• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : فكر .
                    • الموضوع : محبة فاطمة صك الفكاك من النار .

محبة فاطمة صك الفكاك من النار

محبة فاطمة صك الفكاك من النار

جاء في كتاب في الفصول المهمة : (...قال طلع علينا رسول (صلى الله عليه وآله وسلم )  ذات يوم مبتسما ضاحكا ووجهه مشرق كدارة القمر , فقام اليه فلان فقال يارسول الله ماهذا النور ؟ قال : بشارة اتتني من ربي في أخي وبن عمي وبنتي فان الله زوَّج عليا من فاطمة وامر رضوان خازن الجنان فهز شجرة طوبى فحملت رقاقا - يعني صكاكا - بعدد محبي اهل البيت عليهم السلام وأنشأ تحتها ملائكة من النور ورفع الى كل ملك صكا فاذا استوت القيامة باهلها نادت الملائكة في الخلائق فلا يبقى محب لفاطمة الا دفعت اليه صكا فيه فكاكه من النار فصار اخي وأبن عمي وابني فكاك رقاب رجال ونساء امتي من النار

فأية عظمة هذه ؟!! امراة قدِّيسة بمجرد ان يحبها الانسان ( شرط ان يبقى الانسان على حبه لها ( عليها السلام ) الى لحظات الاحتضار والوفاة  فان ذلك ينقذه من نار جهنم ؟!! أي مقام هذا ؟

ان قسماً كبيراً منا رزقه الله حب أهل البيت من لحظة الولادة وقسم من الناس يهتدون بعد ذلك , والجميع على خير وهنيئا لهم, لكن كثيرا من الناس ( فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ )1  , لم ولن يهتدوا الى نعمة الله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ)2

 

 

ولكن يبرز هنا سؤالان هامّان يقضان مضاجع البعض

قد يتوهم بعض ضعاف الخبرة والمعرفة بالروايات من اهل العامة او الخاصة: ان هذه الرواية واشباهها فيها بعض الغلو؟ اذ لا يمكنهم ان يتصوروا ان مجرد حب فاطمة مدعاة الى الخلود في الجنة.

وقد يتوهم ان في ذلك اغراءا بالمعصية ؟

اجوبة عديدة على شبهة الغلو في الرواية

اما السؤال الاول فالجواب عنه : انه لا غلو في ذلك حتى عند العامة فقد رووا في روايات متواترة جوهر هذا الكلام: ان الحب سبب الدخول في الجنة.

1 المروي عند العامة: قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم )   انك مع من احببت.

فقد روي فيما يسمى بصحيح البخاري رواية عن رسول الله( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهي مروية في صحيح مسلم، وأيضا في سنن الترمذي، وفي سنن الدارمي، وفي سنن ابن ماجة، وفي مجمع الزوائد، وفي فتح الباري ( الذي صرح بأن رجاله ثقات) وفي صحيح ابن حبّان وفي العشرات من مصادرهم , والرواية متواترة بأعلى درجات التواتر عندهم كما أنها ثابتة عندنا ايضا من طرق عديدة

والرواية بنص البخاري: ( إن رجلا من أهل البادية أتى النبي( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقال: يارسول الله، متى الساعة قائمة ؟ قال: ويلك، ما أعددت لها؟[3] قال: ما أعددت لها إلا أني أحب الله ورسوله, قال: (إنك مع من أحببت) فقلنا ونحن كذلك ؟ قال ( نعم ) . ففرحنا يومئذ فرحا شديد) 4

والرواية صحيحة صريحة، من طرقهم.

ولم يقل له النبي( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن العمل هو الأساس للمعية والكون مع رسول الله( صلى الله عليه وآله وسلم ) ليوم الفزع الاكبر ثم لِجَنّةِ الله الواسعة[5]، ولم يقل الحب شيء هامشي أو جزء العلة، بل انه تمام العلّة .

