هيئة علماء بيروت :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> تعريف (4)
---> بيانات (86)
---> عاشوراء (111)
---> شهر رمضان (108)
---> الامام علي عليه (47)
---> علماء (21)
---> نشاطات (7)

 

مجلة اللقاء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> فقه (15)
---> مقالات (186)
---> قرانيات (70)
---> أسرة (20)
---> فكر (118)
---> مفاهيم (181)
---> سيرة (80)
---> من التاريخ (30)
---> مقابلات (1)
---> استراحة المجلة (1)

 

أعداد المجلة :

---> الثالث عشر / الرابع عشر (12)
---> العدد الخامس عشر (18)
---> العدد السادس عشر (17)
---> العدد السابع عشر (15)
---> العدد الثامن عشر (18)
---> العدد التاسع عشر (13)
---> العدد العشرون (11)
---> العدد الواحد والعشرون (13)
---> العدد الثاني والعشرون (7)
---> العدد الثالث والعشرون (10)
---> العدد الرابع والعشرون (8)
---> العدد الخامس والعشرون (9)
---> العدد السادس والعشرون (11)
---> العدد السابع والعشرون (10)
---> العدد الثامن والعشرون (9)
---> العدد التاسع والعشرون (10)
---> العدد الثلاثون (11)
---> العدد الواحد والثلاثون (9)
---> العدد الثاني والثلاثون (11)
---> العدد الثالث والثلاثون (11)
---> العد الرابع والثلاثون (10)
---> العدد الخامس والثلاثون (11)
---> العدد السادس والثلاثون (10)
---> العدد السابع والثلاثون 37 (10)
---> العدد الثامن والثلاثون (8)
---> العدد التاسع والثلاثون (10)

 

البحث في الموقع :


  

 

جديد الموقع :



 مجالس عاشوراء منابر للوعي

 تجسيد الامام الحسين عليه السلام لأعلى درجات الارتباط بالله

 من دروس عاشوراء: تحمّل المسؤولية

 الحسين(ع) شعلة تضيء طريق الأحرار عبر الأزمان

 تأملات في الخطاب الحسيني يوم عاشوراء

 قداسة حركة الامام الحسين عليه السلام

 عيد الغدير يوم الولاية

 آية المباهلة والمنقبة العظمى لأهل بيت النبي (صلى اللّه عليه و آله)

 أسبوع الصدقة : عن اهمية الصدقة وبعض شؤونها

 معرفة مقامات اهل البيت عليهم السلام

 

الإستخارة بالقرآن الكريم :

1.إقرأ سورة الاخلاص ثلاث مرات
2.صل على محمد وال محمد 5 مرات
3.إقرأ الدعاء التالي: "اللهم اني تفاءلت بكتابك وتوكلت عليك فارني من كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك"

 

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا
 

مواضيع عشوائية :



  الصلاة على النبي (ص) وآله

 علماء قدوة.

 الرد على شبهات الجماعات التكفيرية

  دعوة الله للضيافة*

 الحج معادٌ مُمثّل

 كيف نستقبل شهر رمضـان

 مفتٍ إلكتروني يصدر الفتاوى؟!

 أول بيت وضع للناس

  شؤون تبليغية : الصدق في نقل الأخبار

 صناعة الفتنة

 

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 2

  • الأقسام الفرعية : 17

  • عدد المواضيع : 1086

  • التصفحات : 5745671

  • التاريخ : 17/08/2022 - 22:22

 

 

 

 

 
  • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .

        • القسم الفرعي : مقالات .

              • الموضوع : الإسلام دين المحبة والمودة .

