• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : مقالات .
                    • الموضوع : وَإِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ‏ .

وَإِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ‏

قال الله تعالى :وَإِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ‏  القلم 4

هذه الجملة مؤكّدة بمؤكدات ثلاثة: «إنّ- الجملة الاسمية- اللام المزحلقة».

وما وصف سبحانه أحدا من رسله بهذا الوصف إلا محمدا (ص)

و الخلق: و‏الخلق هو الملكة النفسانية التي تصدر عنها الأفعال بسهولة و ينقسم الى الفضيلة و هي الممدوحة كالعفة و الشجاعة، و الرذيلة و هي المذمومة كالشره و الجبن لكنه إذا أطلق فهم منه الخلق الحسن.

قال الراغب: و الخلق- بفتح الخاء- و الخلق- بضم الخاء- في الأصل واحد كالشرب و الشرب و الصرم و الصرم لكن خصّ الخلق- بالفتح- بالهيئات و الأشكال و الصور المدركة بالبصر، و خص الخلق- بالضم- بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة قال تعالى: «وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ» انتهى.

و الآية ناظرة الى أخلاقه الجميلة الاجتماعية المتعلقة بالمعاشرة كالثبات على الحق والصبر على أذى الناس و جفاء أجلافهم و العفو و الإغماض و سعة البذل و الرفق والمداراة و التواضع و غير ذلك.

والعظيم: الرفيع القدر و هو مستعار من ضخامة الجسم، و شاعت هذه الاستعارة حتى ساوت الحقيقة.

و(على) للاستعلاء المجازي المراد به التمكن كقوله: أُولئِكَ عَلى‏ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ‏ البقرة: 5

ومنه قوله تعالى: إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ‏ [النمل: 79]

 إِنَّكَ عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ [الزخرف: 43]، إِنَّكَ لَعَلى‏ هُدىً مُسْتَقِيمٍ‏ [الحج: 67].

و الخلق العظيم: هو الخلق البالغ أشد الكمال المحمود  وهو أرفع من مطلق الخلق الحسن.

والخلق العظيم: يشمل ذلك كل ما وصف به القرآن محامد الأخلاق و ما وصف به النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من نحو قوله: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ‏ آل عمران: 159 و قوله: خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ‏ [الأعراف: 199] و غير ذلك من آيات القرآن. و ما أخذ به من الأدب بطريق الوحي غير القرآن‏

و فسّر البعض الخلق العظيم للنبي ب (الصبر في طريق الحقّ، و كثرة البذل‏

و العطاء، و تدبير الأمور، و الرفق و المداراة، و تحمّل الصعاب في مسير الدعوة الإلهية، و العفو عن المتجاوزين، و الجهاد في سبيل اللّه، و ترك الحسد و البغض و الغلّ و الحرص ..، و بالرغم من أنّ جميع هذه الصفات كانت متجسّدة في رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلّا أنّ الخلق العظيم له لم ينحصر بهذه الأمور فحسب، بل أشمل منها جميعا.

و فسّر الخلق العظيم أيضا ب (القرآن الكريم) أو (مبدأ الإسلام).

وكان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خلقه القرآن أي ما تضمنه القرآن من إيقاع الفضائل و المكارم و النهي عن أضدادها.

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم «إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق»

فجعل أصل شريعته إكمال ما يحتاجه البشر من مكارم الأخلاق في نفوسهم، ولا شك أن الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم أكبر مظهر لما في شرعه قال تعالى: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى‏ شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها الجاثية: 18 وأمره أن يقول: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ‏ الأنعام: 163

فكما جعل اللّه رسوله صلى اللّه عليه و آله و سلّم على خلق عظيم جعل شريعته لحمل الناس على التخلق بالخلق العظيم بمنتهى الاستطاعة.

و الأخلاق كامنة في النفس و مظاهرها : تصرفات صاحبها في كلامه، و طلاقة وجهه، و ثباته، و حكمه، و حركته و سكونه، و طعامه و شرابه، و تأديب أهله و من لنظره، و ما يترتب على ذلك من حرمته عند الناس، و حسن الثناء عليه و السّمعة.

و أما مظاهرها في رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله وسلّم ففي ذلك كله و في سياسته أمته، و فيما خص به من فصاحة كلامه و جوامع كلمه.

‏ و كفى بعظمة أخلاقه أن يصفه ربّ العالمين بالعظمة، و كيف لا يكون كذلك و قد أدّبه اللّه حتى‏ قال- صلّى اللّه عليه و آله-: «لقد أدّبني اللّه فأحسن تأديبي‏

وقال الإمام الصادق- عليه السلام-: إنّ اللّه عزّ و جلّ أدّب نبيه فأحسن أدبه، فلمّا أكمل له الأدب قال: «وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ‏»

و من تأكيد اللّه أنّ الرسول «على» خلق عظيم يتبين أنّه- صلّى اللّه عليه و آله- ما كان يتكلّف الأخلاق، و لا كانت عرضية تأتي و تزول، بل هي سجايا و ملكات اختلطت بكيانه فلا تفارقه و لا يفارقها، و ذلك من أفضل ما يصير إليه بشر في الأخلاق. و إنّما بلغ النبي تلك العظمة و المكانة الرفيعة لأنّه جسّد الدين في حياته،

