هيئة علماء بيروت :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> تعريف (3)
---> بيانات (62)
---> عاشوراء (59)
---> شهر رمضان (75)
---> الامام علي عليه (39)
---> علماء (12)
---> نشاطات (5)

 

مجلة اللقاء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> فقه (13)
---> مقالات (112)
---> قرانيات (54)
---> أسرة (20)
---> فكر (91)
---> مفاهيم (114)
---> سيرة (67)
---> من التاريخ (16)

 

كُتَاب الموقع :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> الشيخ سمير رحال (1)
---> الشيخ علي أمين شحيمي (1)
---> الشيخ ابراهيم نايف السباعي (1)
---> الشيخ علي سليم سليم (1)
---> الشيخ حسن بدران (1)

 

أعداد المجلة :

---> الثالث عشر / الرابع عشر (12)
---> العدد الخامس عشر (18)
---> العدد السادس عشر (17)
---> العدد السابع عشر (15)
---> العدد الثامن عشر (18)
---> العدد التاسع عشر (13)
---> العدد العشرون (11)
---> العدد الواحد والعشرون (13)
---> العدد الثاني والعشرون (7)
---> العدد الثالث والعشرون (10)
---> العدد الرابع والعشرون (8)
---> العدد الخامس والعشرون (9)
---> العدد السادس والعشرون (11)
---> العدد السابع والعشرون (10)
---> العدد الثامن والعشرون (9)
---> العدد التاسع والعشرون (10)
---> العدد الثلاثون (11)

 

الإستخارة بالقرآن الكريم :

1.إقرأ سورة الاخلاص ثلاث مرات
2.صل على محمد وال محمد 5 مرات
3.إقرأ الدعاء التالي: "اللهم اني تفاءلت بكتابك وتوكلت عليك فارني من كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك"

 

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا
 

 

 

 

 
  • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .

        • القسم الفرعي : فكر .

              • الموضوع : التركيبة الطائفية.. أزمة انتماء وهوية .

                    • رقم العدد : العدد الثامن عشر .

التركيبة الطائفية.. أزمة انتماء وهوية

 

 


التركيبة الطائفية..
أزمة انتماء وهوية

إعداد: الشيخ علي سليم سليم‏

هو بالتأكيد ليس نبشاً للماضي بكل مرارته وآلامه وهمومه وأحزانه، وبصماته التي خلفتها أحداثه ورسمت في الأذهان صوراً مختلفة يختلط فيها الذاتي بالموضوعي إلى حد التماهي، بين حقيقة ما جرى، وبين ما أطلق للمخيلة والأمزجة ما شاءت أن تتصور، من عنان. بقدر ما هو مراجعة ذاتية للذهنية الولادة للأزمات.
قلما تجد تحكيماً للموضوعية والمعايير الأخلاقية والنزاهة والأمانة العلمية، في تدوين سير الأحداث.. فالظروف الاقليمية والدولية والقوى المهيمنة، كانت دائماً تمسك بزمام التوجيه والتوظيف والقرار، يضاف إليها المصالح الذاتية الطائفية والمذهبية الضيقة...
فذهنية المبالغة في التمجيد لواقعيات الأحداث ورموزها وأبطالها، لا تختلف كثيراً عن حالة الاستحضار الدائم لعقدة الاضطهاد والحرمان، لشعب ما أو لفئة ما من الناس، أو نظرية المؤامرة في كل ما يحدث من مجريات.. ذلك أن القوانين الحاكمة في النتائج الميدانية المتمخضة عن الصراعات بشتى أنواعها، تتلقى كمحصلات بمعزل عن الركون إلى الحق أو الباطل، الانصاف أو الظلم، أو القيم الإنسانية الحضارية أو الوحشية المتخلفة.
«التاريخ الذي يكتب مرة واحدة هو التاريخ الاستبدادي. وهذا عمره قصير، قصر عمر الاستبداد. فالتاريخ المتجدد القراءة هو التاريخ الذي تخدم فيه معرفة الماضي تعيين لحظة التوازن في الحاضر ووجهة استشراف المستقبل» .
لذا ما سوف نعرضه من تشابكات الوقائع والأحداث في مراحل متقدمة جداً على نشأة الكيان اللبناني لا يهدف بالتأكيد إلى إثارة تحفظات وحساسيات من هنا أو هناك، إنما المراد الإضاءة على حقبات زمنية مرت على المكونات الديموغرافية والجغرافية لما اصطلح عليه فيما بعد الوطن النهائي لجميع أبنائه، أو موطن الآباء والأجداد والأبناء والأحفاد.. ولكي تعرف الأجيال حقيقة التاريخ، وأنى يكون ذلك ولكل طائفة كتاب تاريخ وأكثر، ولا يوجد كتاب موحد في تاريخ وطني جامع! عسى يأتي الزمن الذي نأمل بأن ننعم بأفياء وعي وطني تحترم فيه المواطنية للجميع على حد سواء، وندرك فيه حقيقة المخاطر المحدقة بهذا الوطن الذي ارتضيناه جميعاً، ولكي نحفظه لا بد لنا من أن نحدد وبشكل جدي العدو الحقيقي لهذا الوطن، والذي لا يألو جهداً في القتل والتدمير والتهديد والوعيد من أجل تحقيق أهدافه ومطامعه وفرض هيمنته ومشاريعه التاريخية الواضحة المرامي والغايات... وكيف يمكن أن ينكر على المقاومة التي ضحت بأثمن العطاءات وبذلت المهج لحفظ كرامة وسيادة هذا الوطن، حقها في التعبير في الاطار الوطني الجمعي، عن الانجازات الرائعة والملاحم البطولية التي سطرت والتي كانت أشبه بالأساطير لولا أننا شاهدناها بعيوننا وتلذذنا بحلاوة مجدها.. ولا يسعني سوى التمثل إزاء ذلك بقول الشاعر:
ولما رأيت ود الناس خبّا
 جزيت كل ابتسام بإبتسام‏