الإسلام دين المحبة والمودة

بسم الله الرحمن الرحيم

الإسلام دين المحبة والمودة

الشيخ إبراهيم نايف السباعي

عندما بدأ النبي صلى الله عليه وآله دعوته في الجزيرة العربية، رفع في البداية كل الموانع التي قد تحول بينه وبين الناس منها: الصفات الذميمة والخصال القبيحة والمنفرة، كالكذب والخيانة والغدر وعدم المصداقية، فقد كانت صفاته وخصاله قبل بعثته معروفة واشتهر بالصدق والأمانة، وهذه الشهرة كانت عند جميع أهالي مكة المكرمة، وهاتان كافيتان في حب الناس له واحترامهم وتقديرهم لشخصه الكريم، واستعمل النبي(ص) كل أدوات التآلف والتحابب بين الناس، حيث كانت العرب آنذاك في مكة المكرمة وباقي أنحاء الجزيرة العربية بأمس الحاجة إلى مكارم الأخلاق وتطبيق القيم الإنسانية، كالحب والرأفة والرحمة والتسامح والعفو والصفح، واحترام الواحد للآخر والآداب الاجتماعية التي كانت تفتقر لها المجتمعات العربية آنذاك، لكن النبي(ص) لم يستعمل أدوات فوق العادة أو قضايا غيبية إعجازية، بل طبق قضايا اجتماعية انسانية، كالتسليم على من يلقاه ببشر حسن، فالبشاشة في وجوه الناس آتت أكلها وأعطت ثمرتها، وهي تقرب الشخص من الناس زائد الكلمة الطيبة التي كانت تفتح له في سلوكهم آفاق خير وحب، لذا كان دائم البشاشة حتى صارت لكل من تبسم صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وتسليمك على الآخرين صدقة..

هذا من جهة شخصه الكريم، وأما ما جعله وأسسه بين الناس، فقد قام في البداية برفع الطفيليات الضارة من المجتمع العربي، وأزال كل ما يضر برسالته فسلك طريقاً محبباً للناس، كان شعاره الدائم سهّل قدر ما تستطيع، لذا كانت رسالته سهلة سمحاء، وأن يجمع بين الناس ولا يفرق، وأن يحبب ولا يبغض، وشعاره تفاءلوا بالخير تجدوه ضد التشاؤم السائد آنذاك، وقد وضع العرب علماً له وعرفوه بـ علم التشاؤم.

هذا ما ينبغي للعاقل أن يفعله إذا أراد النجاح، فالفلاح أو المزارع إن أراد حصاداً جيداً وناجحاً فعليه أن يرفع الطفيليات من بين مزروعاته، لأن الطفيليات أو الفطريات مضرة له ولزرعه، ولأنها تتغذى على غيرها، فلا الفلاح يرغب فيها ولا النباتات تحبها، وعلى الفلاح أيضاً أن يبعد عن زرعه الحشرات الضارة والطيور أيضاً، التي تضر بزرعه وتتلفه.

لو التزمنا عملياً بما نعرفه عن النباتات على المجتمع الانساني لوجدناه صحيحاً، فهذا المزارع في وقت حصاده يحصد أكلاً طيباً ولذيذاً ولا يبخس منه شيئاً، أما لماذا فلأن الفلاح اعتنى به من بداية زراعته إلى حين حصاده وواكب نباته إلى مرحلة النضوج، فإنه كان يقلع النبات الضار بيده حيناً وبالمبيدات حيناً آخر وبحرقه ثالثة، نعم استعمل القطع والحرق والقلع حتى وصل إلى زرع صحيح سليم.

المجتمع الإنساني وعلاج الشوائب فيه

قال اللّه تعالى: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (سورة الأنفال/63)

طبيعة الحياة البشرية تحصل فيها شوائب، وموانع تكدِّر صفو العلاقات بين الناس، وهذا ليس شيئًا خاصًا بالحياة البشرية، حتى بقية المخلوقات باختلاف أنواعها، تجد الحياة فيها مشابهة لما في حياتنا، وسبق وأن مثلت لذلك بالفلاح وزراعته، كيف أنه يصرف جهداً كبيراً كي يحصل على نتاج وفير، وإذا تعمقنا أكثر في البحث نجد ذلك في الطيور وباقي الحيوانات.

