• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .
              • القسم الفرعي : مقالات .
                    • الموضوع : إشكالية مفهوم الدولة ونظام الحكم في الاسلام .
                          • رقم العدد : العدد الثالث والثلاثون .

إشكالية مفهوم الدولة ونظام الحكم في الاسلام

 

إشكالية مفهوم الدولة ونظام الحكم في الاسلام

الشيخ علي سليم سليم

إستكمالاً لما تطرقنا إليه في المقالة السابقة ـ المعارضة في الإسلام ـ وتحديداً في ظل حكومة المعصوم عليه السلام وتصديه للشأن العام في المجتمعات الاسلامية، كيف تعامل الخليفة المبايع مع من عارضه؟

شهد التاريخ الإنساني نظماً عديدة من أنظمة الحكم منذ أن عرفت البشرية آليات وتنظيم شؤونها وحاجياتها ومتطلباتها وتطلعاتها وآمالها وصولاً إلى نظم الإسلام السياسي والحركي في حاضرنا مروراً بكل أشكال السلطات التي سادت ثم بادت، وحملت معها كل إرثها المثقل بالويلات والمآسي والحروب وانتهاك الحقوق الإنسانية، الفردية منها والاجتماعية، من الحريات العام، وحق الإنسان بالعيش الكريم اللائق والآمن، ولا نعني بذلك الإرث إنه سلبي مطلق، بل فيه بعض الإيجابيات ولكن الغالب فيه أنه كان إستلاباً لحق الإنسان وكرامته.

ولا تزال رواسب بل ومنطلقات ما نشهده في عصرنا الحاضر منه امتداداً لفكر من حكم وتسلط على رقاب العباد منذ تلك المرحلة

بويع الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام بالخلافة في عام 35 هـ في المدينة المنورة، وحكم قرابة خمس سنوات، وصفت بعدم الاستقرار السياسي لكنها تميزت بتقدم حضاري ملموس خاصة في عاصمة الخلافة الجديدة الكوفة، ووقعت خلالها الكثير من المعارك والحروب المتتالية، بعضها افتعل لأسباب سياسية تخبئ في نفوس أصحابها الحقد والضغينة على الإمام عليه السلام.

وبسبب سياسة الإمام عليه السلام الهادفة إلى بسط العدل ورفضه المطلق لإبقاء الولاة الفاسدين في مناصبهم بأية حال، واسترجاع كل الأموال التي اقتطعها عثمان لأقاربه من بيت المال. بدأت المحن والفتنة الكبرى بعد مقتل عثمان بن عفان، ما أدى إلى تشتت صف المسلمين وانقسامهم لشيعة علي الخليفة الشرعي، وشيعة عثمان المطالبين بدمه، على رأسهم معاوية بن أبي سفيان الذي قاتله في صفين، وعائشة بنت أبي بكر ومعها طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام الذين قاتلوه يوم الجمل، كما خرج على طاعة الإمام جماعة عرفوا بالخوارج، وهزمهم في وقعة النهروان، وظهرت جماعات تعاديه وتتبرأ منه، ومن حكمه وسياسته سموا بالنواصب ولعل أبرزهم الخوارج، واستشهد على يد عبد الرحمن بن ملجم المرادي سنة 40هـ ـ 661م.

وعلى الرغم من أن علياً عليه السلام لم يقم بأي فتوحات طوال فترة حكمه وإنشغاله بالحروب والفتن من الناكثين والقاسطين والمارقين، إلا أنها اتصفت بالكثير من المنجزات المدنية والحضارية، منها: تنظيم الشرطة، وإنشاء مراكز متخصصة لخدمة العامة كدار المظالم ومربد الضوال وبناء السجون، كما ازدهرت الكوفة في عهده وبنيت فيها مدارس الفقه والنحو، وقد أمر الإمام عليه السلام أبا الأسود الدؤلي بتشكيل حروف القرآن الكريم لأول مرة، ويعتقد بعض لباحثين أنه أول من سك الدرهم الإسلامي الخالص.