رغم أن مقاربة الأمور الوطنية والمصيرية لا تعالج بالمجاملة والشعر والأدب، بل بإعمال روح الوعي والحس الوطني الصادق بالمعنى الشمولي وهذا لا يتأتى إلا من خلال التحلي بالروح الوطنية والتربية السليمة التي تمحض الانتماء للوطن بالمعنى الواسع بعيداً عن التقوقع الضيق، والارتقاء إلى رحاب الوطن، وهو جدير بحمل الهوية والانتماء، بعدما أنجبل ثراه بدم بنيه، من أجل الدفاع عن النفس والأرض.. ومما يؤسف له أن ما حصل في العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز 2006 من وحشية لا نظير لها، كان من يتحدث بلغة اللامبالاة إزاء كل ما يحصل من قتل وتدمير وتهجير، وأن الحرب ليست حربه ولا يعنيه الأمر!!
وهذا لا يعني عند هؤلاء ضعف المناعة الوطنية، وسقوط الشعارات السيادية الفارغة وحسب، بل فيها من الدلالة ما يكفي على فقدان الحس الوطني، وضعف الانتماء الحقيقي وضياع الهوية وانعدام التربية الوطنية السليمة.
مفهوم المواطنة:
يعتبر مفهوم المواطنة أمراً معقداً لا سيما في بلد متعدد الأديان والطوائف والمذاهب وذي نظام طائفي كلبنان.
فالمواطنة في تحديدها المجرد والبسيط انتماء أفراد شعب محدد في رقعة جغرافية إلى وطن واحد لجميع أبنائه. وبالتالي ينتظم هذا الشعب ضمن حدود وطنه بمنظومة واحدة لها دستور وقوانين ومؤسسات وحقوق وواجبات. فهناك رابطة قانونية بين الفرد والدولة التي يقيم في ظلها بشكل ثابت، وتحدد هذه العلاقة عادة حقوق الفرد في الدولة وواجباته تجاهها.
من هنا تعتبر المواطنة الوعاء الكبير الذي يستوعب كل الاختلافات الناشئة عن العيش في بوتقة معينة، ويعطي الشرعية لتعددية المجموعات، والآراء والتيارات والأحزاب المختلفة مع الاحتفاظ لكل طرف بعاداته وتقاليده ونمط حياته واحترام الآخرين كذلك وكل خصوصياتهم.
وينبغي التفريق بين مفاهيم الانتماء والمواطنة والموالاة. فالانتماء حالة وطنية لا شعورية يتم تغذيتها بالتربية. المواطنة تتمثل بارتباط الإنسان بوطن وأن يملك حقوقها في ضوء القوانين المرعية لإدارة هذا الوطن.
إننا في أمسّ الحاجة إلى التربية الوطنية التي لا بد أن تركز على الانتماء الحقيقي والمواطنة الحقيقية، فليس بالضرورة أن تكون للنظام السياسي، لأن الانتماء والمواطنة أهم من النظام السياسي، فإن أي نظام يسعى لتدمير انتماء المواطنين ونمط حقوقهم من خلال تغييب الحرية وحقوق الإنسان والعدالة في توزيع الخدمات، بالتأكيد لن يستطيع أن يبني دولة تكون في مصاف الدول المحترمة، بل لن يكتب لها الدوام أو الاستقرار.
وتشتد الحاجة إلى إنماء روح المواطنة واكتساب ثقافتها خاصة في المجتمعات المتعددة الأديان والمذاهب كلبنان. من أجل خلق مناعة تحمي من الصراعات الداخلية والخارجية التي تستخدم المشاعر الدينية وقوداً لإشعال الفتنة الأهلية.
كيف تحولت الطوائف إلى شعوب‏:
عرف لبنان الانقسامات الطائفية والمذهبية، وما تجره من صراعات وحروب ونزاعات، منذ ما قبل ظهور الأديان السماوية. ولم تكد المسيحية تنتشر في ربوعه في بداية ظهورها، حيث تأسست أول مطرانية في صور قبل نهاية القرن الثاني، حتى نشبت صدامات دموية حادة بين أتباع الدين الجديد وكل من الوثنية كما حصل في بعلبك في عهد المطران شاودوسيوس الكاثوليكي، واليهودية كما حصل في صور في مذبحة عيد الفصح الشهيرة. وعندما عم انتشار المسيحية في لبنان، وتغيرت سياسة الدولة الرومانية حيالها وأعلنتها ديناً رسمياً للدولة في عهد تيودوسيوس (379 - 395)م، بدأت المسائل العقائدية والاختلافات الإيمانية تحتل دوراً هاماً في ظهور المذاهب المسيحية المتصارعة اعتباراً من القرن الرابع الميلادي بعد مجمع نيقيا 325م، والمجمع الخليقدوني 451م.
دور العثمانيين:
إن جذور العثمانيين القبلية، لعبت دوراً مهماً في نظرتهم إلى الشعوب التي يحكمونها.
«إن طاقاتهم الرعوية انتقلت فجأة من رعاة لقطعان إلى حكام الامبراطورية، ومثل كل البشر، فإن الحلول التي استعانوا بها لمواجهة المشكلات التي استجدت عليهم، كانت متأثرة بتجاربهم السابقة، فما زال عالقاً بتفكيرهم أنهم رعاة، وكل ما في الأمر أن قطعانهم لم تعد من الماشية، بل من البشر.
إن السياسة التي اعتمدها العثمانيون في المناطق المحتلة، ساهمت في إذكاء الشعور بالانتماء المذهبي عند رعاياهم عموماً وفي لبنان على الأخص، وأعطت دفعاً كبيراً لعملية تحول طوائفه إلى مجموعات متباينة لكل منها تنظيماتها وسياستها ومسيرتها الخاصة.
إن أهم ما ساعد على هذا الاتجاه الخطير في مسيرة الطوائف اللبنانية نحو التحول إلى شبه دويلات مستقلة ذاتياً في جسم الدولة الضعيف والمنهك هو مجموعة من السياسات والتدابير التي سهلت حصول هذا الأمر، ولم تشكل عائقاً يحد من ديمومته واندفاعه .
يعجب بعض الكلام السياسي اللبناني من عدم التسليم، بداهة، بشعار السيادة والاستقلال، مثلما يستهجن التكلؤ الذي يبديه بعض لبناني آخر، في مجال الانصراف إلى بناء وقائع «شعارات» وفق وصفة تبسيطية، فيها الاستنساب والعجلة والآنية، التي تخالف السياق التاريخي لقيام الكيان اللبناني، ولا تنسجم مع التطورات اللاحقة التي رافقت مسيرته السياسية.
لدى تفكيك الشعار نجد، وقائعياً، استقلالاً ناقصاً، وسيادة معطوبة. في الميدان الاستقلالي، يتجلى النقص على صعيد بنيوي، أولاً وفي الأساس.
هنا يجب ألا يغيب عن الذاكرة «السيادية - الاستقلالية»، الأصل الخلافي للنشأة الكيانية اللبنانية. لم تحجب المجموعات اللبنانية، التي جرى «حشرها» في دولة لبنان الكبير، هواجسها واختلافاتها، التي لم تختص بها مجموعة أهلية دون أخرى، بل توزعت، بوتائر مختلفة، على سائر المجموعات. نجم عن الاستقلال الناقص، نشأة نواقص استقلالية طاولت المتفرعات الحياتية اللبنانية عموماً. حتى اللحظة، ما زال تعريف الاستقلال «مبهماً»، وما زالت الاستقلالات الطوائفية، أشد رسوخاً منه! أما بناؤه فتعثر، وما زال على تعثره، نظاماً وثقافة وسياسة واقتصاداً واجتماعاً، وديمقراطية .
احتفظ لبنان خلال مرحلة طويلة من تاريخه بطابع «مميز» في بنيته الاجتماعية وتعدد طوائفه الدينية، دون سائر بلدان الشرق الأدنى. وقد أخذت الطائفية، بمضمونها السياسي، وضعاً قانونياً تسرب إلى أنظمة الحكم منذ قيام نظام القائمقاميتين في الجبل سنة 1842، الذي شكل كيانين طائفيين تم الاعتراف بهما في نص رسمي في نظام شكيب أفندي، بإرادة سلطانية سنة 1846.