مصدر تلك الرواسب والشوائب مجموعة حقائق:

  1. تجارب شخصية، إن لكل إنسان حياة خاصة وتجارب خاصة به، فتغدو لديه مجموعة من أمور تتعلق به من خلال تجاربه الخاصة، بالتالي يلتقطها الغير إما بالوارثة وإما عن طريق تلقينها وتعليمها لهم، وثالثها من خلال جذب تجاربه للآخرين.
  2. علاقات عامة اجتماعية، وهي تولد من خلال علاقات الإنسان مع من يحيط به أكانوا قريبين أم بعيدين، فالإنسان يتأثر بالآخرين من سلوك وأخلاق وقيم تمارس، لذا ثبت عند علماء الاجتماع أن 60 بالمئة من حياة الإنسان الاجتماعية تتكون من المجتمع وهي خاضعة للآخرين.
  3. طبائع خلقية توجد مع الإنسان، والإنسان ينميها ويعظم من شأنها، فتغدو ملكة لا يستطيع التخلي عنها إلا بشق الأنفس، منها الشر والخير والحب والبغض وحب الغير والأنانية والحسد والنميمة والفتنة.. وهذه الطبائع ستغلب إحداها على الأخرى، لذا نجد الإنسان العربي متعجرفاً وعنيداً.
  4. الزمن وتصرمه ومر السنين، يغيران في الإنسان ويعملان فيه الأثر، لأن التأثير سيحصل شيئاً فشيئاً، نعم مرور الزمن كفيل بالنسيان ويزيل تراكم الأحقاد وغيرها، وكذلك يجعل الشيء عند الإنسان يتأصل ويصبح كالإدمان يصعب تركه.

قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} (سورة الشمس/7ـ 10)

تنشأ الرواسب والشوائب في نفس الإنسان من الأمور الأربعة التي ذكرتها، وهذه لها بذور في خلقة الإنسان (بذور الحسد ـ بذور التنافر ـ بذور الأنانية، وبذور الخير وحب الناس والعفو والصفح..) وتنتقل كبذور النباتات بنفسها، قال تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} (الإنسان/3)، وقال تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} (البلد/10)، فهي موجودة في أعماق الإنسان، بسبب طبيعة خلقته، كما في قوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} (الإنسان/2)، وتحتاج هذه الأمور إلى مكافحة، وإذا لم تكافح هذه الشوائب فإن الحياة الاجتماعية لا تطاق، تمامًا كالأعشاب الضارة، لذا لا بد صرف الجهد الكبير في الحياة الاجتماعية، كما نصرف الجهد الكبير في مقاومة الأعشاب الضارة. وهناك محاولات تبذل في سبيل تنقية الشوائب والأجواء في العلاقات الإنسانية، لكن تبقى الجهود التي تبذل من قبل الإنسان مادية ودورها محدودًا، وما نتحدث عنه يرتبط بالحالة العاطفية والروحية للإنسان، وهذا يحتاج إلى جهد أعمق من الجهود المادية الخارجية.

خارطة لمعالجة الشوائب الضارة

اختصرت الآية المعالجة، كما في قوله تعالى: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} (سورة الأنفال/63)، قلوب الذين استجابوا لدعوة رسول اللّه، كانوا يتفاضلون فيما بينهم هذا من قريش وهذا من غيرها، هذا من الأحلاف وهذا من الأكفاء، هذا من السادة وهذا من العبيد.

وفي المدينة المنورة فقد كانت الحرب بين قبيلتي الأوس والخزرج قائمة، وامتدت لسنين طويلة.

