• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : مقالات .
                    • الموضوع : رحمة للعالمين .

رحمة للعالمين

رحمة للعالمين

وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ  الانبياء 107

اشتملت هاته الآية بوجازة ألفاظها على مدح الرسول عليه الصلاة و السلام و مدح مرسله تعالى، ومدح رسالته بأن كانت مظهر رحمة اللّه تعالى للناس كافة و بأنها رحمة اللّه تعالى بخلقه.

وقد ذكر جل و علا في هذه الآية الكريمة: أنه ما أرسل هذا النبي الكريم صلوات اللّه و سلامه عليه إلى الخلائق إلا رحمة لهم؛ لأنه جاءهم بما يسعدهم و ينالون به كل خير من خير الدنيا و الآخرة إن اتبعوه. و من خالف و لم يتبع فهو الذي ضيع على نفسه نصيبه من تلك الرحمة العظمى. و ضرب بعض أهل العلم لهذا مثلا قال: لو فجر اللّه عينا للخلق غزيرة الماء، سهلة التنازل؛ فسقى الناس زروعهم و مواشيهم بمائها. فتتابعت عليهم النعم بذلك، و بقي أناس مفرطون كسالى عن العمل؛ فضيعوا نصيبهم من تلك العين، فالعين المفجرة في نفسها رحمة من اللّه، و نعمة للفريقين. و لكن الكسلان محنة على نفسه حيث حرمها ما ينفعها.

 ويوضح ذلك قوله تعالى:* أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (28) [إبراهيم: 28].

و ما ذكره جل و علا في هذه الآية الكريمة: من أنه ما أرسله إلا رحمة للعالمين- يدل على أنه جاء بالرحمة للخلق فيما تضمنه هذا القرآن العظيم. و هذا المعنى جاء موضحا في مواضع من كتاب اللّه، كقوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى‏ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَ ذِكْرى‏ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏ (51) [العنكبوت: 51]

 و قوله: وَ ما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى‏ إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ‏ [القصص: 86] الآية.

من مظاهر رحمته

و يظهر ذلك في مظهرين: الأول تخلق نفسه الزكية بخلق الرحمة

 و الثاني إحاطة الرحمة بتصاريف شريعته.

فأما المظهر الأول: « فقد زين اللّه محمّدا صلى اللّه عليه و سلم بزينة الرحمة فكان كونه رحمة و جميع شمائله رحمة و صفاته رحمة على الخلق»

خصّ اللّه محمدا صلى اللّه عليه وآله  في هذه السورة بوصف الرحمة و لم يصف به غيره من الأنبياء، و كذلك في القرآن كله، قال تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ‏ [التوبة: 128]

و قال تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ‏ [آل عمران: 159] أي برحمة جبلك عليها و فطرك بها فكنت لهم ليّنا.

وأما المظهر الثاني من مظاهر كونه رحمة للعالمين  فما في شريعته، من مقومات الرحمة العامة للخلق كلهم لأن قوله تعالى‏ لِلْعالَمِينَ‏ متعلق بقوله‏ رَحْمَةً.

و التعريف في‏ لِلْعالَمِينَ‏ لاستغراق كل ما يصدق عليه اسم العالم.

فالحنيفية شريعة إبراهيم عليه السلام كانت رحمة خاصة بحالة الشخص في نفسه و ليس فيها تشريع عام، و شريعة عيسى عليه السلام قريبة منها في ذلك؛ و إما لأنها قد تشتمل في غير القليل من أحكامها على شدّة اقتضتها حكمة اللّه

 قال تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ‏

و قال: فَتُوبُوا إِلى‏ بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ‏ إلى آيات كثيرة.

لا جرم أن اللّه تعالى خصّ الشريعة الإسلامية بوصف الرحمة الكاملة.

قال تعالى : وَرحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ‏ النبي الأمي [الأعراف: 156- 157] الآية. ففي قوله تعالى: وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ إشارة إلى أن المراد رحمة هي عامة فامتازت شريعة الإسلام بأن الرحمة ملازمة للناس في سائر أحوالهم.