وقد ساعد على قيام هذا الوضع الطائفي تدخل الدول الكبرى السياسي، لدى الطوائف اللبنانية، عبر ممثليها الدبلوماسيين والقنصليين، والديني، عبر الإرساليات الأجنبية، الكاثوليكية والإنجيلية والأرثوذكسية، في ظل تواطؤ مريب من السلطات العثمانية. وكانت ذريعة هذا التدخل الأوروبي حماية الطوائف المسيحية وإنقاذها من الجور العثماني، وقد اتخذت اتفاقات الامتيازات الأجنبية لها سبباً ومظلة. فنشرت فرنسا حمايتها على الموارنة، ودخل الروم الأرثوذكس في عهدة قيصر روسية، وترجّح الروم الكاثوليك بين الحمايتين الفرنسية والنمساوية، وأما الدروز فانضووا تحت لواء التاج البريطاني، وأما المسلمون، ولا سيما السنّة منهم، فقد بقوا في رعاية السلطان، رئيسهم الشرعي بينما الشيعة بقوا بلا ظهير.
وكرّس هذا التقسيم الطائفي في النظام الأساسي لمتصرفية جبل لبنان سنة 1861، وكذلك في بروتوكول 1864. وانتقل الجبل منذ ذلك الحين من النظام الإقطاعي إلى نظام طوائفي، نصاً وممارسة، مموهاً بتقاليد إقطاعية راسخة الجذور.
إن التركيبة السوسيولوجية الاجتماعية للمجتمع اللبناني تمتاز بالتوزيع الطائفي المناطقي والتعدد المذهبي الاجتماعي بين السكان ضمن هذا المجتمع الصغير بمساحته وجغرافيته، حيث يتكون المجتمع اللبناني من طائفتين كبيرتين المسلمين والمسيحيين، موزعين على 18 ملة من المذاهب عبر هاتين الطائفتين الأساسيتين ضمن البلد الواحد. غير أن الانتشار المناطقي لهذه الطوائف وفق مكان تواجدها قد أضفى ميزة للمجتمع اللبناني، حيث تعرف كل منطقة باسم الطائفة التي تقطنها، وشكلت بيئتها الاجتماعية الخاصة وفق العادات والتقاليد والطقوس الدينية التي تمارسها بنية كل طائفة السكانية. وهذا ما أضفى ميزة للمجتمع اللبناني، كون لبنان هو البلد الوحيد الذي استطاع تكوين نظام سياسي توافقي، استطاع مواطنوه أن يؤسسوه وفقاً لصياغة العيش المشترك والاعتراف بالآخر وفق الاحترام لخصوصية كل طائفة ومبادئها الدينية والاجتماعية.
وقد تكرس هذا الاتفاق عبر المواثيق الدستورية وصياغة التوافق القائم على مبدأ العيش المشترك والاعتراف بالآخر وفق النصوص الدستورية والقانونية، وفق خصوصية كل طائفة، وقد تكرس ذلك مؤخراً من خلال ميثاق الطائف الذي كرس مبدأ التوافق الطائفي السياسي في النظام المحلي للمجتمع.
إلا أن التركيبة الطائفية في ظل المجتمع اللبناني ليس وليدة التركيبة المعاصرة لهذا المجتمع، إنما تعود جذورها قديماً إلى عهد المتصرفية في ظل نظام الملل العثماني الذي تم عبر تقسيم لبنان إلى قائمقاميتين منحت عبرها للطوائف في لبنان، حقوقاً إدارية وتمثيلية في مجلس إدارة جبل لبنان. وهذا ما سمح للعوامل الخارجية في استغلال هذا التقسيم الطائفي وإثارة النعرات الطائفية وإحداث الخلاف الطائفي بين أبناء البلد الواحد، عبر تأجيج النفوس بين الطوائف، وضد بعضها البعض. ولا سيما عبر مرحلة الاستعمار الفرنسي والذي شكل إعلان دولة لبنان الكبير وإعلان مضمون دستوره، نجد استمرار التمثيل الطائفي في النظام السياسي اللبناني، الذي كرس تمثيل الطوائف باعتبارها جماعات سياسية واجتماعية، وخاصة عبر منح كل طائفة حقها بالتمثيل السياسي والإداري، إلى جعل كل طائفة وحدة قائمة بذاتها اجتماعياً وتربوياً وصحياً واقتصادياً، وهذا ما رسخ عبر الزمن التضامن ضمن الطائفة الواحدة عبر تضامن اتباعها وشد أواصر اللحمة بين اتباع الطائفة الواحدة، وهذا ما تم عبر تولي هذه الطائفة تأمين مستلزمات عناصرها المعيشية والحياتية واليومية، وخاصة خلال الفترة التي انهار فيها الكيان اللبناني ومؤسساته الرسمية عبر الحرب الأهلية التي دامت أكثر من 15 سنة، تعزز لدى المواطن انتماؤه الأولي لطائفته على حساب انتمائه العضوي والمدني لدولته ولكيانها .
الطائفية السياسية:
وهي تعني اعترافاً من السلطة المركزية باستقلال الطوائف في لبنان في بعض الميادين السلطوية وأهمها على الإطلاق كل مواد الأحوال الشخصية والتعليم فيكون لكل طائفة قوانينها ومحاكمها. وهو ما ينص عليه الدستور باحترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية. وهي تعني أيضاً مشاركة الطوائف في تكوين أجهزة الحكم المركزية والاكتفاء بإلغاء الطائفية السياسية يعني إلغاء هذه المشاركة مع الإبقاء على الكيانات الطائفية وحقوقها ومصالحها وقوانينها الخاصة وأنظمتها .
ولا ينكر دعاة الطائفية الإقرار أن دورها سلبي في بناء الدولة وفي تركيز أركان الوطن.
إلا أنها بتأصلها تاريخياً وفكرياً واجتماعياً في عمق ضمير اللبنانيين وفي تقاليد المجتمع اللبناني وفي نسيجه أصبحت بمثابة شر لا بد منه وأن إلغاء هذه البنية، بأي شكل من الأشكال، سيخلّ بالتوازن القائم ويدخل البلاد في طريق المجهول.
ولكن اتفاق الطائف سنة 1989، جاء يكرّس وجودها من جديد، نصوصاً في الدستور الجديد. وأوحت الشعارات المتكررة: المرحلية والمؤقتة وإلى أن تحين الفرص المناسبة وغيرها من المترادفات اللغوية الطوباوية، أن اللبنانيين لا يستطيعون عنها انفكاكاً.
إن استمرار البنية الطوائفية منذ أكثر من مائة وخمسين سنة يدل على أنها تلاقي استجابة وقبولاً لدى اللبنانيين وقلما حاولوا الخلاص منها والتمرّد عليها. ولعلّ ما يدفع بعضهم إلى قبول هذا الواقع اقتناع هؤلاء بضرورة هذا النظام وإن كان شراً لا بدّ منه، أو عن سوء تقدير لنتائج ممارستها، أو عن خطأ في قراءة الأحداث وتفسيرها. كما أن ارتباط مصالح بعض أولي الأمر الذاتية بهذا النظام كان أحد الأسباب الأخرى لاستمراريته.
نظريات مؤيدي النظام الطائفي في بناء الدولة الحديثة:
تقوم نظريات هذا الفريق على فلسفة اجتماعية تعتمد الذرائعية البراغماتيسم، وتنادي بعدم انكار الواقع الطائفي في لبنان وهو، حسب رأيهم، ذو أصول تاريخية عميقة الجذور. وتستند هذه النظريات إلى الأهداف المعلنة والخفية التي نادت بها الإرساليات الأجنبية ورسختها في أذهان النش‏ء اللبناني. وقد رفع لواءها عدد من المستشرقين الذين انخرطوا في العمل السياسي على حساب البحث العلمي المتجرد. وتعمل هذه النظرية على الفرز المذهبي واعطاء الطوائف المسيحية، بصورة عامة، شخصية مميزة تكون ذات اتجاه أوروبي وثقافة غربية، بدأ العمل لها في عهد السلطنة العثمانية، في الوقت الذي بقيت فيه الطوائف الإسلامية في لبنان شرقية العادات والتقاليد، عربية الثقافة والانتماء.
