هيئة علماء بيروت :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> تعريف (3)
---> بيانات (60)
---> عاشوراء (48)
---> شهر رمضان (75)
---> الامام علي عليه (39)
---> علماء (11)
---> نشاطات (5)

 

مجلة اللقاء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> فقه (13)
---> مقالات (97)
---> قرانيات (52)
---> أسرة (20)
---> فكر (89)
---> مفاهيم (109)
---> سيرة (67)
---> من التاريخ (16)

 

كُتَاب الموقع :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> الشيخ سمير رحال (1)
---> الشيخ علي أمين شحيمي (1)
---> الشيخ ابراهيم نايف السباعي (1)
---> الشيخ علي سليم سليم (1)
---> الشيخ حسن بدران (1)

 

أعداد المجلة :

---> الثالث عشر / الرابع عشر (12)
---> العدد الخامس عشر (18)
---> العدد السادس عشر (17)
---> العدد السابع عشر (15)
---> العدد الثامن عشر (18)
---> العدد التاسع عشر (13)
---> العدد العشرون (11)
---> العدد الواحد والعشرون (13)
---> العدد الثاني والعشرون (7)
---> العدد الثالث والعشرون (10)
---> العدد الرابع والعشرون (8)
---> العدد الخامس والعشرون (9)
---> العدد السادس والعشرون (11)
---> العدد السابع والعشرون (10)
---> العدد الثامن والعشرون (9)
---> العدد التاسع والعشرون (10)
---> العدد الثلاثون (11)

 

الإستخارة بالقرآن الكريم :

1.إقرأ سورة الاخلاص ثلاث مرات
2.صل على محمد وال محمد 5 مرات
3.إقرأ الدعاء التالي: "اللهم اني تفاءلت بكتابك وتوكلت عليك فارني من كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك"

 

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا
 

 

 

 

 
  • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .

        • القسم الفرعي : فكر .

              • الموضوع : في بيان معنى الولاية بحسب الحقيقة (2) .

                    • رقم العدد : العدد الخامس والعشرون .

في بيان معنى الولاية بحسب الحقيقة (2)

 

في بيان معنى الولاية بحسب الحقيقة (2)

الشيخ حسن بدران

يؤكد العرفاء على فكرة انفتاح الانسان على الغيب؛ بمعنى أن لكل انسان جهة إلى الخلق، وجهة إلى الحضرة الالهية: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) [2: 148]. فالاعمال الصادرة عن الانسان تارة تصدر عنه من الجهة الخلقية، وأخرى من الجهة الحقية. ويرون أن صورة العمل الظاهرية لا قيمة لها، وإنما قيمة العمل بالجهة الباطنية التي يكون فيها للحق تعالى. ولهذا فإن الولاية تصحّح النسبة، بأن تجعل العمل صادرا عن الانسان من الجهة الربانية. وما على الانسان سوى أن يسعى لإيقاظ الجهة الالهية الكامنة فيه من خلال التوجه التام والعشق والمحبة، لكي يتحقق بصفات الله تعالى ويتخلق بأخلاقه ويزول اسمه وينمحي رسمه، فيحصل منه حينئذ ما يحصل من الله تعالى بحكم المظهرية. فالولاية الخاصة إنما تحصل بالتوجه التام إلى حضرة الحق المطلق سبحانه، بحيث تقوى الجهة الإلهية في العبد، والتي تلي الحق تعالى، وتشتد بهذا التوجه إلى أن تقهر الجهة الخلقية وتفنيها من أصلها، ويحصل عند ذلك الفناء التام. وقد مثّلوا لكون التوجه إليه موجبا للفناء عن الجهة النفسية، والبقاء بجهة الالهية، بالقطعة من الحديد المجاورة للنار؛ فإنها بسبب المجاورة والاستعداد لقبول الصفات النارية، والقابلية المختفية فيها، تتسخن قليلا قليلا، إلى أن يحصل منها ما يحصل من النار من الإحراق والإضاءة وغيرها، وقبل ذلك كانت مظلمة كدرة. وإذا كان هذا هو الحال في قطعة الحديد، فكيف بالروح الإنسانية والنفس الناطقة القدسية، القابلة للخلافة الإلهية والوجود الحقاني بالتصفية والتسوية، كما أشير إلى هذه الروح بقوله تعالى: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ) [15: 29].

