكم بإسم الإسلام.

وحتى لهذه النماذج المتوحشة، تجد من يراهن عليها والإفادة منها في السياسة الانتهازية وتحين الفرص في استغلال أي حدث إذا أمكن الاستفادة منه لتوظيفه في خدمة المشروع السياسي الخاص والذي يتيح لأصحابه وضع اليد على إدارة السلطة بشكل فاعل، وإن أمكن إقصاء كل من يمكن إقصاؤه والتفرد بالحكم، وبطبيعة الحال تحدد الأولويات وفق استراتيجية معينة..

في ميادين السياسة ينهزم فريق وينتصر آخر والرابح دائماً صاحب الحسابات الصحيحة والقراءات الدقيقة للمناخات العامة في الاجواء الدولية. خصوصاً عند فهم أن الدول الكبرى لا تفرط بمصالحها الاساسية.. فالولايات المتحدة الاميركية لا تفرط بقاعدتها العسكرية في المنطقة "إسرائيل" وروسيا لا تفرط بسوريا وهي متنفسها، مهما غلت الأثمان. والكل يعمل على اساس تحصيل مكتسبات سياسية وأوراق قوة تستخدم في أوانها عند الاستحقاقات الكثيرة..

الإعلام والسياسة:

يؤدي الإعلام دوراً أساسياً وحساساً في عملية التضليل وحرف الأمور عن مواضعها والأحداث عن مسارها. ويبرع الإعلام الغربي، ولا سيما الأميركي، في تأطير الأحزاب والشعوب والدول والثقافات وتصنيفها حسب ما تفرضه وجهة السياسة الأميركية، يقولب كل شيء بطريقة مختزلة في أغلب الأحيان، يعممها ويكررها فتصبح حقيقة ثابتة للمتلقين، حزب الله مثلاً، منذ تحرير عام 2000، هو "الميليشيا الشيعية المسلحة المتطرفة المدعومة من إيران" التي نسب إليها الإعلام الأميركي أدواراً واتهامات خرجت عن حدود المعايير المهنية أحياناً .. بقي حزب الله "ميليشيا" في عيون الغرب "يهدد وجود الدولة اللبنانية واللبنانيين" عند كل استحقاق وعقب أي تحرك، حتى لو كان على شكل تظاهرة شعبية سلمية في إحدى ساحات بيروت! مع معرفتهم، إنه ولا مرة نافس الدولة أو هدد وجودها، بل على العكس تماماً.

خلال عدوان تموز 2006، وبعد انتصار المقاومة الشعبية والمسلحة، بات حزب الله" الميليشيا حسب التوصيف في الإعلام الغربي التي تملك صواريخ متطورة" والتي "جرت اللبنانيين إلى حرب دامية مكلفة مع إسرائيل أدت إلى تدمير لبنان" اعترف بعض الاعلام الأميركي حينها بقوة حزب الله العسكرية بهدف الاشارة فقط إلى حجم "التهديد والخطر الذي يشكله الحزب على إسرائيل" ثم جاءت الحرب السورية، فضاق إطار التصنيف أكثر، وضع حزب الله في الخانة المذهبية: "حزب الله الشيعي يدعم النظام السوري العلوي بمواجهة معارضة سنية".([6]) وبالمناسبة يغيب عن بعض الجهابذة من الساسة اللبنانيين جهلاً منهم أو من باب الكيدية السياسية عندما يصفون المقاومة بـ "الميليشيا" أن اتفاقية هدنة 1948 تتحدث عن الجيش النظامي وما يشبهه من كلا الطرفين، أي في الكيان الغاصب في فلسطين مع عصاباته من الهاغانا والشتيرن و....

فقد ورد في اتفاقية الهدنة بين لبنان وإسرائيل 1949 (ترجمة عن النص الإنكليزي) في الفقرة الثانية من المادة الثالثة: "لا يجوز لأية فئة من القوات البرية أو البحرية أو الجوية، العسكرية أو شبه العسكرية، التابعة لأي من الفريقين، بما في ذلك القوات غير النظامية أن ترتكب أي عمل حربي..." وكذلك ورد في المادة السادسة: القوات المسلحة النظامية أو غير النظامية.."([7]) التي تماثل وضع المقاومة بحساب اليوم، حيث كانت هذه القوى بقيادة الشهيد معروف سعد مشمولة بترتيبات الهدنة، وليست عبئاً عليها، كما يريد البعض أن يصور...([8])

سياسة التهويل:

ترتكز هذه السياسة بجزء أساسي منها على الحرب النفسية بهدف التأثير السلبي على جبهة العدو، وعلى الروح المعنوية وكسر إرادته وتحطيم عزيمته بشتى الأساليب والتفنن في إبتكارها، ومادتها ليست كذباً خالصاً، بل ممزوجة ببعض الحقيقة حتى تنطلي على البسطاء من الناس، أو من لا يعلمون بخفايا الأمور.. وزمن استخدامها له حساسيته الخاصة لأنه غالباً ما يكون في أوقات الشدائد والمحن والخوف والمآسي التي تخلفها الحروب.. فربما ينساق الكثيرون من الناس لتصديقها بتأثير من الخوف والقلق على المصير.. وهذا ما تستغله الجهات المعادية بتوظيفه لمصلحتها.

ومن أمثلة ذلك ما تقوم به الدول والجهات من ممارسات الضغوط واستغلال الأحداث، وسوق الاتهامات وفرض العقوبات وانتهاج سياسة حافة الهاوية استنفاداً لكل الفرص واستغلال كل لحظة طمعاً في تعديل الموازين لمصلحتها أو لتحسين شروطها والحصول على الغاية المنشودة.

والسياسي المخلص لمبادئه الإنسانية ووفياً لأبناء جلدته حين تصديه للشأن العام، لا يكون ولا يسعه غير أن يكون صادقاً في أدائه نزيهاً في مسلكياته، خادماً لشعبه ومن انتدبه لتيسيير شؤونه. قد أفنى عمره في تقديم المصلحة القومية أو الوطنية.. ولكن، أين تجد أمثال هؤلاء، فهل باتوا من الندرة بمكان! نعم، ولكن لا تعدم السياسة من أمثال هؤلاء الذين قاموا بإنجازات خدمت أوطانهم، فخلد التاريخ أساميهم، بأكف نظيفة وأيادي بيضاء لا يتنكر لها إلا حانق متعصب.

 



[1] د. محمد منذر: علم السياسة: ص308 و 311

[2] المناورات السياسية: عبد الهادي محمود: مقالة.

[3] د. محمد منذر: علم السياسة ص 27

[4] م. ن: 238

[5] تعظيم الهزيمة وتقزيم النصر بين 1967 و 2006، أسعد أبو خليل. الاخبار العدد: 3243

[6] إعلام الغرب يكتشف حزب الله الجديد" صباح أيوب. الأخبار: العدد: 3245

[7] اتفاقية هدنة عامة بين لبنان وإسرائيل 1949: مؤسس الدراسات الفلسطينية.

[8] حروب كبيرة في شرق أوسط صغير: ناصر قنديل ص 136


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=775
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2017 / 12 / 25
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 12 / 12