ومنذ ذلك الحين بدأت عقدة الانفصام اللبنانية.
لقد ترك لنا الفرنسيون دولة يصعب بناؤها، ومجتمعاً يستحيل توحيده، بسبب الشروخ العميقة في الجسد اللبناني، غير القابلة للعلاج، ومواطناً لم يشعر يوماً بأنه شخصية مستقلة، تتمتع بالحد الأدنى من العصبية الوطنية التي يشعر بها المواطن في أي بلد في العالم حتى صحت فينا المقولة التي يرددها العالم أجمع: ليس هناك لبناني واحد يمكن أن يبيع وطنه إذا كان بإمكانه أن يعرضه للإيجار.. ما دام عقده مع الأرض غير مسجل وما دام عقده مع المواطن الآخر غير موقع . أية دولة هذه التي يراد بناؤها ولما يحدد فيها بعد وبشكل حقيقي عدوها القومي ولا التاريخ الذي يدرس للأجيال. فهناك أكثر من عشرين سلسلة من كتب التاريخ المدرسي المعتمدة في لبنان حسب ما ذكر مسعود ضاهر في دراسة نشرت في جريدة النهار - 7 أيلول 2009.
ولكن الطائف يحمل بداخله مواد متناقضة تجعل منه اتفاقاً مؤقتاً لبلد يعشق المؤقت بانتظار مخلص أن يأتي.. إنها مشكلة طوائف عندما تغيب إحداها تسيطر الأخرى على مواقعها، وعندما تعود الأولى، لتنزع ما كان لها يقع صدام سياسي أو عسكري .
جميع المواثيق في تاريخ لبنان فرضت مثلما فرض اتفاق «الطائف» ففي سنة 1840 ونتيجة الانهزام المصري بعد حملة إبراهيم باشا وسقوط حليفه الداخلي بشير الشهابي الثاني ونفيه وعدم قدرة أي من الشهابيين على خلافته - رغم إصرار بطريرك الموارنة يوسف حبيش على إعادته وبمعونة الفرنسيين، ولم يفلح في ذلك - والخلاف الكبير بين الموارنة والدروز، فرض نظاماً هجيناً غريباً يحلم البعض اليوم بعودته وهو نظام «القائمقاميتين» إلى نظام «المتصرفية» 1861. الذي تم بموجبه تدويل لبنان منذ ذاك الحين وإلى الآن.
اعترف نظام المتصرفية المعدل سنة 1864 بشكل صريح وللمرة الأولى بمسألتين رافقا كل الدساتير وأنظمة الحكم في لبنان، الأولى هي الاقرار بدور الطوائف والمجموعات الروحية في إدارة الشأن اليومي، وهذا ما سينعكس حكماً على مفهوم المواطنية التي سترتبط ارتباطاً وثيقاً بالطائفة. أما المسألة الثانية فهي الدور الخارجي في إدارة الداخل . والمفارقة أن الطائفة الشيعية، لم يكن لها تشريع خاص معترف به رسمياً قبل العام 1926 حتى بقوا إلى الأمس القريب على هامش كتاب الطوائف في بلد يعج بالطوائف ويتنفس طائفياً.
تمكن الفرنسيون، في السنوات الأولى من (الانتداب)، من وضع الأسس والقواعد التي قامت عليها الإدارة اللبنانية الجديدة. فأعيد أول الأمر، تنظيم الدرك اللبناني الذي أنشئ في عهد المتصرفية، كما أعيد تنظيم فصائل الشرطة في بيروت وهي من مخلفات العهد العثماني..
ففي سنة 1920، تم توسيع الأراضي اللبنانية لتشمل المناطق الساحلية والداخلية المتاخمة لجبل لبنان .
غير أن مساحة الأرض التي ألحقت بلبنان ضاعفت تقريباً مساحته وزاد عدد سكانه بما يقرب من مئتي ألف نسمة معظمهم من المسلمين الشيعة الذين كانوا يسكنون في مناطق مهملة ومتأخرة اقتصادياً واجتماعياً .
اعترضت الأكثرية المسلمة في المناطق المضمومة على هذا الاجراء ورفضت قبوله كترتيب نهائي إذ كان هؤلاء المسلمون، ولا سيما السنيين منهم، يرون أن انضمامهم إلى دولة لبنانية يسيطر عليها المسيحيون يهدد بفصلهم فصلاً تاماً عن العالم العربي - الإسلامي الذي ينتمون إليه. فما أعلن لبنان الكبير حتى هب المسلمون في بيروت والبقاع ومناطق طرابلس وصيدا وصور إلى المعارضة، فأعلنوا مقاومتهم للانضمام وطالبوا بإلحاق مناطقهم بسوريا. ووجد المسلمون في موقفهم هذا بعض التأييد من الأرثوذكس وغيرهم من المسيحيين اللبنانيين الذين ما زالت تستثيرهم فكرة القومية العربية بمفهومها العلماني... ومع الأيام أقلع جانب كبير من الشيعة عن مقاومة الدولة الجديدة. إذ أدركوا تدريجياً أن وضعهم كأقلية كبرى في لبنان خير لهم من وضعهم كأقلية صغيرة في دولة سورية شاملة .
يقول الصحافي اسكندر رياشي عن دور الطائفة الشيعية والدعم الذي قدمته لاستقلال لبنان «إنها لعبت الدور الأهم في ترسيخ وتثبيت لبنان كدولة بعد الانسحاب الفرنسي من لبنان».
ومع ذلك فإن المجتمع الشيعي لم يحصل على حصته من المواقع التي تتناسب وحجمه  أسوة ببقية الطوائف الأخرى الأمر الذي أدى إلى وضعه خارج المعادلة السياسية، رغم التعاون الذي أبدوه وقبولهم بالانخراط في البوتقة الجديدة للدولة الجديدة التي أعطيت إذناً بالخروج من لبنان منذ تأسيسه!
وربما يعود السبب في هذا الوزن الخفيف للطائفة الشيعية إلى أنها تركت بلا حماية وبلا ظهير خارجي قروناً... لأنه هكذا هو لبنان ولا يزال.
فمن المعلوم أن التركيبة الاجتماعية اللبنانية تركيبة طائفية ما قبل الطائف وقد تحولت إلى تركيبة مذهبية بعد الطائف بشكل أكثر حدة. والذي لم يزل موضع خلاف فهماً وتطبيقاً.
كان ميشال شيحا (ت 1954) الذي أوكل إليه وضع مسودة الدستور، من رأيه أن الحفاظ على الكيان اللبناني يستحيل ما لم تفهم العلاقات التقليدية بين الطوائف اللبنانية المختلفة وتعطي حقها من الاعتبار... وقد جاء الدستور يكرّس هذا المفهوم .
ومما ساعد الدول الأوروبية الكبرى على ترسيخ هذه البنية الطائفية تحول نظام الملل الذي وضع في مراحل الإصلاحات العثمانية، ولا سيما في خطي شريف كولخانة (1839) والخط الهمايوني (التنظيمات الخيرية، 1856) إلى نظام الأقليات الذي كان معتمداً في أوروبا، وبما كان يتضمن من مفاهيم ومقاييس غامضة، متشابكة بين العرق والدين. وما لبث هذا النظام أن اندمج في الوضع القائم في الجبل، ما أدى إلى اعتبار الطوائف اللبنانية أقليات حسب المفهوم الأوروبي.
وهكذا تحولت الطوائف اللبنانية من طبيعتها الدينية الروحية، إلى أطر سياسية ذات دور هام في نظام الحكم في البلاد.