ويترتب على ما تقدم أمرين:

1. أن الفناء هو فناء الجهة والأثر البشري، وليس انقلابا في الذات الذي هو محال. ذلك أن المحو هو ذهاب الكل، ونفي الكل لا يقع إلا على الصفات. والفناء لا يكون على الذات في حال بقاء البشرية.

2. أن فناء الجهة يحصل تدريجيا بفعل القابلية والاستعداد الكامن في الانسان. باعتبار أن كيفية الاتصاف بمقام الولاية الخاصة واثباتها ينبع من الطبيعة الانسانية التي خلقها الله تعالى والتي تتبع مبدأ التدرج بحسب القابليات.

وقد تكفلت به النصوص القرآنية والروائية ببيان وجود مثل هذا الاستعداد الخاص في طبيعة الانسان، قال تعالى: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ) [15: 29]. وقال تعالى: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) [10: 62]. ولا شك في أن دلالة الدليل القرآني على وقوع العلاقة الولائية الخاصة بين الانسان وربه، تغنينا من البحث عن امكانها؛ إذ الوقوع أدل دليل على الامكان.

على أن نشأة الانسان مجهّزة بأسباب التوجه نحو الحق بدافع فطري؛ ولا شك أن كل كمال وجمال فهو محبوب بحكم فطرة الانسان. فقد فطر الله تعالى النفس على محبة الجمال وطلب الكمال، وحيث إن ذاته المقدسة أجمل من كل جميل، بل جمال كل جميل رشحة من بحر جماله وكماله، فتكون المحبة كامنة في الإنسان بالنسبة إليه تعالى. غاية الأمر، أن تحقق المحبة يتوقف على الالتفات الى جمال المحبوب، فإذا انكشف حجاب الغفلة بقوة الايمان، ورأى الانسان جمال ربه الجميل؛ أحبه: (وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ) [2: 165]. وما لم ترتفع الحجب الحائلة دون مشاهدة جمال الله تعالى، لا تصير محبة الجميل الكامنة في فطرة الانسان فعلية. فالمعرفة والالتفات شرط تحقق المحبة. ولا بد لمن أراد الوصول إلى الفناء عن النفس من تحصيل المحبّة به تعالى.

كما أن محبة الله تعالى موجبة للعزوف والتقوى عما عداه، والتقوى هنا في ترك الحلال، لا في ترك الحرام. ومن مراتب التقوى الاجتناب عن رؤية النفس. وأعلى مراتبها هو الاتقاء عن مشاهدة السوى؛ فالتقوى بحقيقتها هي اتقاء مشاهدة وجود الخلق مع وجود الحق. فلا تظهر محبة الله تعالى للإنسان، وترتفع الحجب، إلا باجتنابه المحارم، بل وكل ما يضاد المحبة ويناقضها؛ ذلك أن تمامية التوجه الى الله تعالى وكمال الانقطاع اليه يستوجب ترك التوجه الى ما عداه، فالتقوى هي العزوف عن الكثرة والسوى، وهي سبب لحبّ اللَّه تعالى لعبده، ومحبته تعالى له تقتضي كشف الحجب، فإذا انكشفت الحجب وشاهد الانسان جمال الجميل أحبه، وإذا اشتد الحب إلى النهاية - ولا نهاية لظهور جماله - فقد تحقق الوصل والفناء.

هكذا يقع الانسان في مدارج التكامل الفطري، ويغادر مواطن الاستعداد والكمون مهاجرا الى ربه عبر طي مراتب التحقق والفعليات، ليستقر في جوار ربه الكريم من خلال الحركة بين الخلق والحق، هذه الحركة التي تقع في مراتب الوجود الانساني؛ بالترقي عن أدناس مقام النفس إلى مقام القلب، ومن أنوار مقام القلب إلى مقام الروح، ومن أضواء مقام الروح إلى الجنة المزلفة للمتقين. فإذا وصل السالك إلى المقصود برفع تلك الحجب الظلمانية في مقام النفس، والحجب النورانية في مقامي القلب والروح، شاهد حينئذ جمال الحق، وأفنى ذاته فيه.