نعم ان النبي( صلى الله عليه وآله وسلم ) أضاف أصحاب الكساء( عليهم السلام ) ، فظهر ان محبة الرسول( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعلي وفاطمة والحسن والحسين( عليهم السلام ) هي ملاك الجنة،

 

2_ ان الحديث على مقتضى القاعدة

فلا غلو في هذا الحديث ونظائره حتى على مبانيهم بل ان هذا الحديث هو على مقتضى القاعدة، فقد ورد متواترا : أن الله يرضى لرضى فاطمة ويغضب لغضبها، وانها صلوات الله عليها : سيدة نساء أهل الجنة .... في روايات ثابتة الفريقين من طرقهم، وفي صحاحهم، فمقتضى القاعدة ان يكون حبها الى جوار ابيها ملاك دخول الجنة

 

 

اجوبة على شبهة الاغراء بالجهل

اما السؤال الثاني وهو: هل في هذا إغراء بالجهل؟ واغراء بالمعصية؟

وجوه فجوابه من

1 _ ذلك تشجيع على الطاعة وليس اغراءاً بالمعصية

اولاً: ليس في ذلك اغراء بالمعصية. بل إن فيه تشجيعا على الطاعة؛ لأن الإنسان بطبعه خطاء , وقد عجن من خير وشر، هكذا هو الإنسان: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا )[6]. وذلك لانه ثبت في علم العقائد والكلام ان هناك اصنافاً ثلاثة: الانسان والملائكة والشياطين[7] اما الانسان فهو من ( امشاج )[8] وخليط من سجين وعليين

واما الملائكة فقد خلقوا من النور فيميلون بطبعهم إلى الطاعة ميلاً اختياريا ؛ فهم ليسوا مجبورين على التسبيح والتهليل والتحميد والعبادة، بل هم مختارون، لكن الملك لطبعه يميل الى الطاعة، مثلما نحن نميل بطبعنا للطيبات من الرزق ونكره الخبائث اذ نكره الخبائث[9] بطبعنا، لكننا لسنا مجبورين على تركها، لكن الشخص بالطبع يعافها

واما الشياطين فقد خلقوا من شيء آخر، وبطبعهم يميلون للمعصية من غير جبر

اما الإنسان فقد خلق قبضة من سجين واخرى من عليين.

 

فالانسان بطبعه كثيرا ما يخطئ، فلو اغلقت ابواب رحمة الله، بوجهه ولم ير طريقاً للعودة فانه سوف يلجأ الى المعصية اكثر واكثر.

 

2 _ النقض بالاستغفار

ثانياً:  وهو جواب نقضي -

ان مثل البشارة بحب اهل البيت( عليهم السلام ) هو مَثَل الاستغفار, فهل يقال: ان الاستغفار اغراء بالجهل؟! قال تعالى على لسانه نبيه نوح عليه السلام : ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [10]). فهل في هذا اغراء بالمعصية ؟!

ان الاستغفار باب عظيم من أبواب رحمة الله ، يفتح الأمل للعاصي , والكثير من الناس يعصون بسبب او آخر فإذا رأوا الأبواب اغلقت بوجوههم فانهم يتمادون في غيّهم , بخلاف ما لو رأى الانسان أن هناك رباً رؤوفاً، رحيماً، وان هناك شفعاء لو أحبهم فإنهم سيستنقذونه من النار، فعندئذ سيحرضه ذلك على الطاعة.

3_ الحل بأن المحبة تدعو الى التأسي والاقتداء

وثالثا: المحبة تجرّ للتأسي والاقتداء , حيث ثبت بالتجربة ان الاسوة والقدوة سواء الحسنة او المنحرفة مدعاة الى التاسي والاقتداء حتى أن بعض الشباب تجده عندما يحب نجما أو غيره من المنحرفين فإنه يتطبّع بطباعه طبيعيا، أما من يحب امير المؤمنين علي بن أبي طالب( عليه السلام )فإنه سيسعى لاشعوريا, وإن غلبه الهوى في بعض الأحيان، الى التاسي به صلوات الله وسلامه عليه ؛ لان جوهر ذلك الموالي جوهر الحب لهذا القدّيس وحب تلك القديسة الطاهرة, ولاشك ان حبهم والشوق اليهم يقود الى التعرف عليهم والتامل في سجاياهم واقوالهم وافعالهم ومن ثم الاقتداء بهم, فالمحبة تدعو إلى التأسي والاقتداء بلا ريب.