وهو القائل عليه السلام: "فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً([1])

وإذ قبل الحكم ضناً منه على الإسلام وأهله، كان مستعداً لحمل الإرث الثقيل يقول ابن الأثير: "إن زهده وعدله لا يمكن استقصاؤهما، وماذا يقول القائل في عدل خليفة يجد في مال جاءه من أصفهان رغيفاً فيقسمه أجزاء كما قسّم المال،  وساوى بين الناس في العطاء وكان يأخذ كأحدهم"([2])

لقد أظهر الإمام عليه السلام أسس عدالته في حكمه حتى مع من خاصمه وعاداه ليكون القاعدة والمبدأ في المعاملة.

 

المبدأ هو الأساس:

"... إن من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس أن يظن بهم حب الفخر ويوضع أمرهم على الكبر، وقد كرهتُ أن يكون جال في ظنكم أني أحب الاطراء واستماع الثناء، ولست بحمد الله كذلك.. فلا تكلموني بما تُكّلمُ به الجبابرة ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي، ولا التماس إعظام لنفسي، فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه، فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل..."([3])

مواقف الإمام عليه السلام ثابتة، سواء كان في الحكم أو خارجه، وكيف يتغير من أراد أن يخط لنا طريقاً سوياً ومنهاجاً قويماً يبقى أبد الدهر حجة علينا معارضة كنا أو حكاماً، كيف تصرف مع الطرف الآخر، فاسحاً المجال أمامه لإبداء رأيه ومناقشة أفكاره أو نقدها بصورة لاذعة.

وكيف تصرف مع من كان يسبه ومنع من التعرض له حتى لرؤساء الجيش المنهزم في حرب الجمل المختبئين بين النساء.

إنه عليه السلام يريد أن يعطينا صورة واقعية عن الحاكم المسلم وحق الطرف الآخر في معارضته ومحاسبته، وأن الآراء والأفكار يجب أن تطرح في ساحة الحوار والمناقشة لبيان السقيم منها أو السليم، لأن الحاكم الحق، لا المتسلط على الرقاب سيحكم على العقول والقلوب فيربي ويعلم ويهذب، ويمنح الناس الأمل والحرية والرفاه.

وعندما كان في السلطة عمل على تركيز هذا المنهاج وتثبيته وذهب إلى أبعد من ذلك عندما عفا وصفح عن الناكثين للبيعة والخارجين عن الطاعة والتزام العهود والمواثيق والقوانين.

وعندما أقصى عن الحكم طيلة خمس وعشرين عاماً، رغم أحقيته وامتلاكه كل ما يلزم من الكفاءة والمؤهلات فلم يمنعه أو لم يكن يوماً غير ملتزم بأخلاقيات المعارضة، يراقب الأوضاع عن كثب، غضبه لم يخرجه يوماً عن الحق، كما لم يدخله رضاه في باطل. فنصح بصدق، وقاطع بحزم، ووقف أمام حملات التزييف ودعاة التحريف بشدة، ليس حباً في جاه أو طمعاً في منصب، وإنما أراد أن يكون البديل الحضاري المتكامل الذي ستحن إليه أمته والأمم القادمة، بعد أن تفيق من غفوتها، وهكذا كان بعد اغتيال عثمان وإنثيال الناس عليه للمبايعة!

رحم الله صفي الدين الحلي عندما خاطب الإمام عليه السلام:

جمعت في صفاتك الأضداد              فلهذا عزت لك الأنداد

زاهد حاكم حليم شجاع                   فاتك ناسك فقير جواد

خلق يخجل النسيم من اللطف            وبأس يذوب منه الجماد

شيم ما جمعن في بشرٍ قط                  ولا حاز مثلهن العباد

يقول الأديب اللبناني الراحل جورج جرداق عن حرية المعارضة في زمن حكم الإمام علي عليه السلام: "وأبى البيعة قوم آخرون، فخلّى علي بينهم وبين ما أرادوا، شرط أن يعتزلوا الفتنة، فلا يسيئوا إلى إرادة السواد الأعظم"([4])

وعن ذلك يقول الإمام علي عليه السلام: "فمن بايع طائعاً قبلت منه ومن أبى تركته فأول من بايعني طلحة والزبير، ولو أبيا ما أكرهتهما كما لم أكره غيرهما...([5]) وكان من يرفض البيعة في زمن حكم الأمويين تضرب عنقه([6])، وكان ممن عارضه عليه السلام عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص والمغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة الأنصاري وغيرهم فلم يجبرهم على بيعته.([7])

ثمة من يتراءى في أذهانهم من الكتّاب المعاصرين في تبرير الطموح لمن خرج على حكم الإمام عليه السلام تحت عنوان المعارضة.. فراح يقرر مناهج لم يرتضها في أمكنة أخرى ما يدل على خروجه على الموضوعية بالكامل.