وبهذا الاعتبار جعلوا الاسفار التي يسلكها السالك على مراحل متناغمة وفق ثنائية الخلق والحق، وفي السفر الاول يسعى السالك لتحصيل وحدة الشهود: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) [2: 115]، و(هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) [57: 4]. وتحقيق الغلبة لأحكام الحق، بحيث يظهر له أن الملك: (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [40: 16]، ولا يعود يرى في الوجود إلاه. وبالتالي يتخطى السالك المعرفة الظاهرية إلى معرفة من نوع أعمق، ولا يعود يكتفي بمعرفة ظواهر الأشياء فحسب: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [30: 70]، وإنما يسعى إلى معرفة الحقائق، والتي تتحدد من خلال مراحل السفر اللاحقة. وبذلك يتهيأ القلب لاستبصار الوجود الحق بعد تخليته من الوجود الباطل؛ فما خلق الله في جوف امرئ من قلبين. فهذا القلب تارة يكون مستغرقا في الغفلة، بحيث يغلب عليه الذهول عن تعلقه الفطري بالكمال، وقد يعرض له الالتفات فيلوذ بالله تائبا، ويستيقظ من غفلته. وتارة بالعكس، لا يكون مستغرقا في الغفلة، وإنما تعرض عليه الغفلة بتأثير النفس الأمارة فينسى، ويخلط عملا صالحا بآخر سيء، ثم يعود بالتوبة إلى سيرته السائدة من الالتزام بالشريعة وأحكامها. وثالثة ينفض عن ثوبه غبار الغفلة، ويتمكن من كبح جماح النفس، ويأخذ بقيادها نحو جادة الحق، ولكن دون أن يحصل له التجرد التام عن التعلق بالدنيا. وفي جميع هذه الأحوال لا نصيب للإنسان من مقام الولاية الحقة؛ لابتلائه حينئذ بعشق المظاهر والأغيار، ووقوعه في أسر القيود والأستار. ولهذا فإن أول درجات الولاية لا تحصل إلا بعد إزالة التعشق عن المظاهر والأغيار، والخلوص من القيود والأستار. فيتهيأ بذلك للعبور في المنازل والمقامات، والحصول على المراتب والدرجات. وبذلك يكون في السفر الثاني الذي هو سفر الولاية على الحقيقة.

هذا، ويُرجع العرفاء حجب الظلمة والنور إلى حجاب النفس: "وذلك منك... لا من غيرك... لأنك الحجاب الاقرب... ومن كونك سترا وحجابا حددته، فمعرفتك به في هذا الموطن عين الجهل به، واما الغير فحجاب أبعد بالنظر اليك"[1]. فالانسان هو الحجاب على الحق، وبالتالي: "لا يمكن للمعلولات مشاهدة ذاته إلا من وراء حجاب أو حجب، حتى المعلول الأول فهو أيضا لا يشاهد ذاته إلا بواسطة عين وجوده ومشاهدة نفس ذاته. فيكون شهود الحق الأول له من جهة شهود ذاته وبحسب وعائه الوجودي لا بحسب ما هو المشهود"[2]. وإذا كان الانسان حجاب الحق بوجه، فهو أيضا كشفه بوجه؛ وحينئذ تتحول النظرة الى الحجاب من حاجز مانع، إلى طريق موصل الى وجه الله تعالى وقربه. ويترتب على هذا، أن يتحول كل موجود من حجاب على الحق، الى باب يدخل منه على الحق، لأن كل موجود هو تجل وتعين للحق، وفيه إمكان الايصال اليه بالاضافة إلى حجبه؛ "وليس الوقوف خلف الباب بحجاب اذا كان الباب يستحيل الى من يكون خلفه الوصول، والاقامة لديه والنزول، فيكون الباب عين المطلوب"[3].

ويمكن مقاربة مسألة الحجاب ضمن النقاط التالية:

1 - إن الإنسان يسعى بفطرته حثيثا إلى احتواء مظاهر الغنى والكمال، وإن صاحب كل كمال وجمال حقيقيين هو الله تعالى لا غير، وكل من يدرك هذه الحقيقة ويتذوقها، لن يتعلق قلبه بغير الله تعالى، ولن يرجو غيره تعالى، فالعالم بأسره يبحث عنه تعالى، ويحوم كالفراش باحثا عن جماله الجميل، وليس من حركة تقع إلا له تعالى، وليس من قدم تخطو إلا نحو ذلك الكمال المطلق.

2 - إن الإنسان الذي ينفر بفطرته من الفقر والنقص والعدم يجد صفات النقص هذه على الدوام في نفسه وفي المخلوقات من حوله، وإن أي كمال أو جمال ينطوي عليه أي موجود ليس منه ذاتا، إنما هو مظهر لكمال الله تعالى وجماله، بل إن حقيقة شهود السالك ونتيجة السلوك هو رؤية ذل العبودية في نفسه وفي جميع الموجودات.