وقد بدأ النبي(ص) بخارطة طريق عملية لتوحيد الناس ولحب بعضهم البعض، والمسالة ليست تأليفًا بين أجسام جامدة وبين مصالح معينة لكانت من أبسط الأمور، إنما بين قلوب ونفوس مليئة بالأحقاد والكراهية، فإنك لو حاولت ودفعت وجاهدت في سبيل الجمع بينهما لن توفق وستبوء محاولاتك بالفشل، وما فعله رسول الله أن ألف بين القلوب {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ}، لذا يقول تعالى للرسول لو اتبعت غير هذا الطريق لم تصل إلى النتيجة المرجوة، بل هذا هو الطريق الفريد الصحيح {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ}، ولا يختص هذا بمجتمع معين، بل هي لكل المجتمعات الإنسانية، ولكل من أراد الاصلاح الاجتماعي وجعل المجتمع موحداً.

هل للأنظمة المدنية أن تكون بديلاً؟

لا شك أن المجتمع البشري منذ بداية الخلق وهو يحاول وضع برامج ومناهج تساعده على أن يعيش حياة سعيدة بلا مشاكل أو شوائب، وقد وضعوا لذلك مناهج وبرامج؛ لكن لا تعدو كونها محاولات في تحسين العلاقات ونجاحهم كان جزئياً، لأن للعلاقات الاجتماعية ظواهرها وبواطنها، فإنها بحسب الظاهر ممتازة، وعند التعمق تجد الخلل واضحاً وكبيراً، وهذا ثبت عند كثير من مراكز الدراسات المتخصصة في علم المجتمعات.

مثلاً: لو أمعنا النظر في العالم بنظرة شمولية لوجدنا الظلم والقهر والقتل والسلب والنهب، والمجازر والجرائم التي ترتكب في بلادنا الإسلامية من الاستعمار الغربي من أمريكا وغيرها، في العراق وسوريا واليمن وفلسطين، نرى ذلك قد تم على أيدي جنود أمريكيين وأوربيين ويهود، وهم ينتمون إلى مؤسسة عسكرية تتمتع بأرقى مستوى من قوانين الانضباط، وما شاهدناه في وسائل الإعلام المتلفزة من فظائع وجرائم يعتبر شيئاً قليلاً، وما انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي أقل بكثير مما هو عليه الواقع، وحتى لدينا تقارير كاملة عن جرائم موظفي وقوات الأمم المتحدة في البوسنة والهرسك كيف أنهم سلموا للمتعصبين الصرب أكثر من 12 ألف رجل ليذبحوا بدم بارد، مقابل حفنة من الأموال، وكذلك من دول العالم كالسودان ودارفور تتحدث التقارير عن السرقات والنهب والذبح والاغتصاب للنساء والأطفال، وحتى التجارة بالأعضاء البشرية.

ما قلنا لا يعني البتة، أن هذه الجرائم متمركزة ومنحصرة في أمريكا ودول الاستعمار الغربي خاصة، لأن هناك من يدعي الانتساب إلى الإسلام ويقوم بالقتل والنهب والذبح والحرق والاغتصاب في شعوب من نفس جنسهم ودينهم كسوريا واليمن والعراق والسعودية والبحرين.

ما أريد قوله: أن البرامج والمناهج الموضوعة في المجتمعات الغربية هي مناهج جيدة إلى حد ما، لأن للقضاء دورًا مهماً في توطيد الأمن والأمان في المجتمع، وللإعلام والقانون دورًا، وللنظام دورًا في رعاية وحماية العلاقات بين الناس، إن هذه الوسائل مطلوبة ولا يمكن الاستهانة بها، ولكننا نريد أن نقول إنها وحدها لا تكفي، بل نحتاج إلى شيء آخر، وهو ما تشير إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} وبعض المفسرين أعطى الموضوع طابعًا غيبيًا محضًا، أيّ إن اللّه بالغيب والتوفيق، ألّف بين هؤلاء الناس، ببركة وجود رسول اللّه، ولا شك أن للغيب دورًا، ولكني أعتقد أن القضية لا تقتصر على هذا الجانب، وليس هو الجانب الأساس في المسألة، وإنما التأليف الذي صنع بين هذه القلوب إنما صنع بواسطة البرامج التي تساعد على تهذيب النفوس والقلوب.