(لقد ألبستكم العافية من عدلي، وشاركتكم مكاره الدهر وكنت الأسوة لكم في جشوبة العيش، أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن ولِّيت عليه أوليس في العدل سعة؟)

إن قيمة العدالة كقيمة إنسانية أعمق من كونها علاقة بين الحاكم والمحكوم أو بين المسؤولين في الدولة وبين المواطنين لنيل حقوقهم كافة على أساسها، وهذا واجب وحق، وإن لم يتحقق..

لكن أين ذلك في زمن حكم الإمام عليه السلام وكان باستطاعته سد منافذ الظلم الاجتماعي والاقتصادي، ولكن الأمر يختلف إذا ظهرت حسيكة النفاق في النفوس، فما عساه أن يفعل؟ فهل يغير النفوس الضعاف وينتزعها من حضيض الأنا وحب السلطة والمال؟! فما هذا من السنن الإلهية لأن "وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون".

إن المشكلة في عهد الإمام علي عليه السلام لم تكن اجتماعية ولا اقتصادية إنما مشكلة نفسية بامتياز، متعلقة بأصحابها، فجعلتهم يزلون عن الحق ويذهبون المذاهب ويهريقون دماء آلاف المسلمين وما جروه من مآسي وويلات بسبب الانحراف الفكري والطموح السياسي غير المشروع.

ماذا يقال وفق التعابير السياسية في حاضرنا لمن جرى انتخابه من خلال المؤسسات الدستورية المعمول بها والمتسالم عليها، أليس يقال: الرئيس الفعلي والشرعي، مع أنه في صلب عقيدتنا أن الرئيس هذا هو معين بالنص ولا حاجة لإجراء البيعة إلا لإلزام من بايع وقبل وتعهد من قبل نفسه، وإذ يخالف هل تقبل مخالفته حسب أي قانون من القوانين السياسية؟؟

إذن لماذا الإصرار على مخالفة المنطق وبداهة الأمور ووضوحها؟! وواضح خلفياته السياسية التي تهدف برأيي لتبرير المنهاج السياسي المتبع لدى الأمويين.

 

سياسة الإمام علي عليه السلام مع الخوارج:

أفرزت معركة صفين ظهور الخوارج الذين كانت صفاتهم التحجر والتمسك بالظواهر والتعصب والخشونة وعدم التمييز بين الحق والباطل وسرعة التأثير بالشائعات، يفتقرون إلى أدنى مستويات الوعي، ومع ذلك نرى الإمام عليه السلام حاورهم لردعهم عن فكرتهم وسعيهم للحرب وأرسل إليهم المبعوثين، فلم يجد فيهم إلا الفساد والجهل والتعنت والإصرار والتصايح "إن لا حكم إلا لله.."

لنرَ من هي هذه الجماعة التي افسح المجال أمامها لكي ترعوي عن غيها فما أرعوت!

لقد وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم هؤلاء فقال عنهم: "يخرج فيكم قوم تحقّرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية"([8])

لقد جاءت معالجة الإمام عليه السلام لأمر الخوارج بمثابة النموذج الأمثل والمثل الرائع للحكمة، والروية، والأناة والحزم، والمرونة، ثم هو التجسيد الدقيق للالتزام بحدود الله، والسياسة الربانية للعباد والبلاد.

وقد لخص عليه السلام موقفه من هؤلاء القوم، بعد أن ذكر أمر الحكمين بقوله: "..فانخذلت عنا فرقة منهم فتركناهم ما تركونا، أو قال: عذرناهم ـ وإن تكلموا حججناهم، وإن خرجوا علينا قاتلناهم"([9])