ومن أبرز وجهات نظر اللاطائفيين قولهم إن النظام الطائفي، بتركيبه الفكري والاجتماعي، غير مؤهل بل لا يستطيع أن يتماشى مع مقومات الدولة المدنية الحديثة، بل أنه سبب بارز من أسباب تعطيل عملها وشلل مؤسساتها، ويقدمون دلالات عديدة على ذلك منها تكاثر المعضلات السياسية والاجتماعية في البلاد وتعقيداتها، وحدوث أربع انتفاضات سياسية واجتماعية زعزعت أركان الدولة، وقد تمت في حدود جيل واحد من عهد الاستقلال (1943 - 1975). وهي أحداث سنة 1952 وسنة 1958، ومحاولة انقلاب سنة 1961 ثم بداية حرب الخمس عشرة سنة (1975 - 1990) وهذه الأحداث بتعاقبها في بلد برلماني ديمقراطي مثل لبنان تؤكد فشل التجربة الطائفية.
ويرى أن هذا النظام غير قادر على ضمان الأمن والاستقرار في البلاد بفعل تعارضه مع قواعد الديمقراطية وأسس بناء الدولة الحديثة، ولأن مقولة الطائفيين بأنه يضمن المشاركة في الحكم لجميع الفئات ويؤمن التوازن في ما بينها هو ضرب من الوهم، لأن هذا التوازن معرض باستمرار إلى الخلل بفعل طغيان فئة على الأخرى أو بسبب مركزها الراسخ في مؤسسات الدولة، أو بفضل قدراتها المالية والاقتصادية نتيجة التطور الديموغرافي السريع الذي يشهده لبنان لدى بعض الطوائف، ولا سيّما الإسلامية منها ورغبة أبناء الطوائف الأخرى المسيحية، بوجه خاص، في الهجرة إلى الخارج طلباً لحياة أكثر رخاء وأوسع أفقاً وأملاً.
وهذا الواقع الديموغرافي يفسر في الأجواء الطائفية السائدة تردد الدولة اللبنانية في إجراء أي إحصاء منذ خمس وستين سنة، أي منذ آخر إحصاء تم سنة 1932، خلافاً لما يحصل في جميع بلدان العالم، حيث تتم عمليات إحصاء بصورة منتظمة مرة أو مرتين كل خمس أو عشر سنوات.
ويبدي مؤيدو النظام الطائفي حججاً أخرى لتسويغ موقفهم بالقول أن التعددية الطوائفية، على مساوئها، تعتبر صمّاماً لسلامة البلاد، فتحمي المواطنين من تسلط طائفة على الأخرى أو الاستئثار بالسلطة، وإنها هي التي حالت دون وقوع لبنان في تجربة نظام الحزب الواحد وفريسة الانقلابات العسكرية التي عرفتها بعض البلاد العربية وبلدان العالم الثالث بوجه عام بعد الحرب العالمية الثانية. ويعزّز هؤلاء وجهات نظرهم بالقول إن النظام الطائفي اليوم يعتبر درع النظام السياسي الذي يحمي المؤسسات اللبنانية، وقلعته الصامدة في الذود عنها. ويشترط ميشال شيحا لنجاح هذا النظام وتجاوز سلبياته أن يقوم على أسس توافقية واضحة بتناسق تام بين الطوائف جميعاً.
ويطيب لأصحاب هذه النظريات توضيحاً لمفاهيمهم هذه مقابلة التعددية الطائفية بجوقة موسيقية تقوم على تعدّد آلاتها الوترية والنحاسية... التي تستطيع على اختلاف أنواعها وطبيعة عملها أن تعطي بفعل التنسيق في ما بينها نغماً جميلاً فطرياً.
ولم تكن الحال عليه أقل سوءاً في حقبة الاحتلال الفرنسي للبنان. فإلى الآن لا يزالون يعتبرون أن كل مسلم هو عربي، وأن المسيحي لا يمكن أن يكون عربياً، ولا تزال نظرة التعالي إن لم نقل نظرة الاحتقار موجودة عند الكثيرين من الأوروبيين، وكذلك العنصرية الموجهة بالذات ضد كل ما هو عربي.
يقول الإمام عبد الحسين شرف الدين في كتابه «صفحات من حياتي»: «ثم كانت لنا مواجهات مع المستعمرين الفرنسيين: كيليو وغورو وشربنتييه ودكستر ونيجر، وقد حضر بعض هؤلاء إلى صور وفاوضونا دون خجل في أن تكون لنا الإرادة المطلقة في أسس الحكم المحلي وفي التعيينات» إلا أن السيد شرف الدين وهو أحد أعمدة الفكر الوطني الذي عمل على تحقيق الوحدة الوطنية بين أبناء الوطن اللبناني في سبيل تحرير الوطن وتخليصه من الاستعمار. رفض مشروع تحويل المنطقة إلى كيانات سياسية مجزأة، وكان جزاء كل ذلك، أن ترك الجنوب لقمة سائغة لإسرائيل، تمعن فيه قتلاً وتهجيراً وتدميراً.
وكان أبلغ وصف حال أهله، في رسالة وجهها السيد شرف الدين على أثر اعتداءات الصهاينة على جنوب لبنان، إلى الرئيس بشارة الخوري:
«وحسبنا الآن نكبة جبل عامل في حدوده المتاحة ودمائه المباحة وقراه وقد أصبح فيها نهباً، وأطفاله. قد تأودت رعباً، وشبابه وقد استمر بهم الفتك، إلى ما هنالك من هلاك الحرث والزرع، هذا الجبل المرابط يدفع جزية الدم لشذاذ الآفاق من كل من لفظته الأرجاء ونبذته الأرض والسماء... هذا الجبل يقوم بما عليه من واجبات ولا يعطى ما له من حقوق كأنه الشريك الخاسر، يدفع الغرم ومن الغنم يحرم، أجل جاسوا دياركم يتصرفون بها تصرف الفاتحين، فإذا لم يكن من قدرة على الحماية أفليس من طاقة على الرعاية؟ وإذا لم تؤد الحقوق فلماذ يستمر العقوق؟ وإذا قرأتم السلام على جبل عامل فقل السلام عليكم وعلى لبنان».
احتفظت فرنسا بإدارة لبنان الكبير إدارة مباشرة بواسطة حاكم فرنسي، طوال ست سنوات، أي حتى إعلان الدستور اللبناني سنة 1926 م. معلّلة ذلك بوجود الانقسامات الطائفية الحادة فيه، ونظراً لما سبق، فإن أقل ما يقال عن هذا التعليل أنه عذرٌ أقبح من ذنب! لأن الانقسام الطائفي هو حصيلة السياسة الفرنسية في الشرق منذ أيام لويس الخامس عشر، ونتيجة التعاون المطلق بين السلطات العسكرية الفرنسية والإرساليات الأجنبية وخاصة الكاثوليكية، التي غذت الطائفية وأوجدت الفروقات الاجتماعية بين اللبنانيين، واستمرَّت في سياستها هذه، بل زادت حدّة مع إعلان دولة لبنان الكبير، في حين أنها كانت فرصة تاريخية لتوحيد اللبنانيين، لو أرادوا بمشاركة المسلمين مشاركة عادلة وفعلية بإدارة الدولة الجديدة، ولكنهم بدلاً من ذلك، عملوا على توظيف وتعيين خريجي جامعاتهم ومدارسهم على رأس الإدارة اللبنانية الجديدة وفي المراكز الحساسة، لاستمرار سيطرتهم ونفوذهم الاجتماعي والسياسي على البلاد. ويؤكد اسكندر رياشي ذلك بقوله: «90 بالمئة من السكرتيريا تلاميذ الجزويت واللعازاريين ومدارس الفرير» .
واقع الموارنة:
أما الموارنة فإن أصولهم الفلاحية وافتقار بنيتهم الاجتماعية إلى عائلات نافذة أو عشائر قوية، وانغماسهم في الخلافات والانقسامات الدينية التي لم تعرفها المذاهب الأخرى من دروز وشيعة وبعدهم عن الاهتمام بأمور الحكم والنفوذ السياسي، حصرت عصبيتهم المذهبية في الخضوع لرؤسائهم الدينيين، وأولهم البطريرك قبل أن يبدأوا في وقت متأخر، بتعاطي الأمور السياسية والعامة، عن طريق المدبرين الذي كانوا غالباً من الموارنة، وبتشجيع ودفع من التنظيمات الرهبانية والكنيسة الغربية، أو المتأثرين بها. فلما شعروا بحاجتهم إلى زعيم مدني لم يكن أمامهم سوى البحث عنه بين أفراد العائلات النافذة المسلمة الذين قبلوا أن يتنصروا .