الموانع التي رفعها النبي(ص):

انطلق النبي(ص) في رسالته في خطين متوازيين:

الأول: تعليم الناس الدين ومفاهيمه، فلم يترك أمراً من أمور الدين إلا وبلغه، حتى قال تعالى: {..الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا..} (المائدة/3).

الثاني: رفع النبي(ص) من المجتمع العربي آنذاك أربعة منفرات، وجعل مكانها أربعة برامج توصله إلى مبتغاه، جمع الناس وتوحيدها على هدف واحد وقلب واحد، وكان يطبقها (ص) واحدة تلو الأخرى.

  1. رفع النبي(ص) من المجتمع العربي التمايز بين الناس والقبائل، وأوقع مكانها، المساواة والعدالة.

الشعور بالتميّز والتفاضل بين الناس يعتبر من أهم العوامل في بث الحقد في القلوب، فإذا أردت خراب مجتمع وتركه للتناحر بين أبنائه ما عليك إلا بذر روح التفرقة؛ هذا أبيض وهذا أسود، هذا من نسل سامي وهذا غير سامي، هذا سني وهذا شيعي..

لن تتحقق المحبة بينهم والألفة إلا بالمساواة بينهم، وهذا ما كانت تشير النصوص الشريفة الواردة عنه(ص) إليه، أن أصل المشكلة هي أن يرى البعض، أنه متميز عن البعض الآخر، ومن يفقدها سيشعر بالغبن والخسران وهذه مشكلة ثانية.

لقد سقط الشيطان بسبب ذاك التميّز، قال تعالى: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} (الاعراف/12)، وأوغل بنو أمية والعباس في دماء أولاد النبي (ص) بسبب التمّيز.

ومقننو القوانين وواضعو البرامج إن أرادوا لها النجاح، فإنها تحتاج إلى بيئة ومحيط يتناسبان كي تفلح وتنجح، وهذا أساس لنجاح أي قانون أو نظام، وإلا فسوف يكون حبراً على ورق ويوضع في الأرشيف، لذا كانت البيئة والمحيط مهمان لإنجاح أي برنامج أو نظام، فالأنظمة والدول التي تميز بين شعوبها على أساس عرقي أو لوني وما لا أساس له كفيل بفشل أي قانون، ولا تساعد هذه السياسة على إيجاد جو الوئام والمحبة بين أفراد أي دول أو نظام.

والإسلام رفع أول ما رفع شعار المساواة والعدالة وسعى إلى إرساء المحبة والوئام بين أفراده، واعتبر هذا تحدياً شبه مستحيل تطبيقه، لأن أفراده تشربوا العنصرية والتمييز العرقي ويمكن القول أن التباين بين أفراد المجتمع العربي آنذاك كان من المستحيل رفعه، وقد راهن أعداء الإسلام آنذاك من المنافقين والكفار واليهود والمشركين على الفشل الذريع الذي سيلاقيه النبي(ص)، في القضاء على التمايز الجاهلي والتفرقة التي كانت سائدة ولن أن يكتب له النجاح، ولا تحقيق الوئام ونشر المحبة بين أفراده مجتمع الدعوة.

مثال على ذلك

بدأ النبي(ص) بتطبيق مبادئ الإسلام بدقة، فانتشر سريعاً بين افراد المجتمع المسلم وسادت بينهم المحبة والاحترام والوئام، حتى صار المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء، من تلك المبادئ ما جاء عن سهل بن سعد أن النبي(ص) أُتي بشراب، فشرب وعن يمينه غلام وعن يساره الاشياخ، فقال للغلام: إن أذنت لي أعطيت هؤلاء، فقال: ما كنت لأوثر بنصيبي منك يا رسول الله أحداً، فتلّه في يده. (صحيح البخاري)

إن هذا التصرف من رسول اللّه كان تحقيقاً وتطبيقاً لمبادئ العدل والمساواة، وهي تعد عاملًا أساسًا من عوامل توفير المحبة والوئام في نفوس الناس.

