• الموقع : هيئة علماء بيروت .
        • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .
              • القسم الفرعي : قرانيات .
                    • الموضوع : التوحيد محور جميع الحقائق القرآنيّة .

التوحيد محور جميع الحقائق القرآنيّة

  

التوحيد محور جميع الحقائق القرآنيّة

من الحقائق التي يمكن استظهارها معرفيّاً: أنّ الآيات القرآنيّة على اختلاف مضامينها وتشتّت مقاصدها وأغراضها تنتهي جميعاً إلى معنى واحد بسيط وغرض فارد أصليّ لا تكثّر فيه ولا تشتّت، بحيث لا تروم آية من الآيات الكريمة مقصداً من المقاصد ولا ترمي إلى هدف إلاّ والغرض الأصلي هو الروح الساري في جثمانه والحقيقة المطلوبة منه.
فلا غرض لهذا الكتاب الكريم على تشتّت آياته وتفرّق أبعاضه إلاّ غرض واحد متوحّد، إذا فصّل كان في مورد أصلاً دينيّاً وفي آخر أمراً خلقياً وفي ثالث حكماً شرعيّاً، وهكذا كلّما تنزّل من الأصول إلى الفروع، ومن الفروع إلى فروع الفروع لم يخرج عن معناه الواحد المحفوظ. فهذا الأصل الواحد بتركّبه يصير كلّ واحد واحد من أجزاء تفاصيل العقائد والأخلاق والأعمال، وهي بتحليلها وإرجاعها إلى الروح الساري فيها الحاكم على أجسادها، تعود إلى ذاك الأصل الواحد.
وهذا الأصل الأصيل هو توحيده تعالى بما يليق بساحة عزّه وكبريائه، فيظهر في مقام الاعتقاد في لباس أسمائه الحسنى وصفاته العليا، وفي مقام الأخلاق بالتخلّق بالأخلاق الكريمة من الرضا والتسليم والشجاعة والعفّة ونحو ذلك والاجتناب عن الصفات الرذيلة، وفي مقام الأعمال والأفعال الإتيان بالأفعال الصالحة والورع عن محارم الله.
قال الطباطبائي: «ومن أهمّ ما يشاهد في هذا الدين ارتباط جميع أجزائه ارتباطاً يؤدّي إلى الوحدة التامّة بينها، بمعنى أنّ روح التوحيد سارية في الأخلاق الكريمة التي يندب إليها هذا الدين، وروح الأخلاق منتشرة في الأعمال التي يكلّف بها أفراد المجتمع. فجميع أجزاء هذا الدِّين ترجع بالتحليل إلى التوحيد، والتوحيد بالتركيب يصير هو الأخلاق والأعمال. فلو نزل (أي لو نزل التوحيد نزولاً على نحو التجلّي) لكان هي، ولو صعدت (أي صعود الاعتقاد والأخلاق والأعمال لا بنحو التجافي) لكانت هو (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ   الميزان في تفسير القرآن: ج4 ص109.
وهذه الحقيقة الواحدة البسيطة تتجلّى لحامل القرآن بحسب سقفه المعرفي، فتنشأ لذلك دوائر معرفيّة لا حصر لها بعدد حاملي ومفسّري القرآن الكريم، لعدم كونهم جميعاً على سقف معرفيّ واحد.
ومن ثمّ فالواصل إلى روح القرآن والواقف على تأويله وتفسيره من الراسخين في العلم لا يرى إلاّ حقيقة واحدة، وأنّ مجموع السور والآيات والكلمات والحروف هي مرايا ومظاهر لتلك الحقيقة، وكلّ مرآة بحسبها. ومن هنا نفهم بوضوح سرّ التفاوت في مقامات ومنازل السور القرآنيّة وآياتها، من قبيل ما ورد عن عليّ عليه السلام قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنّ الله تبارك وتعالى قال لي: يا محمّد! (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) فأفرد الامتنان عليَّ بفاتحة الكتاب وجعلها بإزاء القرآن العظيم، وإنّ فاتحة الكتاب أشرف ما في كنوز العرش، وإنّ الله خصّ محمّداً وشرّفه بها ولم يشرك معه فيها أحداً من أنبيائه   عيون أخبار الرضا: الحديث 60، ج1 ص270.
وأيضاً ما ورد عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: «إنّ لكلّ شيء قلباً، وإنّ قلب القرآن يس   وسائل الشيعة: كتاب الصلاة، باب استحباب الإكثار من قراءة سورة يس، الحديث 7855، ج6 ص247.

على هذا فالآيات والسور سوف تختلف في كونها تمثِّل تجلّيات تلك الحقيقة الكبرى سعةً وضيقاً، حتّى تنتهي إلى القرآن بمجموعه فإنّه يمثّل التجلّي الأعظم لتلك الحقيقة البسيطة. وبذلك يتّضح لنا قول أبي عبد الله الصادق عليه السلام: «والله لقد تجلّى الله لخلقه في كلامه ولكن لا يُبصرون بحار الأنوار: ج 89 ص 107 الباب التاسع (فضل التدبّر في القرآن)، الحديث 2.

وقول عليّ أمير المؤمنين عليه السلام: «فتجلّى لهم سبحانه في كتابه من غير أن يكونوا رأوه   الفروع من الكافي: الحديث 586، ج8 ص387.


  • المصدر : http://www.allikaa.net/subject.php?id=481
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2013 / 05 / 10
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 08 / 9