إن حدة هذا الصراع الذي كانت قيادته من أهم واجبات البطريرك ورهبانه، منحتهم ولا شك دفعاً إضافياً. عزز نفوذهم العام في أوساط الطائفة على حساب المقدمين في القرى الذين كانت تنقصهم المعرفة الدينية والخبرة والمراس، على المجادلات الكنسية التي تزداد رواجاً في مثل هذه الظروف، وفتحت للبطريرك الباب واسعاً، أمام طلب المعونة من الكرسي الرسولي في روما التي استجابت بحماس وأرسلت في فترات متعاقبة قصاداً وكهنة ليقوموا بتحصين الموارنة أمام التعاليم الخطرة، ولتأكيد الولاء الماروني للكرسي الرسولي وتثبيته، مما عزز هذه العلاقات ودفعها إلى أن تترسخ وتتشعب لتتجاوز الدين إلى أمور معيشية وسياسية عامة.
كان البطريرك الماروني بحكم مركزه الديني الكبير وسلطته الكهنوتية التي تتمتع بالتنظيم والخبرة والعلم وإمكانياته المالية الضخمة، يمارس بالإضافة إلى دوره الديني، نوعاً من السلطة السياسية التي تعاظمت باطراد مع الوقت، على حساب الزعماء الزمنيين، الأمر الذي جعل التنافر بينهما حتمياً، مما حدا بأكثرهم أهمية وهو مقدم بشري إلى حد الخروج من كنيسة البطريرك والانضمام إلى صفوف الكنيسة المنافسة.
إن دور الكنيسة القيادي عند الموارنة قد تطور مع الزمن وأصبح أكثر رسوخاً وثباتاً وشمولية، على عكس ما حصل لدى الطوائف الباقية، حيث لم يتوقف تراجع الدور السياسي لرجال الدين لحساب العائلات ورؤساء العشائر الكبيرة.
كان للكنيسة المارونية جهاز إكليركي يزداد مع الزمن تنظيماً وخبرة وفعالية، خصوصاً بعد توثيق العلاقات مع روما، وما نتج عن ذلك من انتشار التعليم وتوافد القصاد الرسوليين، وغزارة المساعدات الأوروبية المادية والتوجيهية والسياسية. وقد انتشر هذا الجهاز النشيط بفعل مهامه المتشعبة في كل مناطق التواجد الماروني وكان على احتكاك دائم بجميع المؤمنين بحكم سلطاته الطقسية والقضائية والرعوية. وقد وظفت كل هذه الإمكانيات لمصلحة تعزيز قيادة الكنيسة ورئيسها للأمور الدينية والدنيوية على السواء.
تمتعت الكنيسة المارونية بوضع اقتصادي ممتاز مكنها من إدارة مؤسسات ذات طبيعة عامة، حتى غدت رب العمل الأول عند الطائفة. ودخلت في معظم مجالات الأنشطة الزراعية والتجارية والثقافية والخدماتية، ولا بد من الإشارة إلى تأثير المساعدات المادية الضخمة التي كانت الكنيسة المارونية تطلبها بإلحاح واستمرار، وتتلقاها من مختلف الهيئات والتنظيمات الكاثوليكية في الخارج.
تضافرت هذه العوامل جميعها، لتعزز من سلطة الكنيسة الزمنية، وتجعل منها المؤسسة القيادية الأهم والأوسع، بالإضافة إلى سلطتها الروحية المعترف بها من الجميع، على كل أبناء الطائفة، ولما نمت قوة بعض العائلات المارونية، وتنامى دورها، بعد انحسار النفوذ الشيعي عن جبل لبنان، وسقوط الإمارة الشهابية المتنصرة، وجدت نفسها في تنافس حاد مع الكنيسة تحول في بعض الظروف إلى عداء وتصادم .
واقع المسلمين:
لم يميز علماء جبل عامل إلى حد كبير بين مهامهم الدينية البحتة ودورهم السياسي والعسكري في محيطهم، فتمثلت في البعض منهم وفي وقت مبكر، الزعامتان السياسية والدينية في آن واحد. فلم يكن غريباً أن يشارك رجل الدين في القتال، ويقود الجيوش ويشعل الثورات، حتى اشتهرت منهم عائلات جمعت القيادتين الدينية والسياسية في وقت واحد، ثم تراجعت القيادة الدينية وتركت مكانها لسيطرة الإقطاع».
أما عند الدروز فقد أثرت الصلات القائمة بين زعمائهم والحكومة المركزية الإسلامية في دمشق، إلى حد كبير في تركيب المجتمع الدرزي وبنيته وتراتبيته. فتركزت السلطة بين يدي الإقطاعيين المحاربين وتقدموا على «العقال» في زعامة الطائفة، وجعلوهم أعواناً لهم وخداماً لمصالحهم. بينما يرى مؤرخ أوروبي أقام طويلاً بينهم في القرن التاسع عشر «أن الدروز لا يزالون يخضعون للحكم التيوقراطي، أي حكم رجال الدين حتى اليوم» ولعل ما يقارب بين النظرتين المتناقضتين أن اعتقادات المذهب الدرزي وتراثه وأعرافه تمنح كل زعيم درزي إقطاعي، مسحة دينية غامضة غير محددة إلا ربما عند بعض العارفين.
إن واقع الشيعة الجغرافي ألزمهم بالسعي إلى إيجاد تواصل بين مناطقهم ليجعلوا منها وحدة متصلة ومترابطة تتمتع ببعد أوسع، يمنحهم مزايا حربية واقتصادية وسياسية عديدة ومهمة، كانت منطقتا شمال لبنان والبقاع متجاورتين لا يفصل بينهما أي حاجز إداري أو بشري. خلا الطبيعة القاسية المسيطرة على قمم الجبال عند انحدارها إلى السفوح الشرقية. ورغم أنها كانت عموماً غير صالحة للسكن الدائم، إلا أن سكانها من الشيعة استطاعوا التغلب على هذه المصاعب، بقوة تحملهم وتعودهم  على شظف العيش، فأنشأوا شريطاً من القرى على الجانب الشرقي للجبل يبدأ من الهرمل شمالاً، حتى حزرتا جنوباً، مما جعل الحدود بين المنطقتين متداخلة والتواصل مستمراً ودائماً.
ولم يكن الأمر كذلك بين البقاع البعلبكي، وجبل عامل، فهناك فاصل بالغ التعقيد هو البقاع الغربي الذي كان في البدء خارجاً عن سلطة الحرافشة. ولم يكن الوجود الشيعي غالباً على سكانه إلا أنهم تمكنوا بعد وقت وجيز من السيطرة على كامل سهل البقاع حتى تخوم جبل عامل ووادي التيم .
التوزع السكاني في الجغرافيا اللبنانية يثير الدهشة اليوم:
فالتوزع الديموغرافي السني هو بالأساس أكثر تداخلاً مع الطوائف الأخرى من التوزع الديموغرافي الشيعي الذي له أسبابه التاريخية. فعملية النزوح قد اكتملت ونقاء المناطق يكاد يصير مبرماً. والجغرافيا اللبنانية هي بالاسم لبنانية، فيما هي مناطق محسومة الانتماء، بقاعاً وجنوباً وشمالاً وجبلاً، على هذا الأساس صارت حبة التراب اللبنانية ذات هوية ويخشى عليها. ألم يحارب وليد جنبلاط شراء عقارات شيعية في مناطقه، ألا يحارب المسيحيون بغلو تملك العرب في بعض مناطقهم.
كان يراد للمسلمين اللبنانيين أبان تأسيس الكيان اللبناني الجديد، أن ينصاعوا للإرادة الدولية في ما تريد تحقيقه من مشروعها العتيد، وأن يرضخوا لمشيئتها في تقبل فكرة إنشاء الوطن القومي المسيحي. الذي يرجعه فيليب حتي في «تاريخ لبنان» إن هذه الفكرة تمتد بجذورها إلى زمن الحملات الصليبية في الشرق حيث تعهدوا للموارنة بتحقيق ذلك عندما تتهيأ الظروف المؤاتية.