لقد أخلّوا بعهودهم، وعرضوا السلم الاجتماعي للأخطار، وقد اعتاد ومرن على سماع قولهم أنت كافر وقد كفرت، كما قال علي بن البطريق([10])، وإذا انحصر الأذى بشخصه ثم كظم غيظه مع قدرته على رد الحجر من حيث جاء، فذلك هو الصفح الجميل والعفو عن الذنب الذي دعا إليه الإسلام والقرآن، وهذه حاله عليه السلام مع هؤلاء القوم، الذين كانوا يؤذونه ويصفح عنهم، ويذنبون معه، ويعتدون عليه ويعفو ويتجاوز رفقاً بهم واستصلاحاً لهم.([11])

ثم إنه لم يمنع عنهم حقاً، قال عليه السلام: لهم علينا ثلاث: أن لا نمنعهم المساجد أن يذكروا الله فيها، وأن لا نمنعهم الفيء ما دامت أيديهم في أيدينا، وأن لا نقاتلهم حتى يقاتلونا.

لكنهم استباحوا الدماء والأعراض والأموال، ولم تنفع معهم كل المحاولات وبعث الرسل، فقال عليه السلام: "حتى إذا عاثوا في الأرض مفسدين وقتلوا المؤمنين أتيناهم فقلنا لهم: ادفعوا إلينا قتلة إخواننا، فقالوا: كلنا قتلهم، وكلنا استحللنا دماءهم ودماءكم.."

قال التلمساني: ثم اجتمعوا، وشقوا عصا المسلمين، ونصبوا راية الخلاف وسفكوا الدماء، وقطعوا السبل، وقتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت ذبحاً وبقروا بطن امرأته وهي حبلى، وقتلوا رسول أمير المؤمنين إليهم وهو الحارث بن مرة العبدي، وقتلوا ثلاث نسوة فيهن أم سنان وقد صحبت النبي صلى الله عليه وآله.

وقال عبد الله بن شداد لعائشة عن علي عليه السلام: "والله ما بعث إليهم حتى قطعوا الطريق، وسفكوا الدماء، وقتلوا ابن خباب، واستحلوا أهل الذمة، واعترضوا الناس، وأخذوا الأموال، والدواب والكراع، والسلاح، ودخلوا القرى، وساروا حتى انتهوا إلى النهروان. فلما لحقهم علي عليه السلام.. أقام أياماً يدعوهم، ويحتج عليهم، فأبوا أن يجيبوا، وتعبؤوا لقتاله، فعبأ الناس ثم خرج إليهم، فدعاهم فأبوا، وبدأوا بالقتال، فقاتلهم وقتلهم.([12])

حتى أنه عليه السلام بعد أن انتهى من حرب النهروان لم يغير سياسته هذه معهم، وقد أتى إليه برجل يرى رأي الخوارج فقال ما اصنع به؟ قالوا تقتله، قال: أقتل من لا يخرج عليّ؟! قالوا فتحبسه، فقال عليه السلام: وليست له جناية أحبسه عليها؟! خلوا سبيل الرجل.

لم يكن علي عليه السلام ذلك الرجل الذي يريد أن تكون له السلطة والهيمنة القاهرة التي تحبس على الناس أنفاسهم خوفاً ورعباً. بل هو يريد أن يحفظ الأمن، وأن يربي الناس، ويعلمهم ويهديهم سبيل الرشاد والسداد، وأن يحكم فيهم بحكم الله سبحانه، ويفقههم في الدين. إنه لا يريد أن يخاف الناس منه بل يريدهم أن يخافوا الله سبحانه، ولا يريد منهم مراعاة خواطره والتأقلم مع مزاجه، بل يريدهم أن يراعوا التوجيه الإلهي والحكم الشرعي، وأن يحفظوا دينهم وأنفسهم، ولأجل ذلك فهو لا يخشى على ضياع شيء احتفظ به لنفسه يخاف فقده، وليس في حياته نقطة ضعف يخشى اطلاع الناس عليها. إذن فلماذا لا يعطي الناس حرية الكلام، والجهر بما يضمرونه، والافصاح عما يفكرون به ويتصورونه؟!

وفي خطاب له عليه السلام يحاجج فيه الخارجين على القانون، يعني به الخوارج فيقول لهم: "فإن أبيتم أن تزعموا إلا أني أخطأت وضللت، فلم تضللون عامة أُمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بضلالي، وتأخذونهم بأخطائي وتكفرونهم بذنوبي، سيوفكم على عواتقكم تضعونها مواضع البرء والسقم وتخلطون من أذنب بما لم يذنب"([13])، فما أشبه من وصفهم الإمام عليه السلام بخوارج زماننا من الوهابية التكفيرية!