3 - إن التوجه إلى غير الله تعالى يحجب الإنسان بحجب ظلمانية وحجب نورانية؛ فالأمور الدنيوية بأجمعها إذا ما تسببت في انشداد الإنسان إلى الدنيا وغفلته عن الله تعالى، فإنها تبعث على الحجب الظلمانية. وإن أهم الحجب وأشدها ظلمة هو التعلق بالنفس، فحقيقة الحجاب قائمة بنا، ونحن بذاتنا حجب، فأنانيتنا وإنيتنا هي التي تحجبنا، وإلا فإن الله سبحانه ظاهر بنفسه، بل إن كل ظهور هو ظهور له.

4 - إن النفس التي هي في ذاتها عين الفقر، قد يظهر فيها بعض الكمالات المستعارة، والتي من خلالها يمكن التعرف على صاحب الكمال الحقيقي بمقدارها فينا، وأما الميل إلى النفس والتعلق بها - بتوهم أن لديها كمال حقيقي - فهو سبب الإغتراب والمعاناة والإحتجاب، ونحن وأمثالنا - ممن حجبتنا الحجب الظلمانية المتراكمة بعضها فوق بعض - إنما نعاني ونتعذب نتيجة هذا الاحتجاب.

5 - إن أول خطوة تمهد لرفع الحجاب هي أن نعتقد أننا محجوبون، وأن نصحو تدريجيا من خدر الطبيعة الذي شمل كامل وجودنا من السر والعلن والباطن والظاهر.

إذا، لا بد من خرق هذا الحجاب وفتح الباب كشرط للخروج من منزل النفس: (وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) [4: 100]. فكما أن الهجرة الصورية هي عبارة عن هجرة البدن إلى الكعبة أو إلى مشاهد الأولياء، كذلك الهجرة المعنوية هي الخروج من بيت النفس ومنزل الدنيا إلى الله.

وعلى السالك الذي يسعى للورود إلى الضيافة الإلهية أن يبدد كل الحجب من أمام طريقه، سواء النورانية منها أو المظلمة، وهو المعبر عنه بـ "كمال الانقطاع". وإلا فما لم يبدد حجب الظلام، وما دامت كل توجهاته إلى عالم الطبيعة، وما دام يجهل ما وراء الطبيعة والعالم الروحي، سوف لن يستفيد من القوى الروحية والمعنوية الذاتية لإزالة ما ران على قلبه من ظلمة الذنوب. إن إنسانا هذا شأنه هو في الحقيقة في أسفل سافلين، الذي هو أدنى حجب الظلام وأشدها: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) [95: 5]؛ في حين أن الله - سبحانه - خلق الإنسان في أسمى مرتبة ومقام: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [94: 5].

وآية الخروج والسفر والهجرة إلى الله تعالى هو زوال كل تعلق بنفسانية السالك، وإلا فما دامت البقايا من الأنانية على امتداد نظر السالك وجدران مدينة النفس فهو في حكم الحاضر، لا المسافر ولا المهاجر.

فإذا تطهر الانسان من دنس الأغيار، وخلع ربقة الحجب بقسميها، تحوّل الحجاب الى باب للشروع في سفر الولاية من خلال التخلق بصفاته  تعالى والتحقق بكمالاته سبحانه؛ "تخلقوا بأخلاق الله"[4]، ومشاهدة أسماءه، وفناء ذاته وصفاته وأفعاله في ذات الحق وصفاته وأفعاله؛ "بي يسمع وبي يبصر وبي يمشي وبي يبطش"[5]. وليس التخلق بالأسماء هو التخلق بألفاظها أو بمفاهيمها، وإنما يكون التخلّق بالواقع العيني الذي للأسماء، ويراد بالأسماء الإلهية مصاديقها الواقعية، ويراد بالسالك في الاسماء ما يكون بحسب الواقع عالما حيا قادرا، وحين يتخلق السالك باسم، يظهر منه ما هو أثر ذلك الاسم. وعليه فالسفر الثاني هو سفر من الاسم المقيد إلى الاسم المطلق، ذلك أن كل اسم هو نسبة خاصة وتعين خاص الى الذات، فالقادر هو نسبة القدرة الى الذات، والسالك يتجاوز النسب والتعينات ليدرك الله في اطلاقه. وحيث إن الحق مطلق غير متناه، فالسفر من الحق المقيد إلى الحق المطلق غير متناه. والسالك يتخطى في هذا السفر المعرفة الظاهرية، ويقف على حقائق عالم الأسماء والصفات.