فلم تخفِ الإدارة الفرنسية عزمها منذ لحظة قيامها على تحقيق جميع المطالب التي نادى بها دعاة الاستقلال اللبناني. حتى كولوندر صرح على الملأ بأن فرنسا إنما جاءت لبنان لتحمي أصدقاءها الموارنة وتضمن مصالحهم. وكان يجول في المناطق اللبنانية، فيستقبله الموارنة بالهتاف وإطلاق الرصاص. ولا عجب، فالمصالح الفرنسية والمارونية قد تلاقت آنذاك، بأجلى وضوح فلئن كانت فرنسا في حاجة إلى لبنان مسيحي صديق. كمركز لسياستها في المنطقة وهكذا فإن حدود لبنان رسمت ضمن الخطة الفرنسية - الإنكليزية لاقتسام المنطقة، وضمن الدور الذي أرادته فرنسا للبنان في سياستها وكي يستمر بحدود تضمن المجال الحيوي له، بحيث يمكن أن يلعب دوره ضمن المخطط الاستعماري.
فقد كان الموارنة وسواهم من مسيحيي لبنان يشعرون بحاجة إلى الحماية الفرنسية ضد مطامح القوميين العرب في الوحدة الشاملة... فألحت الوفود المارونية التي رأس أحدها البطريرك الياس الحويك على استقلال لبنان وتوسيع حدوده بحماية فرنسا. بالإضافة إلى مواقف رجل السياسة أمثال إميل إدة، الذي كان يرى في لبنان الكبير وطناً قومياً مسيحياً موسعاً. ويرى في (الانتداب الفرنسي) ضماناً لاستقلال لبنان. وكان شديد الصراحة في إبداء رأيه في خطر العروبة على لبنان . وكان يطالب برحيل المسلمين إلى مكة معتبراً أن لبنان هو الجزيرة المسيحية الوحيدة في البحر الإسلامي. وأنه لا مكان للمسلمين فيه، حتى إنه امتنع عن التحدث بالعربية لأنها برأيه لغة المسلمين.
وكان يصر على نقاء لبنان المسيحي، واقترح ذات يوم على الفرنسيين بفصل المناطق التي أضيفت عند خلق لبنان الكبير، وذلك من أجل ضمان مصالح فرنسا في المنطقة. فلبنان صورة الغرب الذي في الشرق والحدود التي تنتهي عندها الحضارة الغربية ليبدأ بعدها عالم آخر .
وإذا كنا نتحدث عن أحوال القرن الماضي وأحداثه وتقلباته وتبدل المعادلات والتوازنات التي كانت تنعكس سلباً أو إيجاباً على الشعوب اللبنانية المتعايشة بحكم الضرورة، فإن الأمر لم يختلف كثيراً فلا زال الحديث قائماً عن الكم والنوع الذي يعكس عنصرية متجذرة في النفوس. وثمة من يريد في الداخل في إطار الصراع اليوم، دفع الفرز إلى حدوده النهائية في سياق مشروع فيدرالية طوائفية تسمح له الإمساك بمناطقه من جهة وتشكل الغطاء الكامل لإنتاج مشروع التقسيم في لبنان الذي لم يفت زمانه بالنسبة إليه حتى الآن. وثمة في الخارج من لا يمانع لأسباب كثيرة ودوافع متباينة .
وكل التوجهات كانت تشير بما يتوجس منه المسلمون بهدف تهميشهم وإقصائهم، من ذلك أنه عمل في حقل التربية الوطنية على تعزيز نفوذ البعثات الكاثوليكية الأجنبية التي كان المسلمون ينظرون إليها بعين الريبة والشك... وفي سنة 1932 عندما ترشح الشيخ محمد الجسر لرئاسة الجمهورية، اعترض البطريرك الماروني انطون عريضة على ترشيح مسلم لرئاسة الجمهورية .
وكان هناك حرص على الإحتفاظ بالمراكز الإدارية الأساسية في الوظائف العامة بيد الموارنة. ومع ذلك كان الغنم لهم والغرم على غيرهم. إذ كانت عائدات لبنان الكبير 17 بالمئة من الجبل و83 بالمئة من المناطق المضمومة من الأطراف التي ألحقت به.
ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، فمضافاً للتمييز والمحاباة في الوظائف فرضت مناهج تربوية تعكس رؤى المستعمر. وكانت غاية فرنسا نشر التعليم الفرنسي بنصه وروحه ومقاومة النفوذ الثقافي الإسلامي...
فأثارت هذه المواقف الأحاسيس الدينية لدى السكان الذين اعتقدوا أن فرنسا تدعم في ظل الانتداب الطوائف المسيحية على حساب مصلحة المسلمين بحسب تعبير الجنرال كاترو.
وكان تشجيع مدارسهم واستقدام لاجئين مسيحيين بأعداد كبيرة، على قدم وساق، حتى بلغ عدد المدارس الطائفية المحلية 650 مدرسة للطوائف المسيحية، يقابلها 153 مدرسة للسنة والشيعة والدروز .
لقد كان للبنان منذ قيامه وظيفة محددة، لذلك طالب الموارنة بتكبير هذا الكيان، وعملوا من أجله لكي يحكموه هم ضمن شروط يضعونها بأنفسهم ولا يشاركهم في وضعها أحد حيث إنه لا حياة له من دون الملحقات بما فيها من سهول زراعية ويد عاملة تؤدي المهن التي يأنف من تأديتها أهل الجبل ويبدو أن السبب الذي حال دون الاكتفاء به، هو التضاريس الصخرية الوعرة التي أبقت هاجس ضرورة توسيع حدود المتصرفية مسألة ملحة.
ولم تكن كل الأطراف المارونية راضية عن هذا الالحاق. لأن تكبير لبنان في حدود المساحة التي حددها غورو كان يهدد بإبطال مفعول واقع الاكثرية المسيحية ذات التفوق الثقافي والاقتصادي آنذاك. وبعضهم طالب بضم جبل عامل إلى فلسطين ويعتبر وليد فارس أن غورو جمع داخل حدود واحدة مجموعتين قوميتين تصارعتا على مدى الأجيال منذ ثلاثة عشر قرناً. وهذا الصراع هو صراع القومية العربية الإسلامية والقومية اللبنانية المسيحية. وإن إنشاء لبنان الكبير كثير الكبر خطأ جدي واضح للعيان حتى في الحقبة التي ارتكب فيها... لأنه في ظل الإصرار على عدم المساواة بين لبنان وملحقاته، في الحقوق والواجبات. كيف يتحقق الوفاق والتجانس بين السكان.
من هذا المنطلق  رفض زعماء المسلمين ذاك الانضمام وأصروا على الوحدة مع سورية التي قال عنها البطريرك الياس الحويك: إن الموت في ظل صخورنا خير لنا من الانضمام إلى دمشق».
وكان لزعماء المسلمين من الشيعة والسنة المبررات الكافية الرافضة للانضمام لأنهم رأوا الأسس المجحفة والغبن الفاضح لحقوقهم، التي قام عليها الكيان العتيد .
هذا كله أصبح من التاريخ الغابر... لأنه اتضح أنه يجب أن يكون هذا الوطن للجميع تؤمن فيه المشاركة على قدم المساواة في الحقوق والواجبات، ولا يمكن فيه لأحد إلغاء الآخر.. هذا قدر، ولنا أن نختار هذا القدر ولا بديل... وحتى يتمكن الجميع من إرساء الأسس الصحيحة التربوية من أجل ترسيخ الانتماء الحقيقي لهذا الوطن والمحافظة عليه والتضحية لأجله. فإننا نحتاج إلى الوقت الكافي لذلك، هذا إذا أحسنت النية للإنتقال من واقع الشعوب اللبنانية إلى الشعب اللبناني!