لقد كان الإمام علي عليه السلام يحكم بما أنزل الله، وكان يوصي عماله بالحكم بذلك، فكان يرى أن الحاكم مقيد بعدد من القيود الشرعية التي لا يمكنه التنكر لها مهما كانت الظروف.. بل إن فترة حكمه كلها كانت ظرفاً استثنائيا بمفهوم اليوم، وهي تبرر بشرائع اليوم اللجوء إلى صلاحيات ديكتاتورية، ولكن الإمام بقي محافظاً على التعاليم الإلهية ، فلم يحدث نفسه بخرقها، وهو الذي كان يقول: قد يرى الحوّل القُلّب وجه الحيلة ودونها أمر مانع من أمر الله ونهيه، فيتركها رأي العين بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين.([14])

الحاكم عندما يكون منصفاً وعادلاً تجاه المحكومين، الناس عنده سواء يتساوون أمام القانون، دون أي تمييز، هل يبقى حاجة للمعارضة أساساً، إلا من أراد تحت هذا العنوان أهدافاً لا علاقة لها بمصالح الناس، كما حصل هذا في زمن الإمام عليه السلام، وكما هو حال عالمنا اليوم القائم على التعطش للسلطة بأي ثمن!

ومن الغريب أن بعض الكتّاب الذي صوّر علياً عليه السلام بصورة أي حاكم ليس له من هدف سوى السلطة على غرار بقية الحكام حيث يقول: "إن علياً كان يجب أن يشتري من يستطيع شراءهم مستخدماً السلطة التي تحت يديه، وكان الواجب أن يستخدم المال استخداماً سياسياً وليس استخداماً دينياً، أي أن يكون رجل دولة، قضيته الأساسية الملحة هي السلطة وقهر أعدائه والاحتفاظ بها.."([15])

من الطبيعي أن هذا الذي يتحدث عنه بتلك الأوصاف ليس علياً عليه السلام وكأن السياسة ليست من الدين، ولا علاقة لها بالأخلاق والقيم الإنسانية!

إيران نموذجاً:

ليس من المبالغة في شيء إذا ما قلنا إن تجربة النظام الإسلامي في جمهورية إيران الإسلامية، اثبتت جدارتها وحضورها ونجاحها، دعك من السياسة، ومن الإعلام المضلل الذي يشوه ويقلب الحقائق، فإذا قارنا في مجال الحريات العامة بينها وبين بعض دول المنطقة، بتجرد وبطريقة علمية وواقعية وحيادية لوجدنا الفارق بشكل جلي.

واحدة من بين الدول المصنفة دولة "اعتدال" حتى لو استخدمت "المنشار" مع المعارضين!

وتبقى مملكة خير حتى لو أبادت كل أطفال اليمن!

بالمقابل في دولة تصنف من "دول الشر" يشارك في مؤسساتها أقوام وأعراق ولغات وديانات متعددة وفي جغرافيا مترامية الأطراف، ويعبرون عن آرائهم ويحتجون ويطالبون بتحسين أوضاعهم المعيشية وطموحات الشباب المستقبلية، وانتقاد سياسات حكومة بكل حرية تكفلها القوانين ويرعاها الدستور.

كلنا يذكر الأحداث التي حصلت في انتخابات سنة 2009 والتي رافقها أعمال عنف وتخريب ممتلكات خاصة وعامة، لا علاقة لها في أصل المشكلة موضوع الاحتجاج، واستغلت معظم الدول المعادية لإيران تلك الأحداث، وجندت طاقاتها الإعلامية دعماً وتحريضاً على الشغب وأعمال العنف، وتبنت مطالب الاحتجاجات المدعية تزوير الانتخابات، علماً لو أنه حصل مثل ذلك في أوروبا وفي كثير من دول العالم، وقد حصل ذلك، لعلت الأصوات إلى المعالجة ضمن أطر المؤسسات.

هناك معارضة في إيران تجاهر بالعداء للنظام، وهي موجودة وعلنية ولها أتباعها ومؤيدوها، ولها فروع في الخارج وتتلقى منه الدعم السياسي ـ على الأقل ـ ومع ذلك هي موجودة، ولو كانت في بعض بلدان الأقليم، لكان مصيرها حد السيف وقد حصل ذلك في الأمس القريب.