والسالك بعدما تحقق بأسماء الحق، وانمحى فيها، يحصل له الصحو بعد المحو، والبقاء بعد الفناء. ويحظى بالوجود الحقاني الذي ينظر فيه بعين الله... ويجتمع لديه الخلق مع الحق: "ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله معه..."[6]. ويشاهد ملكوت السماوات والارض بأعيانها ولوازمها: (كَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) [6: 75]، ويطلع على حقائق أفعاله تعالى والتي هي عين الخلق، فتحصل له معرفة حقائق عالم الإنسان، وحقيقة كل شيء هي عين الربط والتعلق والفقر الى الله سبحانه: "رب أرني الأشياء كما هي" [7]. ويحصل له نتيجة ذلك العلم بمضار الاشياء ومنافعها في الدنيا والآخرة، ويعلم كيفية رجوعها إلى الله، وما يسوقها ويقودها ويخزيها، وما يمنعها ويعوقها ويدعوها. فيكون نبيا بنبوة التشريع ويسمى بالنبي، فإنه ينبئ عن بقائها ومضارها ومنافعها، وعما به سعادتها وعما به شقاوتها، ويكون في كل ذلك بالحق لأن وجوده حقاني، ولا يشغله الالتفات إليها عن التوجه إلى الحق.

ويتوقف ذلك بنظر العرفاء على متابعة النبي (ص) والتي توصل الى المحبة الالهية، وهو اتباع الشريعة، والأوامر والنواهي التي تبيّن للانسان ضوابط العبادات، وموازين المعاملات والأحكام، ولا بد من التزام الشريعة في سبيل تحصيل السعادة الحقيقية في دار القرار؛ حيث لا ملك إلا لله تعالى: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ) [22: 56]، (فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ) [23: 101]. فالدار الآخرة تقوم على الحقائق لا على الاعتبارات. والالتزام بالشريعة ومتابعة النبي (ص) ينشأ من محبة الانسان لله تعالى، فإذا شملته محبة الله تعالى يعبد الله حينئذ لأنه أهل لذلك.

والشريعة تقتضي السلوك برفع الحجب، والحقيقة تقتضي الظهور بالحق؛ ذلك أن سالك طريق الولاية على قسمين: السالك غير الواصل: وهو من حصلت له الولاية بإزالة التعلقات السوائية، والحصول على مراتب علم اليقين، وعين اليقين، ومع ذلك ليس مقامه مقام الوصل؛ لكونه بعد في حجاب العلم والشهود، والشرك الخفي. والسالك الواصل: وهو تجاوز مرحلة الكشف والشهود الى فناء الشاهد في المشهود، ومحو العابد في المعبود، وذلك بسلوك طريق الحق بالفناء عن الأفعال والصفات والذات، والتحقق بمقام قرب النوافل وقرب الفرائض؛ بأن ينمحي رسمه، ويزول عنه اسمه، فيتجلى الحق له. وهذا هو الولي الواصل.

ثم إن ثمرة سلوك طريق الولاية هو تحصيل المحبة الالهية، فاذا صار العبد محبوبا لله سبحانه وتعالى، فقد أحرز مقام القرب المعبّر عنه بقرب النوافل أو قرب الفرائض؛ كل بحسبه. والقرب هو عبارة عن الدنو من المحبوب بالقلوب؛ مكاشفة، ومشاهدة، وانقطاعا عما دون الله تعالى. وهو على نوعين:

أ. مقام قرب النوافل: وهو زوال الصفات البشرية وظهور صفاته تعالى على البشر بفعل التخلق باخلاق الله تعالى والتحقق باسمائه، ولهذا يكون الله تعالى سمع العبد وبصره ولسانه ويده، والعبد يحيي ويميت ويسمع ويبصر ويبطش بإذنه تعالى. وفي الحديث المروي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): "وإنه ليتقرب إلي بالنافلة حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته"[8]. وليس هو مقام الفناء بالكلية؛ لرجوع الضمير في قوله "كنت سمعه وبصره..."  الى العبد، وهو مؤذن ببقاء الانية.