  1. رفع الأنانية والحسد من قلوبهم، فجعل التهذيب الروحي والأخلاقي، والكرم والإيثار مكانها وترجم ذلك عملياً.

لقد أزال النبي(ص) من نفوس وقلوب متابعيه الأنا تلك العاهة الاجتماعية المدمرة، وجعل مكانها صفات وخصالاً تكاملية، ومن المعلوم أن القوانين الوضعية والحضارات البشرية منذ القدم وحتى اليوم لا تخاطب في قوانينها المادية الروح ولا تدعو لتهذيب النفس.

  1. التوجيه للأهداف العليا المشتركة

عندما نرسم أهدافاً لمسيرتنا، فإننا لا ننظر إلى صغائر الأمور، لذا اعطى الرسول للناس أهدافاً أكبر مما يملكون، والذين كانوا يتقاتلون على الكلاء والماء والمرعى وعلى أتفه الأمور، وجههم الرسول(ص) إلى هدف كبير فجمع عقولهم وقلوبهم على المحبة والوئام.

  1. أزال النبي(ص) ثقافة البغض والكره التي كانت سائدة آنذاك، وأرسى مكانها ثقافة الحب والمودة على قاعدة: أحبّ لأخيك ما تحبه لنفسك.

إن الثقافة التي تشحن قلوب أفرادها ومتابعيها بالكره والحقد والضغينة، أو السياسة التي تقوم على التحريض لن تحصد منها إلا الكراهية، انظر إلى الفرد الأمريكي فقد ربته دولته على أنه الفرد الأفضل والأكمل على هذا الكوكب، فثبت في اللاوعي عنده أن هؤلاء لا يستحقون الاحترام أو الشفقة أو الرحمة، بل عليه احتقارهم لأنهم أدنى مستوى منه، لذا تعامل وما زال يتعامل معهم على أنهم شعوب متخلفة.

قرأت في أحد كتب استفتاءات بعض اليهود لحاخام لهم، يسأله: لو وجدت أحد الأمميين ـ غير اليهود ـ واقعاً في بئر ماء، ويحتاج إلى مساعدة، فهل يجوز لي أن أساعده؟ فكان الجواب: كلا، بل عليك إخراج السلم إن وجد في البئر ليموت، هذه الثقافة مدمرة تحرض على الكراهية.

جاهلية العرب تعود من جديد

تجد التحريض على الكراهية في بلادنا الإسلامية هي سياسة الحكام الخونة، وبتوصية منهم فإن الكراهية تسري بين طبقات الناس كالنار في الهشيم، فعلى الصعيد المذهبي، مثلًا: هناك ثقافة داخل بعض أوساط الشيعة ضد السنة، وكأن السنة خارج الإسلام، كلهم في جهنم لا مكان لهم في الجنة فكلهم جاحدون، وفي أوساط بعض السنة تجاه الشيعة وأنهم مشركون مبتدعون مأواهم النار، هذه ثقافة تحريض على الكراهية، بوجودها لا يمكن أن تكون هناك وحدة أو وئام، لأنها تمنع هذا التوجه النفسي والقلبي.

نشر الإسلام ثقافة المحبة بين الناس، وإن اختلفت انتماءاتهم القبلية والمذهبية والمناطقية وحتى الدينية، الإسلام لا يعتبر من يغايرك في الدين عدواً يمنعك من التفاضل معه أو الإحسان إليه، إلا أن يكون معتديًا، قال تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} (سورة الممتحنة/ 8) والرسول يقول فيما روي عنه: من آذى ذميًّا فقد آذاني. إن إنتاج ثقافة المحبة، والترويج للمحبة بين الناس من شأنه أن يحقق الوحدة والالفة، وهذه ثقافتنا الإسلامية، كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام، الناس صنفان: إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق.(نهج البلاغة، في عهده للأشتر)

قصة صغيرة فيها دروس بليغة

ينقل عن أحد العلماء أنه رأى المرحوم السيد محسن الأمين (صاحب أعيان الشيعة) في سوق الحميدية بالشام، وهو في تشييع جنازة أحد علماء العامة.