فأقيمت شريعة الإسلام على دعائم الرحمة و الرفق و اليسر.

قال تعالى: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ [الحجّ: 78]

 و قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: 185]، و

قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «بعثت بالحنيفية السمحة»

و ما يتخيل من شدة في نحو القصاص و الحدود فإنما هو لمراعاة تعارض الرحمة والمشقة كما أشار إليه قوله تعالى: وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [البقرة: 179]

 فالقصاص والحدود شدة على الجناة و رحمة ببقية الناس.

و أما رحمة الإسلام بالأمم غير المسلمين فإنما نعني به رحمته بالأمم الداخلة تحت سلطانه و هم أهل الذمة. ورحمته بهم عدم إكراههم على مفارقة أديانهم، و إجراء العدل بينهم في الأحكام بحيث لهم ما للمسلمين و عليهم ما عليهم في الحقوق العامة.

للرحمة أنواع ودرجات

ان الرحمة النبوية للعالمين وان ثبتت للجميع بلا استثناء الا أن لها درجات وأنواع بعضها خاص ببعض الناس ولكن تبقى الرحمة العامة شاملة للجميع .

والحاصل: ان هناك درجات من الرحمة لا تشمل الكافرين والمشركين واضرابهم وامثالهم ومن بحكمهم بل تختص بالمسلمين .

كما ان هناك درجات منها لا تشمل جميع المسلمين بل هي خاصة بالمؤمنين وهكذا الى ان تصل الدرجات الى درجة تختص بالأولياء والصالحين بل المخلصين – على درجاتهم أيضاً.

 

 

قال تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ التوبة  (128)

تسأل: قال سبحانه في هذه الآية: (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) و قال في سورة الأنبياء: (وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) أي المؤمنين وغير المؤمنين، فما هو وجه الجمع بين الآيتين؟

الجواب: ان المراد بقوله: (وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) ان دين محمد هو دين الانسانية، وشريعته رحمة بكل الناس لو اتبعوها و عملوا بها لملأت الأرض خيرا و عدلا، أما قوله: (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) فمعناه انه شديد الرأفة و الرحمة بمن آمن بالحق، و كف أذاه عن الناس، أما من يعتدي عليهم، فإنه يقسو عليه قسوته على الباطل و الفساد، و لا تأخذه فيه هوادة و رأفة، و هذا هو دين الانسانية و الرحمة، فقد نهى سبحانه عن الرأفة في اقامة الحدود على المجرمين

 

روى في تفسير البرهان عن أمالي الصدوق:

يقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مخاطب أمير المؤمنين ( عليه السلام ): ((يَا عَلِيُّ إِنَّ أَرْوَاحَ شِيعَتِكَ لَتَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ فِي رُقَادِهِمْ وَ وَفَاتِهِمْ فَتَنْظُرُ الْمَلَائِكَةُ إِلَيْهَا كَمَا يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَى الْهِلَالِ شَوْقاً إِلَيْهِمْ وَلِمَا يَرَوْنَ مِنْ مَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَل...)

هذا المقام مختص بـ(الشيعة) فقط وهي من المشايعة والمتابعة وليس الكلام عن (المحب) الذي قد يدخل فيه حتى من لم يلتزم بالطاعات وتجنب المحرمات؛ لان كلمات أهل البيت دقيقة جدا في ذكر المقاييس والموضوعات وأحكامها.

فعلى كل شيعي ان يكون القمة في الطهارة والقداسة

 (يَا عَلِيُّ قُلْ لِأَصْحَابِكَ الْعَارِفِينَ بِكَ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الْأَعْمَالِ الَّتِي يُفَارِقُهَا عَدُوُّهُم...))‏ (فَمَا مِنْ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ إِلَّا وَ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى تَغْشَاهُم...) (وهذا هو بيت القصيد لان رحمة الله درجات وانواع لا تعطى لكل احد

(فَلْيَجْتَنِبُوا الدَّنَسَ) (وهو الرجس والقذارة المعنوية والتي تلازم المعاصي والذنوب

 

 

 


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=955
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2020 / 11 / 04
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 12 / 1