رابعاً: ليس في هذا الكلام إعطاء صك براءة من العقاب والعذاب ، وإنما هو صك براءة من الخلود في النار , فمن أحب فاطمة وعليا ورسول الله والحسنين صلوات الله عليهم أجمعين وثبت على محبته فهو الذي يعطى براة من الخلود في جهنم ولو أن الإنسان أحب وعصى فإنه في القبر يعذب بمقدار معصيته – لا سمح الله - ، او في يوم القيامة, وفي بعض الروايات ان بعض هؤلاء يعذبون في النار سبعين ألف سنة, ثم تستنقذه فاطمة صلوات الله وسلامه عليها من النار, تلتقطهم من النار كما يلتقط الطير الحب الجيد من الرديء.

5 المعاصي قد تسلب المحبة فيخلد في النار

خامساً: ان المعاصي كثيراً ما تسبب سلب هذا الحب،وقد راينا أن بعض الناس يرتدون، او يخرجون من المذهب، وينحرفون، إذن: ما الضمان ان هذا الحب سيبقى معك إلى لحظة قبض روحك كي ينقذك من النار؟

 ان المعصية الواحدة قد تجر إلى معصية ثانية فثالثة فرابعة فتسبب لا سمح الله سلب المحبة وسلب الإيمان، لان الايمان نوعان :الإيمان المستقر, والإيمان المستودع. كما فصَّلَتْه الروايات.

إذن: ليس في ذلك اغراء بالجهل ولا ايقاعاً في المعصية كما هو الحال في اسباب المغفرة الاخرى: مثل الاستغفار وكما هي الحالة في الشفاعة وكما هو الحال في الكثير من اسباب المغفرة الأخرى التي يقبل بها الفريقان. ومنها قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ): من صلى عليّ مرة لم تبق من ذنوبه ذرة 11.)

ان كل ذلك يشكل تشجيعاً على الطاعة, وهو يعني فيما يعني : ان الصفحة السابقة السوداء قد محيت، فعليك ايها المسلم المحب لله ورسوله واهل بيته ان تنتهز الفرصة لكي تبدأً الصعود نحو قمة الولاء والإيمان والطاعة من جديد

الرسول( صلى الله عليه وآله وسلم ): من صلى على فاطمة غفر الله له والحقه به في الجنة.

وهناك روايات اخرى كثيرة تدلّ على ذلك

فقد روى أمير المؤمنين( عليه السلام ) عن فاطمة الزهراء ( عليها السلام )قال: قالت فاطمة ( عليها السلام ): قال لي رسول الله( صلى الله عليه وآله وسلم ): يافاطمة، من صلى عليك غفر الله له، وألحقه بي حيث كنت من الجنة[12])


[1] - سورة محمد: اية8

 [2] - سورة ابراهيم: اية28

[3] - وكذلك البعض يسأل: متى ظهور الإمام؟ نقول: ان التوقيت ليس بأيدينا، لكن جوابه : انت ماذا فعلت؟ هل أعددت نفسك للظهور؟ هل أصلحت نفسك؟ وهل اتّقيت ربك ؟

 [4] - صحيح البخاري - (ج 5 / ص 2282) ح 5815

 [5] - اذ الكلام كان عن قيام الساعة وما اعدّ لها

 [6] - سورة الشمس :اية 7 - 8

 [7] - اما الجن فقد قال تعالى( عز وجل ) : ( وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ) - سورة الرحمن :اية15

 [8] - لا بخفى انه فسر ( امشاج ) في بعض الروايات بماء الرجل وماء المرأة. وقد استخدمنا ( امشاج ) هنا بالمعنى اللغوي لا كتفسير للاية فلاحظ.

 [9] - كلها او بعضها في بعض الافراد على الاقل

 [10] - سورة نوح : اية 10 - 12

 [11] - جامع الأخبار ص63

[12] - كشف الغمة ص 472 ج1. و بحار الأنوار ج 97 ص 194

 

 


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=910
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2020 / 01 / 30
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 07 / 4