قال: لحقته وسلمت عليه وصحبته حتى وصلنا إلى المسجد الأموي، فامتلأ المسجد بالمشيعين وتقدم السيد الأمين للصلاة عليه ـ بطلب من أولياء الميت ـ ولما أتمّ الصلاة ازدحم الناس عليه يحيّونه ويقبلون يديه. فتعجبت من ذلك وسألت السيد قائلاً: أو ليس هؤلاء من العامة!! فكيف طلبوا منك الصلاة على جنازة عالمهم؟ ثمّ كيف يقبّلون يديك وهم يغلمون بأنك من علماء الشيعة وشخصياتهم؟

فأجاب السيد: إن ذلك كله نتيجة الرفق بهم والمداراة طوال عشرة سنين، ثمّ واصل كلامه وقال: إني لما قدمت الشام أغرى بعض الجهال بي أشد المخالفين عليّ، ليؤذوني حتى إنهم علُّموا أطفالهم يرمونني في السوق بالحجارة ويسحبون عمامتي من رأسي أحياناً من الخلف، فصبرت على ذلك، وقابلت إساءاتهم بالإحسان، وآذاهم بالغفران، وشيّعت جنائزهم، وعدت مرضاهم، وتفقدت غائبهم، وعاشرت حاضريهم بوجه منطلق، حتى تبدّل البغض حباً، والعداء ودّاً والفرقة ألفة وانسجاماً.  

طرفة: سمع بعض الناس خطيبًا يتحدث عن حوض الكوثر وصفاته ومساحته، وعدد الكؤوس التي عليه، ثم تابع بالحديث عمن سيرده ويشرب منه، فاستثنى من ذلك اليهود والنصارى، بأنهم لا يشربون ولا يردون الحوض، ثم عرّج على أتباع المذاهب الاسلامية من غير الشيعة، فقال لن يردوه لعدم الولاية، ثم أشار إلى الذين يردونه من داخل أهل المذهب، فقال الفرقة الفلانية لا ترد والفرقة الفلانية لا تستحق، فقام له أحد الحاضرين وقال: إذن من يرد هذا الحوض، والله لن يرده إلا رسول الله(ص) والإمام علي عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام.

ورد عن إبراهيم بن شعيب قال: إنه سمع الإمام جعفر بن محمد الصادق(ع) يقول: سأل داوود النبي ابنه سليمان ـ ليعلم ما بلغ من الحكمة ـ قال له: يا بني أيّ شيء أحلى؟ فأجابه نبي اللّه سليمان: المحبة هي روح اللّه بين عباده.

نعم، التودد إلى كل الناس واصطناع الخير إلى كل الناس، وفي وصية للنبي(ص) أوصاها لعلي: يا علي، إذا أردت مدينة أو قرية، فقل حينما تعاينها: اللّهم إني أسألك خيرها وأعوذ بك من شرِّها. اللّهم حببنا إلى أهلها، وحبب صالحي أهلها إلينا. (مكارم الأخلاق ص٢٦٠)

ما أجمل أن نكون قدوة لغيرنا ومعلماً لكل من حولنا، بالأخلاق والقيم والمبادئ الإسلامية الحقة، التي تقرب ولا تبعد وتحبب ولا تبغض، ونحمل الشعار الدائم: أن نعفو عمن ظلمنا ونصفح عمن أخطأ معنا والله يحب المحسنين.

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2021/12/14   ||   القرّاء : 502


 
 

 

 

تصميم ، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

هيئة علماء بيروت : www.allikaa.net - info@allikaa.net