قال الإمام الباقر- عليه السلام- في قول اللّه: «الآية»:«هو الإسلام»

 و قال: «على دين عظيم»

وأنّ من أعظم أخلاقه هو سعة الصدر، التي كانت وسيلته التي استوعب بها الناس في الدين، و ملك قلوبهم .. و فيهم العدو الحاقد، و الجلف الصلف، و الكافر الجاهل، و المشرك الضال و .. و ..، و إنّها لأهمّ ما يحتاجه المصلحون من الأخلاق، و لذلك مدحه ربّ العالمين بها و ثبّت ذكرها بالذات في كتابه من دون سائر الأخلاق فقال: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ‏[1]،

روى البرقي عن أحد الأئمة- عليه السلام-: إنّ اللّه تبارك و تعالى أدّب نبيه فأحسن تأديبه، فقال: «خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ‏» فلمّا كان ذلك أنزل اللّه‏ «إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ‏»[2]

بعض أخلاقه- صلّى اللّه عليه و آله:

«كان رسول اللّه حييّا لا يسأل شيئا إلّا أعطاه»

وكان يقول لأصحابه: «لا يبلغني أحد منكم عن أصحابي شيئا، فإنّي أحب أن أخرج إليكم و أنا سليم الصدر»

و«كان أجود الناس كفّا، و أكرمهم عشرة، من خالطه فعرفه أحبّه»

 

نموذج من أخلاق الرّسول‏

إنّ أخلاقيته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كانت من العلو و الصفات الإنسانية السامية لدرجة أنّ ألدّ أعدائه كان يقع تحت تأثيرها كما أنّ مكارم الأخلاق التي أودعت فيه كانت تجذب و تشدّ المحبّين و المريدين إليه.

ففي فتح مكّة وعند ما استسلم المشركون أمام الإرادة الإسلامية، و رغم كلّ حربهم للإسلام و المسلمين و شخص الرّسول الكريم بالذات، و بعد تماديهم اللئيم و كلّ ممارساتهم الإجرامية ضدّ الدعوة الإلهية .. بعد كلّ هذا الذي فعلوه، فإنّ رسول الإنسانية أصدر أمرا بالعفو العامّ عنهم جميعا، وغضّ الطرف عن جميع الجرائم التي صدرت منهم و كان سببا في دخولهم في دين اللّه أفواجا  (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً.)

لقد وردت في كتب التّفسير و التاريخ قصص كثيرة حول حسن خلق الرّسول الكريم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في عفوه و تجاوزه و عطفه و رأفته، و تضحيته و إيثاره و تقواه  من ذلك:

ما جاء في حديث عن الحسين بن علي عليه السّلام أنّه قال: سألت أبي أمير المؤمنين عن رسول اللّه كيف كان سيرته في جلسائه؟ فقال: كان دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ، و لا غليظ و لا صخّاب، و لا فحّاش، و لا عيّاب، و لا مدّاح، يتغافل عمّا لا يشتهي، فلا يؤيّس منه و لا يخيب فيه مؤمّليه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء و الإكثار و ما لا يعنيه، و ترك الناس من ثلاث كان لا يذمّ أحدا و لا يعيّره، و لا يطلب عثراته و لا عورته و لا يتكلّم إلّا في ما رجا ثوابه، إذا تكلّم أطرق‏ جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلّموا، و لا يتنازعون عنده الحديث ...»

 

و الروايات الداعية الى التخلّق بالخلق الحسن كثيرة منها:

1-جاء في حديث أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق»

2- وجاء في حديث آخر عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل و صائم النهار»

3- وورد عنه أيضا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ما من شي‏ء أثقل في الميزان من خلق حسن»

4- ونقل عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال: «أحبّكم إلى اللّه أحسنكم أخلاقا، الموطئون أكنافا، الذين يألفون و يؤلّفون. و أبغضكم إلى اللّه المشاءون بالنميمة، المفرّقون بين الإخوان، الملتمسون للبراء العثرات»

5- في حديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أكثر ما يدخل الناس الجنّة تقوى اللّه و حسن الخلق»

6- وجاء في حديث عن الإمام الباقر عليه السّلام: (إنّ أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا»

7- وورد حديث عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السّلام أنّ الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «عليكم بحسن الخلق، فإنّ حسن الخلق في الجنّة لا محالة، و إيّاكم و سوء الخلق، فإنّ سوء الخلق في النار لا محالة»

يستفاد من مجموع الأخبار أنّ حسن الخلق مفتاح الجنّة، و وسيلة لتحقيق مرضاة اللّه عزّ و جلّ، و مؤشّر على عمق الإيمان، و مرآة للتقوى و العبادة ..

 

 

 

 

 

[1] ( 1) آل عمران/ 159.

[2] ( 2) نور الثقلين/ ج 5 ص 389 نقلا عن بصائر الدرجات.


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=959
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2020 / 11 / 04
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 12 / 1