 

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2010/04/09   ||   القرّاء : 4500


 
 

 

 

البحث في الموقع :


  

 

جديد الموقع :



 هيئة علماء بيروت تتقدم بالعزاء بضحايا الزلزال في إيران

 هيئة علماء بيروت تدين بيان الجامعة العربية بحق المقاومة

  مصيبةُ الإمامِ الحسين (عليه السلام) ابكت كلُّ الوجودِ

  . لماذا ثار الإمام الحسين(عليه السلام)؟

  العباس بن علي عطاء وإيثار

  الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) يرفض البيعة ليزيد ويخرج ثائرا

  إحياء أمر أهل البيت(عليهم السلام)

  الأبعاد المعنوية في شخصية الإمام الحسين عليه السلام

  شرح خطبة الإمام الحسين (عليه السلام) في مكة

  رسالتنا في شهر محرم

 

مواضيع عشوائية :



 قالوا في الإمام الحسين عليه السلام

 الرد على شبهات الجماعات التكفيرية

 الاستشراق والتبشير

  من وظائف الأنام في زمن غيبة الامام عجل الله تعالى فرجه الشريف"

 شيعة علي(ع) وأوصافهم

  من التوجيهات العامّة للخطاب العاشورائيّ في كلام القادة

 المهدي في القرآن

  رجوع النفس إلى بارئها

 مزايا البيت الحرام و فضائله

 هيئة علماء بيروت تنعى السيد الحكيم

 

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 3

  • الأقسام الفرعية : 20

  • عدد المواضيع : 747

  • التصفحات : 2321035

  • التاريخ : 22/11/2017 - 20:16

 

إعلان :


 
 

تصميم ، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

هيئة علماء بيروت : www.allikaa.net - info@allikaa.net