ب. مقام قرب الفرائض: وهو فناء العبد بالكلية عن الشعور بجميع الموجودات، حتى نفسه وإنيته ايضا، بحيث لم يبق في نظره إلا وجود الحق سبحانه. وفي الحديث المروي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): "ما يزال عبدي يتقرب إلي بالفرائض حتى أحبه، فإذا أحببته صار سمعي..."[9]. وإذ رجع الضمير الى الله تعالى، صار العبد سمع الله تعالى وبصره؛ لأن العبد فان عن نفسه وإنيته بالكلية. كما أنه لا محدودية في سمع الله تعالى وفي بصره وفي نطقه وبطشه.

يقول السيد حيدر الآملي: "على ان قرب الفرائض وهكذا قرب النوافل لا يرتبطان الى مقام الذات، وكذا لا يتحققان في الصفات الذاتية له سبحانه وتعالى، بل يقعان لمن وصل هذا المقام والمنزلة في مقام الفعل، اي ان العبد يكون يد الله سبحانه وتعالى في مقام فعله تعالى وهكذا هو سبحانه وتعالى يكون يد العبد في مقام الفعل والظهور: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) [8: 17]، (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) [48: 10]" [10].



[1] الفتوحات المكية، ابن عربي، الجزء الثاني، دار صادر، بيروت، الصفحة 597.

[2] الأسفار، ملا صدرا الشيرازي، الجزء الأول، الصفحة  116.

[3] الفتوحات المكية، ابن عربي، الجزء الرابع، دار صادر، بيروت، الصفحة 342.

[4] بحار الأنوار، المجلسي، الجزء 58، الطبعة الثانية، 1983 م، مؤسسة الوفاء، بيروت، الصفحة 128.

[5] بحار الانوار، المجلسي،  الجزء 70، الطبعة الثالثة، 1983 م، دار احياء التراث العربي، الصفحة 78.

[6] شرح أصول الكافي، مولى محمد صالح المازندراني، الجزء الثالث، الطبعة الأولى، 2000 م، دار احياء التراث العربي، الصفحة 83.

[7]  رسائل المرتضى، الجزء الثاني، تحقيق السيد أحمد الحسيني، 1405، دار القرآن الكريم، قم، الصفحة 261.

[8] أصول الكافي، الشيخ الكليني، الطبعة الرابعة، 1365 هـ، تحقيق علي أكبر غفاري، دار الكتب الإسلامية، الصفحة 352.

[9] صحيح البخاري، الجزء السابع، 1981 م، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الصفحة 190.

[10] تفسير المحيط الاعظم، الجزء الرابع، الصفحة 86 - 90.

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2013/12/24   ||   القرّاء : 2121


 
 

 

 

البحث في الموقع :


  

 

جديد الموقع :



  النصف من شهر رمضان ولادة ريحانة الرسول صلى الله عليه وآله الإمام الحسن المجتبى (ع)

  قيم تربويـّة واجتماعيـّة في شهر رمضان الكريم : التصدّق

 قيم تربويـّة واجتماعيـّة في شهر رمضان الكريم صلة الأرحام

  قيم تربويـّة واجتماعيـّة في شهر رمضان الكريم : تكريم الأيتام

 قيم تربويـّة واجتماعيـّة في شهر رمضان الكريم : حسن الخُلُق.

 العبادة وآثارها في شهر الله

  خصائص شهر رمضان وأسراره

  شهر رمضان ربيع القرآن

  شهر الله ... شهر الانابة والتوبة

 العاشر من شهر رمضان ذكرى رحيل أم المؤمنين السيدة خديجة الكبرى عليها السلام

 

مواضيع عشوائية :



  تعريف الحرب الناعمة ومصادرها ومواردها

 تهنئة

 حقوق السجين في الإسلام .

 التغيير والتطور هدف: الرسالة الإسلامية

  ألفاظ العلم و الإدراك في القرآن

 الوعظ

 حول شخصية الرسول الأعظم

 الشيعة والتقوى

 قواعد التعامل مع الناس

 مقالات الشيخ سمير رحال في الموقع

 

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 3

  • الأقسام الفرعية : 20

  • عدد المواضيع : 709

  • التصفحات : 2148440

  • التاريخ : 25/06/2017 - 06:35

 

إعلان :


 
 

تصميم ، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

هيئة علماء بيروت : www.allikaa.net - info@allikaa.net