أذكر أنه من مدة زمنية وأظن أنه في العام الماضي حضر وفد علمائي من علماء أهل السنة من الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى مركز تجمع العلماء المسلمين في لبنان، وتحدث عن أوضاع أهل السنة في إيران، والعلاقة مع القيادة الإيرانية واصفاً إياها بالطبيعية جداً، وأنهم كمواطنين يتمتعون بكامل حقوق المواطنة، ولهم تمثيلهم في مؤسسات البلاد، ويمارسون حقوقهم الدينية وفق مذاهبهم دون أية مضايقات كما يشيع الإعلام الكاذب والموتور الذي يدّعي كذباً وزوراً بمنع بناء مساجد لهم! ففي كل المناطق التي يتواجدون فيها في جنوب شرق البلاد خاصة وفي شمال غربها لهم مساجد ومراكزهم الدينية يتعلمون علوم الشريعة ويتخرج منها علماء وفقهاء ويقومون بدورهم التبليغي والإرشادي بشكل طبيعي وبحرية تامة، وكل ما تسمعونه خلاف ذلك هو محض كذب..

بينما في العديد من دول الجوار، تهدم دور العبادة كما حصل في دويلة البحرين وشرق السعودية، حتى الكتب الخاصة بالمذهب الجعفري يمنع طباعتها وإدخالها إلى البلاد! علماً أن وزارة الثقافة الإيرانية كانت تقيم معارض للكتاب يشارك فيها دول عربية وإسلامية وغربية، لا يمنع فيها أي كتاب معتمد لدى أهل السنة، وكنت أحضر سنوياً في معرض الكتاب بطهران وأشاهد الكثيرين من علماء السنة يشترون الكتب الدينية الفقهية وغيرها الخاصة بهم بشكل طبيعي جداً..

وكنت أتساءل ولا أزال، لِمَ هذا الكذب والتحريض، والتفريق بين المسلمين، وما الداعي للإفتراء ومجانبة الحقيقة، هل هو من أجل التبرير للممارسات التعسفية المستمرة بحق من يخالفهم الرأي أو المذهب، أو لأجل بث الفرقة والكراهية والبغضاء بين المسلمين وزرع الشقاق لتوظيف كل ذلك في خدمة المشاريع السياسية التي باتت معروفة لدى كل الواعين في هذه الأمة، وواحدة من أهم ما يجب أن تعيه كل المجتمعات الإسلامية ونخبها بل وعامة الناس، ما يفعله حكام الأنظمة العربية وخيانتهم لأقدس قضايا المسلمين، أعني قضية فلسطين، والتبصر بحقيقة من يدعم هذه القضية، ومن يعمل على تصفيتها وبيعها بسوق النخاسة.



[1] نهج البلاغة الخطبة 164

[2] نقلاً عن أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين ج 1 ص 348، دار التعارف

[3] نهد البلاغة خطبة 216

[4] علي صوت العدالة الإنسانية جورج جرداق.

[5] الإمامة والسياسة: ابن قتيبة الدينوري ج 1 ص 134

[6] مروج الذهب للمسعودي ج 3 ص 170، والعقد الفريد لابن عبد ربه ج 5 ص 119، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 226

[7] د. محمد طي: الإمام علي عليه السلام ومشكلة نظام الحكم ص 134

[8] صحيح البخاري ص 6 ص 115

[9] السيد جعفر مرتضى ص 149 ـ 150، علي والخوارج ج 1 ص 149 ـ 150

[10] شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 470

[11] السيد جعفر مرتضى ص 150

[12] الفخري في الآداب السلطانية ص 94 والبداية والنهاية ج 7 ص 288، ومروج الذهب ج 2 ص 404، والكامل لابن الأثير ج 3 ص 342، وتهذيب تاريخ دمشق ج7 ص 305، ومسند أحمد ج 1 ص 86 نقلاً عن السيد جعفر مرتضى ص 153 و154

[13] د. محمد طي: الإمام علي عليه السلام ومشكلة نظام الحكم ص 110

[14] نفس المصدر.

[15] د. محمد طي: الإمام علي عليه السلام ومشكلة نظام الحكم ص 131


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=831
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2019 / 03 / 14
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 05 / 27